الحروب الروسية

الحروب الروسية
الخميس 5 دجنبر 2024 - 09:14

يحتفي الكثيرون بانتصارات روسيا، وتفوق الصين تجارياً وصناعياً وحتى تقنياً على الولايات المتحدة الأمريكية، فيُنظر إلى ذلك بغرابة وتوجس، مع أن الأمر واضح، وليس نكاية عاطفية بهذه الدولة أو أوروبا. فما هي أسباب ذلك وأبعاده السياسية والاقتصادية، بل وحتى الاجتماعية؟

1. الروس والتاريخ:

احتملوا طويلاً تطاولات الغرب الأوروبي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، التي، بانهيار الاتحاد السوفياتي، اعتبرت نفسها قائدة العالم الحر، ومغيّرة خرائطه وخالقة رهاناته، بالقوة والتجارة واحتكار تقنيات التصنيع الدقيق.

وإذا ما تمردت إحدى الدول، تخلق لها عراقيل اللعب بنظمها عن طريق التدخل في انتخاباتها أو حتى قلب نظم الحكم فيها، بمساعدة حلفائها الغربيين أو بعضهم.

هذه الحقائق، خبرها الروس وسايروها باستراتيجية الانتظار أحياناً، والمواجهة في مرات عديدة. فقرأوا تاريخ المواجهات وآليات حدوثها، مدركين ضرورة القوة العسكرية والتفوق التكنولوجي، مع تغيير أساليب التعاون الاقتصادي مع الدول النامية، وخصوصاً تلك التي تعاني.

بهذا الشكل، حول الروس الكره الرومنسي والعاطفي للغرب إلى نظام قيم يرفض اللاعدالة والغطرسة، بخلق بدائل لها، قابلة لتعدد الأقطاب مع حرية التجارة وفق منطق الربح الوطني لكل الدول، بالتعامل بعملاتها المحلية.

الروس لم يترددوا في خلق أجواء عالمية محفزة على الوطنية الاقتصادية في صلب النموذج الحر الرأسمالي، مع الحفاظ على ثقافة المساواة في تحقيق الطموحات، وحتى خلق التحالفات الراعية لهذه المصالح والمدافعة عنها، بامتلاك حق المعرفة العلمية والتقنية، التي صارت شرطاً لكل نمو وتقدم.

بهذه الخيارات، بدت التبعية للغرب مثيرة للشفقة إذا ما تم القبول بشروطه وتوجيهاته المكرّسة لاحتكار الثروة والتحكم فيها، بل وتحويلها إلى قوة سياسية قاهرة للمجتمعات، وخصوصاً النامية.

2. الروس والجغرافية السياسية:

الجوار الجغرافي، بالنسبة للقوى المتصارعة، يصير سياسة بالضرورة، ليس بالتاريخ الحربي العسكري فقط، بل حتى بطبيعة المتحالفين مع الجار، الذي، إن تحالف مع عدو منافس، صار عدواً بالضرورة وبدون التصريح بذلك.

الروس يرتابون في كل من تحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، للأسباب السابق ذكرها. فاختلاف الثقافة والتاريخ يجعل التوجس حاضراً ومبرراً في الوقت نفسه. فالقوة الروسية لا يمكنها الوثوق بمن صارعت، مدركة أن المقصود الأول بكل تحالفات الولايات المتحدة الأمريكية، التي تصرّح بذلك في كل مساراتها السياسية وحتى الاقتصادية.

أوروبا لا يمكنها، رغم الجوار، التفريط في تحالفها مع الأمريكان. بل إنها تعتبر نفسها مدعومة بقوتها العسكرية والاقتصادية، رغم حدوث اختلافات في التقدير. لكن الرهان واحد، حتى في ظل المنافسة المؤطرة والمتحكم فيها، بهذا الدافع الذي يجعل الجغرافية سياسية في التعامل مع روسيا الاتحادية.

إبقاء الناتو بعيداً عن الحدود الروسية رهان استراتيجي روسي. فالمسافة في الحروب ضرورة احتياط عندما تنعدم الثقة. فالاقتصادي، كتنافس مشروع، سرعان ما تجد فيه السياسة نفسها مرغمة. والسياسة، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، صارت عسكرية عندما تستعصي الحلول المتوافق حولها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • KITAB
    الأحد 8 دجنبر 2024 - 13:32

    السياسة في مفهومها الآني أشبه بالحرباء التي تتلون مع كل بيئة جديدة تبعا للمصالح والتي قد تحضر وتغيب ، فروسيا زمن بايدن ليست هي بالضرورة زمن ترامب القادم إلى البيت اﻷبيض في اﻷسابيع القليلة القادمة ، فقد يضطر حلف الناتو إلى المفاوضات مع روسيا ، طالما أن ترامب سوف لن يكون سخيا معها مثلما كان بايدن، سلمات

صوت وصورة
تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 13:00 2

تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 2

ملعب هسبريس | هشام الدكيك