الجزية ليست حكما شرعيا

الجزية ليست حكما شرعيا
الأربعاء 28 أكتوبر 2015 - 22:46

قرّر الفقهاء الأولون، سنة وشيعة وغيرهم، أن إلزام الأقليات غير المسلمة بدفع الجزية – التي هي ضريبة على كل شخص – حكم شرعي محكم لا يقبل النسخ، واستدلوا على هذا الرأي الكاسد الفاسد بقوله تعالى في سورة التوبة: ( قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ، حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ).

ثم توارد العلماء على تقليد هذا الاستنتاج المشوّه وتبنّيه، وصار جزءا راسخا من فقه الأحكام السلطانية الخادمة لحكام العض والجبر على مرّ تاريخ الأمة المسلمة إلى أن حطمته المواثيق الدولية بعد صدمة “الاستعمار”.

ويحلم المتطرفون من ذراري المسلمين اليوم ، تبعا للاستنتاج الفقهي الكاذب ، بإعادة أمجاد الأجداد وذلك بالسعي لفرض الجزية على أهل الذمة الكتابيين من اليهود والنصارى ونحوهم الأقلية في بلاد المسلمين كالشام ومصر، بل إن رموزا من رموز “السلفية” دعوا قبل المشاركة في الانقلاب على مرسي البطل إلى ضرورة فرض الجزية على الأقباط من جديد بحجة أن المسلمين يؤدون الزكاة، متجاهلين أنها عبادة مفروضة على المؤمن بشريعة الإسلام دون سواه.

إن فرض الجزية على المنهزمين ليس تشريعا عاما إلى يوم الدين، بل هو توجيه عسكري خاص بزمن كان النظام العالمي يقرّه، فقد كان أداؤها قانونا عسكريا عالميا إلى عهد قريب، وتغير هذا العرف والتقليد في العصر الحديث، وتم إبطاله تماما كإبطال الرق والعبودية.

والمسلمون جزء من البشرية فعليهم أن يحترموا الأعراف الكونية وإلا فليتقبلوا أن تفرض عليهم الجزية حيث كانوا أقلية أو مهاجرين أو محتلين، وليرضوا أن تسبى ذراريهم ونساؤهم ويتحولوا إلى عبيد عند الغزاة.

لقد كان دفع الجزية – قبل تبدل النظام العالمي – هو البرهان الأعظم على ضعف العدو المحارب عسكريا وخضوعه للغزاة سياسيا، وهو الصغار المقصود من الآية لا أكثر، لذلك أمر الله تعالى المسلمين أيام النبوة بالاستمرار في مقاتلة اليهود والنصارى المحاربين العدوانيين حتى يعلنوا رضوخهم واستسلامهم سياسيا وعسكريا لا فكريا وعقديا، فالإيمان مسألة شخصية تستلزم الاقتناع العقلي والتصديق القلبي.

ولكي تتأكد أيها المسلم المتحرر من أن الجزية ليست حكما شرعيا، فما عليك إلا أن تتذكر أن يهود المدينة لم يكونوا يدفعونها لا قبل نزول الآية ولا بعدها، ولا يكذب عليك المنتسبون للعلم بإحالتك على شأن يهود خيبر، فإن أمرهم يؤكد ما نقول، فهم لم يكونوا يؤدون الجزية بعد إلحاق الهزيمة العسكرية بهم، بل خيرهم النبي صلى الله عليه وسلم بين الجلاء عن أرضهم أو البقاء مع دفع نصف المنتوج الفلاحي من مساحة خيبر للدولة المسلمة الحامية لهم الضامنة لحقوقهم، وفيه إعفاء لغير الفلاحين من أي ضريبة، فاختاروا الحل الثاني وهم يشكرون الله على رحمة النبي بهم، فقد كان من حقه حسب النظام العالمي حينئذ أن يحولهم إلى عبيد بسبب جرائمهم ونقضهم العهد والاتفاق.

وما فعله النبي عليه السلام اجتهاد بحكم الإمامة على ضوء الأعراف السائدة ، واستمر الحكم الخاص بيهود خيبر إلى ما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، فبرهن ذلك على أن الجزية ليست حدّا شرعيا ولا حكما عاما إلى يوم القيامة.

وقد فهم سيدنا عمر هذه الحقيقة، لذلك أسقط الجزية عن نصارى بني تغلب الذين كانوا حلفاء للروم، ثم خضعوا لسلطان المسلمين بعد تحريرهم، لكنهم رفضوا الجزية باعتبارها إذلالا وامتهانا لا يرضونه، وصاروا يدفعون الزكاة كالمسلمين بإلحاح منهم.

ولو كانت الجزية حدا إلاهيا لا يقبل النقاش والتبديل لما تجرأ الفاروق رضي الله عنه على ما اعتمده بخصوص بني تغلب، وفي تاريخ المسلمين الطويل تطبيقات مشابهة لفقه مولانا عمر في بلاد كثيرة.

ومن هنا يحق لك أن تضحك بل تبكي إذا سمعت متفيهقا مغفلا يدعو إلى فرض الجزية على الأقليات المسيحية في بلاد المسلمين من جديد.

لقد نصح الله المسلمين زمن النبوة بأخذ الجزية من أهل الكتاب المنهزمين بعد العدوان منهم لأنها كانت قانونا مشهورا، فكانت بعض القبائل العربية تدفعها للروم أو الفرس، وكذلك الشأن بالنسبة لكل الشعوب المستعمرة من قبل هاتين الدولتين، ولو قدرت إحداهما على احتلال الجزيرة العربية زمن النبوة لفرضت الجزية على المسلمين ، فالأمر بالجزية كقوله تعالى : ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ، وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ).

أي إذا كانت الجزية قانونا متبعا معمولا به عالميا، فألزموا الأعداء المنهزمين بها، أما المواطنون غير المسلمين فلا جزية عليهم، وإن شاؤوا دفع الزكاة تشبها بالمسلمين فأهلا وسهلا.

وباختصار، كانت الجزية عرفا عالميا أمر الله المسلمين باحترامه ما دام قائما، كما لو أمر اليوم باحترام أي عرف كوني كاستقبال اللاجئين والنازحين.

*خريج دار الحديث الحسنية

[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • احمد
    الأربعاء 28 أكتوبر 2015 - 23:26

    فما هو إلا الوحي أو حدّ مرهف تقيم ظباه أخدعيْ كل مائل
    فهذا دواء الداء من كل جاهل و هذا دواء الداء من كل عاقل

    دعا المصطفى دهرا بمكة لم يُجَب و قد لان منه جانب و خطاب
    فلما دعا و السـيف بالكف مسلط له أسـلموا و استسلموا و أنابـوا

  • الحسن المغربي
    الخميس 29 أكتوبر 2015 - 11:32

    يقول محمد ابن الأزرق: "لقد نصح الله المسلمين زمن النبوة بأخذ الجزية من أهل الكتاب المنهزمين بعد العدوان منهم لأنها كانت قانونا مشهورا".

    و على حسب المنهاج الذي يتبعه ابن الأزرق في تفسير للآيات القرانية لا أستبعد منه أن يكتب مستقبلا مقالات مطوال كعادته يهاجم فيه علماء المسلمين عبر التاريخ الإسلامي على دعوتهم و تبلغهم الإسلام الله للناس كافة و سيحتج على قوله بآيات قرانية مثل قوله تعالى :" أَفَأَنْت تُكْرِه النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" و قوله: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" و قوله:" فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ".

  • Salim
    الخميس 29 أكتوبر 2015 - 16:10

    الملحد يشعر أنه "تصيد" ! لأن الآراء التي بدأ يسمعها بفعل الإنترنت لم يكن يسمعها عندما كره الدين و قرر إلحاده!
    المتنورين المسلمين مثل الإستاذ الأزرق هم حقيقة قلة، لكن هذا التحرر من عبادة اجتهادات الؤباء بدأ يكبر في صفوف المسلمين و الحمد لله. دين الله سيتحرر من عبادة الفقه الذي أسسه الشافعي رحمه الله لعصره، لكن ثبثوه ليكون دينا.
    سنة الله في خلقه هي التحول و التطور دون توقف. من لا يتحول و يتبدل هو الإلاه، هو الله سبحانه. و بالتالي كتاب الله يعيب الآبائية عند الناس في أيات عدة، لأنها خطر على حقيقة وحدانية الله و أن كل ما سواه متغير و نسبي و قد يخطئ و يصيب.
    الجزية تبقت من قبل الخلفاء الراشدين بإنسانية على أساس أن ذلك تعويض من المعتدين على الضرر. كما فرض الحلفاء في مؤتمر فرنسا على ألمانيا بعد الحرن العالمية. لابد للمعتدي المنهزم من دفع ثمن أضراره.
    لكن فهوم الفقهاء من بعدهم خصوصا في عهد العباسيين كىانت إرضاءا للمبراطورية و ثم تقعيد الفتوحات رغم عدوانتها لتجاوز المعتدين من الفرس و الروم. تلك كانت ثقافة الشعوب كلها و ليس المسلمين فقط: أتغدى بك قبل أن تتعشى بي.

  • habjb
    الجمعة 30 أكتوبر 2015 - 02:38

    ياأخي المسلم إذا كل شيخ يضع الآيات القزآنية على كيفه هذاما صار دين إسلامي أسئل أهل الآكيتاب الحقيقي ..وشكراٌ لكم

  • النظام العالمي
    الجمعة 30 أكتوبر 2015 - 02:52

    يقول نابغة زمانه محمد بن الأزرق:
    " … فقد كان من حقه حسب النظام العالمي حينئذ أن يحولهم إلى عبيد…"

    هل كان الرسول (ص) يستنبط الأحكام فقط من "النظام العالمي" ؟

  • محمد
    الجمعة 30 أكتوبر 2015 - 14:06

    للأخ الذي يتساءل:هل كان الرسول (ص) يستنبط الأحكام فقط من "النظام العالمي" ؟
    رسول الله كان له مقامات عدة فهمها صحابته و جهلها فقهاء أباطرة المسلمين. كان رسول الله في مقام الرسالة معصوما من الخطاء في تبليغ آيات الله و تفصيل الشعائر: الصلاة و الزكاة.
    و في مقام النبوة كان نذيرا و قائدا لأتباعه. اجتهد لعصره حسب ما توفر لإنسان زمانه و استعان بئصحابه و مشورتهم في تدبير شؤون الدولة.
    و في مقام بشريته، كان إنسانا يأكل و يشرب و لا يعلم الغيب و يحب أمورا و يكره أمورا أخرى…

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 4

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 9

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة