التمرة التي أفاضت الكأس

التمرة التي أفاضت الكأس
أرشيف
الخميس 6 ماي 2021 - 23:29

هل سمعتم يوما أن هناك نوعا من النخيل يموت بموت زارعه؟ قصص وحكايات عديدة رويت حول العلاقة الروحية التي تنشأ بين النخلة والإنسان، تماما كما العلاقة بينه والحيوان. جاء في الأثر الشريف قول الرسول عليه الصلاة والسلام “أكرموا عمتكم النخلة”. ولما سأل الصحابة عن سر العلاقة مع هذا المخلوق، رد سيد الخلق كونها خلقت من بقية خميرة سيدنا آدم. فهناك تطابق كبير بين النخلة والآدميين بحيث يبدو أنها الشجرة الوحيدة التي إذا قطع رأسها هلكت كالإنسان. وإذا قطع منها غصن لا يخلفه غصن آخر كعضو بديل في آن.

كثيرا ما أثير الجانب العاطفي للنبات من خلال تمظهرات غريبة تعكس حنانه وبكاءه. إلا أن العديد يلقون صعوبة في استيعاب موضوع الموت حزنا على الإنسان، ولو أن أجدادنا ساقوا حكايات كثيرة حول حالات عديدة سجلت ضياع حقول للنخيل جراء قضاء صاحبها. وفي غياب أدلة علمية تفيد بمدى تأثر النبات حزنا على وفاة الإنسان، تبقى هذه النظرية في حاجة إلى برهان.

لكن ماذا عن تأثر الإنسان بفقدان نخل الواحات والوديان؟ هذه حقيقة لا تحتاج إلى تأكيد أو نفي أو نكران. “واحة العرجة” وما صاحبها من عمليات اقتلاع وترحيل العمة النخلة تقدم أبلغ بيان. حيث أقدمت السلطات الجزائرية على قرار إغلاق كل المعابر الحدودية وطرد مزارعين مغاربة بسطاء من أراض زرعوا فيها النخيل وجنوا منها التمور لسنين وعقود على المنطقة الحدودية بين المغرب والجارة الشقيقة، غير آبهة بوصاية تكريم “العمة النخلة” فبالأحرى تكريم الجار الشقيق، وهو ما رد عليه مزارعون مغاربة من مدينة فكيك والضواحي بمظاهرات ضد القرار المباغت للسلطات الجزائرية حاملين شعار: “العرجة مغربية بالتاريخ والاستغلال”، لتتدخل السلطات المغربية وتمنع المتظاهرين الغاضبين من التوجه بالمظاهرة إلى منطقة الحدود.

الضيعات التي شملها قرار الجارة تضم 70 ألف شجرة نخيل. فهل هي “أزمة العمة”؟ أم هي جراح الماضي الغائرة التي لم تندمل بعد؟ أم مجرد مشهد يعكس وضعية ومآسي سكان المناطق الحدودية؟ أم هو نزوح العسكرتاريا الجارة إلى نقل جزء من الأزمة خارج الحدود من خلال خلق بؤر توتر مع المملكة الجارة؟

السلطات الجارة عللت موقفها المفاجئ هذا انطلاقا من اتفاقية 1972 التي رسمت بموجبها الحدود بين البلدين والتي بمقتضاها يحق للجارة استرجاع أراضيها وفق تقديرها. وحتى لو سلمنا جدلا بصحة هذا الطرح، يبقى السؤال: لماذا هذا القرار في هذا التوقيت بالذات بعد نصف قرن من الزمن؟ بتعبير آخر ماذا تغير اليوم، بعد خمسة عقود، حتى تقرر الجارة ضرورة “استرجاع” أراضيها؟

لنعد إلى اتفاقية 1972 التي رأت فيها الجارة اليوم حجية لقرارها الذي سقط فُجَاءَة. الفصل السابع من الاتفاقية المذكورة جاء كما يلي: “اتفق الطرفان المتعاقدان الساميان على أن مُقتضيات هذه المعاهدة تسوي نهائيا قضايا الحدود بين المغرب والجزائر”. وبعد مرور سنة على توقيع الاتفاقية، أي عام 1973، بادرت السلطات الجارة إلى نشرها بالجريدة الرسمية الجزائرية، وهي الجريدة نفسها التي تضمنت نص التصريح المغربي الجزائري والذي يؤكد على “نهج سياسة حسن الجوار بين البلدين الشقيقين”. الفصل الموالي من الاتفاقية، أي الفصل الثامن، يشير إلى ما يلي: “يجري العمل بهذه المعاهدة عند تبادل وثائق المصادقة”، وهو الأمر الذي لم يحدث إلا بعد 17 عاما، أي سنة 1989. بعدها بثلاث سنوات أي عام 1992 تم النشر بالجريدة الرسمية للمملكة.

