الجندرية ومفارقة التحرر

الجندرية ومفارقة التحرر
السبت 3 أكتوبر 2026 - 09:38

كلما عادت الجندرية إلى الواجهة، بدا كأن الثقافة تستدعي من جديد ذلك الجزء الذي أخفق العقل في تسويته داخل مفهوم الإنسان. فما يطفو على سطح النقاش بوصفه خلافًا حول الهوية أو الجسد، أو الأدوار الاجتماعية، يخفي تحته صراعًا أعمق حول السلطة التي تمتلك حق التسمية، وحول اللغة التي تمنح الأشياء شرعيتها، وحول الحدود التي تفصل ما نعدّه طبيعيًا عما نعدّه مكتسبًا، وما نراه اختلافًا عما نريد إخضاعه لنظام التصنيف.

لذلك ربما لا يكون سؤال الجندرية في جوهره: من يكون الإنسان؟ بقدر ما هو: من يملك حق تعريف الإنسان؟ فالتعريف ليس بريئا. حين يدخل الجسد في اللغة، لا يعود جسدًا عاريا من السلطة؛ وحين تتحول الهوية إلى خطاب، يصبح الخطاب نفسه مجالا لتوزيع الاعتراف والحجب والإقصاء. وما نسميه هوية لا يتشكل في الفراغ، وإنما داخل شبكة من المؤسسات والعادات والقوانين والتمثلات، حيث تتكفل اللغة بإنتاج الحدود قبل أن تتكفل بوصفها. وهكذا يصبح الجسد في لحظة معينة، أرشيفًا للسلطة أكثر مما يكون مجرد معطى بيولوجي، وتصبح الهوية تاريخًا من عمليات التصنيف التي ترسبت داخل الوعي حتى ظهرت كأنها طبيعة الأشياء.

إن صعوبة فهم الجندرية تتحد أولا في كونها تضع العقل أمام مرآته. فإذا كان العقل الحديث قد بنى جزءًا من شرعيته على تحرير الذات من الوصاية، فإنه يجد نفسه مضطرا إلى مساءلة الأدوات التي استعملها في هذا التحرير؛ لأن السلطة لا تختفي حين تُكسر إحدى صورها، وإنما تستطيع أن تعيد إنتاج نفسها في اللغة التي تتحدث باسم التحرر، وفي المؤسسات التي تتولى حمايته، وفي المعايير الجديدة التي تحدد من يستحق الاعتراف ومن يبقى خارجه.

وفي السياق يتقدم سؤال السلطة على سؤال الهوية، إذ المسألة ليست في أن هناك اختلافًا بين الذوات، وإنما في الكيفية التي يتحول بها الاختلاف إلى نظام للمعنى، ثم إلى معيار، ثم إلى ممارسة اجتماعية، ثم إلى سلطة قادرة على إنتاج المقبول والمرفوض، المرئي والمستبعد، المسمّى والمسكوت عنه. وحين تبلغ السلطة هذه الدرجة من التغلغل، لا تعود بحاجة إلى أن تظهر في هيئة قانون أو مؤسسة؛ يكفي أن تسكن اللغة، وأن تتخفى داخل ما يبدو بديهيًا.

ولذلك لا يستقيم اختزال الجندرية في ثنائية الشرق والغرب. فهذه الثنائية نفسها قد تكون إحدى أكثر الحيل المعرفية اختزالًا لمسألة مركبة؛ إذ تجعل الثقافة جغرافيا مغلقة، والحداثة ملكية رمزية لجهة واحدة، والتقاليد كتلة صماء في الجهة الأخرى. بينما الحقيقة أن المفاهيم تعبر الحدود، وتتحول أثناء عبورها، وتدخل في تفاوض مع تاريخ المجتمعات وذاكراتها ومؤسساتها. لا يوجد مفهوم يصل إلى مجتمع ما دون أن يعيد المجتمع إنتاجه وفق شروطه، كما لا توجد ثقافة تستطيع أن تعزل نفسها عن حركة المفاهيم التي تعبر العالم.

لهذا فإن ثنائية العقل التبعي والعقل الاستتباعي لا تستنفد المسألة؛ لأن كليهما قد يظل أسيرًا للمركز الذي يدعي مقاومته. أحدهما يستورد المفهوم كما يستورد يقينًا جاهزا، والآخر يرفضه قبل أن يفحص شروط إنتاجه، فيصبح الرفض ذاته نوعًا آخر من العجز عن التفكير. أما العقل النقدي، فليس في موقع القبول أو الرفض؛ إنه يبدأ من السؤال عن الجهاز الذي يجعل القبول ممكنا، وعن الشروط التي تجعل الرفض ضروريا، وعن المصالح الرمزية والسياسية التي تتخفى أحيانًا خلف اللغة الأخلاقية.

ومن هنا أيضًا نفهم لماذا ظلت علاقة الجندرية بالسياسة والحداثة والسلطة مفتوحة على هذا القدر من التوتر. فالسياسة لا تتدخل في الجسد لأنه شأن خاص فحسب، وإنما لأن الجسد نفسه أصبح إحدى ساحات تنظيم الاجتماع البشري. والحداثة لم تجعل الإنسان حرًا دفعة واحدة؛ لقد نقلت مركز الصراع من سلطة ظاهرة إلى أشكال أكثر تركيبًا من إنتاج الذات. أما السلطة، فلم تعد تحتاج دائمًا إلى أن تمنع الإنسان من الكلام؛ يكفي أن تحدد اللغة التي يستطيع الكلام داخلها أن يصبح مفهوما.

وإذن لا يمكن أن تكون الجندرية مجرد قضية من قضايا الثقافة المعاصرة، وإنما اختبارا لطريقة اشتغال العقل نفسه. إنها تسأله عن قدرته على التفكير في الاختلاف دون أن يحوله إلى مرض، وفي الحرية دون أن يحولها إلى عقيدة، وفي الهوية دون أن يحولها إلى سجن، وفي الاعتراف دون أن يجعله شكلًا جديدًا من أشكال المراقبة.

المشكلة في نهاية المطاف، ليست أن الإنسان مختلف؛ فالاختلاف سابق على كل نظام لتفسيره. المشكلة تبدأ حين تحتاج الجماعة إلى تحويل الاختلاف إلى هوية نهائية، وحين تحتاج السياسة إلى تحويل الهوية إلى كتلة قابلة للإدارة، وحين تحتاج الثقافة إلى تحويل الإدارة إلى حقيقة. عند تلك النقطة يغادر السؤال مجاله الإنساني ليصبح جزءًا من اقتصاد السلطة.

وربما لهذا يستمر الجدل حول الجندرية بلا نهاية ظاهرة؛ لأن ما يُناقش تحت اسمها ليس الجندر وحده، وإنما حق الإنسان في أن يكون أكثر من الاسم الذي يُمنح له. فكل تعريف يحمل في داخله احتمالا خفيا للحد، وكل اعتراف يمكن أن يخفي وراءه سلطة الاعتراف، وكل خطاب للتحرر يظل مطالبا بأن يسأل نفسه، من الذي يتكلم باسمه؟ ومن الذي لا يزال خارج لغته؟

إنه في تلك المسافة الدقيقة بين الإنسان وما يقال عنه، يبدأ سؤال العقل الحقيقي، الذي لطالما أخفيناه: ألا يكون العقل هو الذي يملك الإجابة، وإنما الذي يستطيع أن يمنع الإجابة من التحول إلى سلطة نهائية على الإنسان.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
غلاء المحروقات يركن السيارات
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 23:03 14

غلاء المحروقات يركن السيارات

صوت وصورة
احتجاج طلبة الجديدة
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 18:06

احتجاج طلبة الجديدة

صوت وصورة
تفكيك سرديات نشأة المرابطين
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 15:17

تفكيك سرديات نشأة المرابطين

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 08:55 18

لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي

صوت وصورة
الشعر الصوفي ''إكسير الشفاء''
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 07:48 2

الشعر الصوفي ''إكسير الشفاء''

صوت وصورة
دراسات أثرية حول العصر المرابطي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 00:30

دراسات أثرية حول العصر المرابطي