وهنا لا بد من ملاحظتين: هرولة الجارة إلى المصادقة على الاتفاقية-المكسب من جهة وتأخر المغرب لعقدين من الزمن للمصادقة عليها من جهة أخرى. فماذا يعني هذا التأخير؟ هل له علاقة باسترجاع الأقاليم الصحراوية؟ أم هو شعور بالإجحاف والحيف؟ أم تنازل طوع الإرادة لتطويع عناد جوار شَمُوس؟

شاهد عصر، أحمد عصمان، الوزير الأول السابق ورئيس مجلس النواب آنذاك، سبق وأن أدلى بتصريح لجريدة الشرق الأوسط سنة 2002 منبها: “لا بد من مراجعة اتفاقية الحدود بين المغرب والجزائر طال الزمن أم قصر، لأنها لم تقدم للبرلمان قصد المناقشة والمصادقة”. بمعنى أن هناك علّة قانونية شابت المصادقة عليها من الجانب المغربي، معللا طرحه بالقول: “مقتضيات الدستور تنص على أن الاتفاقيات مع الدول يوقع عليها الملك ويصادق عليها، إلا في حالة الاتفاقيات التي تترتب عنها تكاليف تلزم مالية الدولة، وفي هذه الحالة تكون الموافقة عليها بقانون. ومن الواضح الانعكاسات الكبيرة لهذه الاتفاقية على مالية الدولة وعلى البلاد ككل. وبما أن البرلمان لم يصادق على اتفاقية الحدود المغربية-الجزائرية، فإنها اتفاقية غير مصادق عليها دستوريا حتى الآن”.

هذا كلام نابع من شخص كان على رأس التشريع المغربي آنذاك. وحسب تصريحه، دائما، فقد كان الوحيد الذي عارض اتفاقية 1972 ضمن زعماء الأحزاب السياسية. وهو على ما يبدو موقف تبرره صفة الرجل آنذاك أي رئيس مجلس الشعب المغربي.

لكن وبما أن الجارة الشرقية تشتهي التحجج بالتاريخ، فلا بد من استعراض فصوله كاملة. لنعد مرة أخرى إلى سنة 1844 وهي السنة التي دارت خلالها رحى معركة إيسلي الشهيرة بين الجيش المغربي والجيش الفرنسي بالقرب من مدينة وجدة، وبادر خلالها المعمر الفرنسي، في عملية لشل حركة المقاومة المغربية، إلى ضرب ميناء طنجة ثم ميناء تطوان ثم ميناء أصيلة مخلفا الآلاف من الضحايا من قتلى وجرحى في صفوف الجيش المغربي.

بعدها فرضت فرنسا عقوبات قاسية على المغرب بدءا باستيلائها على بعض أراضيه التي ضمتها لمستعمرة الجزائر الفرنسية، كما فرضت عقوبات مالية على المغرب ومنعته من تقديم الدعم للجزائر، وهي المعاهدة التي اشتهرت باسم “للا مغنية” وقعها المغرب مع فرنسا سنة 1845 بمدينة مغنية الجزائرية المتاخمة لمدينة وجدة.

فهل تساءلت الجارة يوما عن سبب اندلاع معركة إيسلي التي سالت فيها دماء آلاف الشهداء المغاربة؟ تلاها فرض معاهدة للا مغنية على جارتها الغربية اغتصبت بمقتضاها أراضيها وأهدرت كرامتها!

إنه للذكرى والتاريخ ثمن الوفاء للجارة وضريبة الذود عن مشترك اللسان والتاريخ والعقيدة، وهو ما وصفه الفرنسيون بتعنت وإصرار السلطان المغربي مولاي عبد الرحمن على تقديم المساعدة للمقاومة الجزائرية ضد فرنسا واحتضانه للأمير عبد القادر. هذا هو التاريخ الذي وجب استحضاره في كليته لضمان القراءة الصحيحة لجزئياته.

فهل وقفت الجارة يوما على ثمار الماضي في التضامن والتآزر والإخاء لتحصين وحدة الوطن والتراب؟ أم أن تمور “واحة العرجة” هي انعكاس لعرج جوار صعب جفت معه واحات التآزر والتعاضد والوفاء بالدين. فالجوار هو شجرة ذات فروع وأوراق وجذوع وجذور.

من الأقوال المأثورة للوزير الأول البريطاني ونستن تشرشل أن “الوطن شجرة طيبة لا تنمو إلا في تربة التضحيات وتسقى بالعرق والدم”. فشرط الفلاحة غرس النبات وشرط الجوار غرس الرجال.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • الحقيقة
    الخميس 6 ماي 2021 - 23:56

    لو كان المحيط الاطلسي دولة لاتهمه المغاربة بالاستيلاء على ارضهم يا لغارابة هذا الشعب. المملكة المغربية هي الدولة الوحيدة في العالم التي لديها مشاكل مع كل جيرانها شمالا جنوبا و شرقا و من هنا نفهم في من المشكل الحقيقي.
    لو تقبل المغاربة بحدودهم الحالية و نسو السنوات الغابرة و اهتموا بتنمية دولتهم لكانوا من احسن الدول لان بموقع المملكة و ثرواتها تمكنهم من ذلك و شكرا حرية الرأي.

  • فرنسا العدو .
    الجمعة 7 ماي 2021 - 00:42

    قامت فرنسا بترسيم الحدود مع المغرب ليس كطرف محايد وإنما كطرف من الإتفاقية لأنها كانت تعتبر الجزائر ارضا فرنسية وليست مستعمرة . وهو ما جعلها تستولي على أراضي مغربية وتضمها لما كانت تعتبرها فرنسا الجديدة وهكذا قامت باقتطاع أراضي شاسعة من كل دول المنطقة غربا وشرقا وجنوبا . فاستولت على كل الصحراء الشرقية المغربية الغنية بالغاز الطبيعي والبترول وضمتها بعقلية المستعمر الغاضب للجارة التي كانت تعتبرها مقاطعة فرنسية .

  • aziz
    الجمعة 7 ماي 2021 - 12:31

    الذي اشتهر بلقب مول الكراطة إختلاس 22 مليار وحرا طليقا وعلمات الفرح في وجهه .هذه هي سياسة عفى الله عما سلف .وهذه الخرجات تلميح إلى ترشيح .ولكن الشعب سيقاطع الإنتخابات.

  • محايد مغربي
    الجمعة 7 ماي 2021 - 18:02

    اولا، الحديث الذي اوردته حديث موضوع لا يصح، ارجوا ان تبتعدوا عن الاسلام في تلاعبكم بمشاعر المواطنين المغاربة والجزائريين، وشكرا، الوطنية لا يتزايد بها المتزايدون ولا تدعوا للحقد والحرب

  • مواطن
    السبت 8 ماي 2021 - 09:36

    النخلة من خميرة ادم، النخلة عمة، النخلة تموت بموت صاحبها، ما هده الخزعبلات يا استاد، ليس كل منسوب النبي صحيح، ليس كل شيء مباح لكسب تعاطف القراء، أما دفاعك عن المغرب وارضه وكرامته فأنت مشكور عليه

  • Ryahi
    السبت 8 ماي 2021 - 18:15

    En deux mots : un tiens vaut mieux que deux tu l’auras
    La preuve

  • Amaghrabi
    الأحد 9 ماي 2021 - 14:41

    الدولة المغربية والحمد لله تحاول ان تحاور الاعداء بالتي هي احسن سواء كانوا اقويا مثل المانيا واسبانيا او ضعفاء مثل الجزائر او موريطانيا وبالتالي فحينما تتخذ القرار او الموقف المناسب تكون قد طبقت المأثور الذي يقول “لا تحاول ان تغير رأي اعدائك وانما غير موقفك ازاءه”الحمد لله انا راض جدا عن جل مواقف دولتي وجد ساخط على بعض المواقف الشاذة الذي يعارضون مواقف وقرارات دولتي من اجل اوهام او امنيات بعيدة بعد المشرق عن المغرب لكي تتحقق

صوت وصورة
ميطا 3 | "أسود الفوتسال" يكتسحون الجزائر
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 22:52

ميطا 3 | "أسود الفوتسال" يكتسحون الجزائر

صوت وصورة
"إنوي" تطلق قافلة الألياف البصرية
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 22:45

"إنوي" تطلق قافلة الألياف البصرية

صوت وصورة
"اتصالات المغرب" تعزز الأمن السيبراني
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 21:49 1

"اتصالات المغرب" تعزز الأمن السيبراني

صوت وصورة
حنان والإصرار على النجاح
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 12:47 6

حنان والإصرار على النجاح

صوت وصورة
التوعية بدور المساعدة الطبية
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 10:54

التوعية بدور المساعدة الطبية

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش