الحزب بين الإيديولوجيا والرقابة

الحزب بين الإيديولوجيا والرقابة
الجمعة 19 غشت 2016 - 18:05

يصر بعض “النشطاء” على الدعوة إلى التخلي عن البعد الفكري عامة والإيديولوجي خاصة في تكوين الأحزاب، والاكتفاء عوض ذلك بجانبيها التقني والرقابي، بحجة أن للهوية شعب يحرصها، من جهة، ولأن ذلك الجانب النظري قد ميع العمل السياسي وعومه، من جهة أخرى!!..

والحقيقة أنه لا تناقض ولا تضاد ولا تنافيَ حتميا بين لعب “الأحزاب” دور حراسة الهوية من منطلق فكري أو إيديولوجي، وحراسة “فلوس الشعب” من منطلق الرقابة.. بل إن مفهوم “الحزب” يتضمنهما معا، وقد يرِد الجانب الفكري في تعريفه قبل ورود أي بعد آخر،، وليس المفترض في الأحزاب أن تكون لجانا تقنية محضة، أو ضابطة قضائية… فلهذه الأدوار أيضا من يقوم بها..

أما في ما يتعلق بـ”المواطنين الكفلاء بالدفاع عن الهوية”، فإنهم لا يمكنهم أن يقوموا بذلك فرادى مشتتين، بل يجب أن يضمهم تنظيم ناظم يوجه جهودهم وينسقها، ويمنحهم شرعية التمثيل، ويهبهم قوة الضغط… وتلك هي الأحزاب..

إن شكل “الأحزاب” عندنا ينافي أصلا واقع وشكل الأحزاب في كل دول العالم وخصوصا في مهدها ومصدرها، ذلك أن جل الأحزاب تحتوي جانبا قويا من “الإيديولوجيات” بمختلف مفاهيمها و”مراحلها”، بدء من الأحزاب المسيحية والهندوسية مثلا، مرورا بالأحزاب الشيوعية والاشتراكية واللبرالية، وصولا إلى أحزاب الخضر والبيئة…

بل في زماننا ومكاننا هذين لا يمكن حتى الاقتصار على المكون الفكري أو الإيديولوجي كثابت مؤسس للأحزاب منذ نشأتها، بل يجب إقحام “البعد العقدي” في تحديدها وتمييزها، كالبعد “الإسلامي” مقابل أبعاد الديانات الأخرى في البلدان الأخرى، وكذلك مقابل الأبعاد المادية في الدول ذات الشعوب المسلمة،، ما دامت الشريعة ليست هي الشرع حتى ينتفي موجب المطالبة، وينتفي بالتالي مبرر وجود حزب يطالب بما هو موجود، وسائد أصلا.. بُعد يحتوي ويتبنى مرجعية من يقدم برنامجا قائما على الحدود والتعزير في المخالفات(الجنائي)، والزكاة والأخماس والكفارات… وغيرها من المصادر المالية والمادية في الاقتصاد، والولاء والبراء في الدبلوماسية… ويواجه الأحزاب اليسارية واللبرالية والعلمانية القائمة في بلاد المسلمين، والتي تقدم برامج مناقضة تماما لما تنادي به الأحزاب ذات البعد “الإسلامي” مما ورد ذكره؟؟!!!..

إن السعي والدعوة إلى تجريد وإفراغ الأحزاب من كل روح فكرية عقدية هوياتية، وجعلها مجرد مكاتب تقنية هو ما انزلق، إضافة إلى عوامل أخرى، بمنتسبي ومسؤولي جل مؤسساتنا المدنية إلى درك “الزطاط”، أو السلّم، أو “السمسار”، أو ساعي البريد الجديد، في أحسن الأحوال، وعلى المشكك أن يتأمل أدوار نقابيي قطاع التعليم، على سبيل المثال!!..

المفارقة أنه باستحضار تعريف الحزب وما يقتضيه(التعريف) من متعلقات التشارك في الخط الفكري، والرؤية السياسية، والانتشار الشعبي، والتغلغل المجتمعي… لا يمكن إسقاط أي من هذه الضوابط على أغلبية غالبية “أحزابنا” كي تُصنَّف أحزابا، وعليه تكون الحاجة عكسية، أي يجب أن نطالب باستدعاء مقومات الحزب كما هي متعارف عليها في تأسيس أو تجديد أو تحديث هذه “النطائح” المسماة زورا “أحزابا”!!..

إنه في ظل هذا الفقر المدقع والترهل المخيم لا يمكن سحب التحديد السابق، وفي حدوده الدنيا القابلة للإهمال، إلا على الأحزاب “الفكرية” ذات المرجعية الإسلامية أو اليسارية مع ما أصابها من شيوخ واضمحلال وبداية “انقراض” أو اندثار..

إن إفراغ هذه المؤسسات من مقوماتها التي يحددها فقهاء القانون الدستوري في تشارك الأفكار والمواقف بين جماعات من المواطنين هو ما حولها إلى أحزاب إدارية صفراء كرطونية تلعب دور مقاولات سياسية ودكاكين عطارة موسمية..

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • KITAB
    الجمعة 19 غشت 2016 - 19:52

    أية علاقة تربط الحزب بالهوية؟ هذا طرح مغلوط من أساسه وأنت في المغرب ليكاد المشهد السياسي أن يكون مفبركا . فحتى مفهوم الحزب عندنا لا يتجاوز إطار مجموعة من الناس تحركهم موسميا مصالح الكراسي واقتناء الامتيازات أما الشعب من منظوره مجرد كومبارس يستغل للانتخابات ليس إلا..

  • اعادة النظر في المسلمات
    السبت 20 غشت 2016 - 00:57

    فرغم ان الايديولوجيا تحمل جينات نقدها في ذاتها, فلا يوجد عاقل يعطي لنفسه حق طلب سحب الهوية العقدية من الاحزاب حيثما وجدت في العالم.

    المشكلة ليست في الايديولوجيا كعقيدة فكرية مادامت قادرة على التعايش مع نقيضها; بل المشكلة في الاستعمال الوظيفي للايديولوجيا من طرف احزاب تنتمي الى دول متعثرة ديموقراطيا; فالحزب الاشتراكي في فرنسا مثلا حين يصل الى الحكم لا يجعل مهمته الرئيسية هي التمكين الايديولوجي, نفس الشيء بالنسبة للاحزاب المحافظة; بل يكون الحزب في خدمة الشعب كافراد و ليس كجماعات ايديولوجية تسبح بحمد الزعيم. يعمل من اجل رفع نسبة النمو, خفض البطالة, رفع الدخل الفردي, تحسين جودة التعليم و الصحة, الخ .

    فالايديولوجيا تكتسب مصداقيتها كحامل لخطاب سياسي من مدى التصاقها بالواقع, و ليس كسكيزوفرينيا متعالية متشحة بالرفض الجذري للواقع في سبيل التخفيف من الم العصاب الذي تسببه لحاملها.

    حيث يكون الايديولوجي في الدول الغير الديموقراطية دائما en garde, يؤمن بالمؤامرة, يشعر بالاضطهاد, يشك في كل مختلف, يتهمه بالخيانة و العمالة; و اذا وصل للحكم يبدا من حيث ينتهي الاسوياء, او لا يبدا ابدا.

  • معلقh
    السبت 20 غشت 2016 - 16:24

    بالنسبة للمجتمعات التي استقرت هويتها وتحددت على صورة شبه تامة لم يعد للجانب الايديولوجي والعقدي من اهتمامات احزابها السياسية اهمية كبيرة.فالعدالة فيها قد انتظمت على نحو شبه نهائي.اما عندنا فالامر مختلف حيث يطغى الجانب الايديوجي على الجانب المرتبط بتقنيات التدبير الاقتصادي والاجتماعي الى درجة التهميش.لا زلنا نبحث عن ذاتنا الجماعية ونمنحها اهتماما سياسيا زائدا.وما يعمق هذه المشكلة هو اختلاف التصورات والمواقف من مسالة الهوية والعدالة التي تؤطرها هل هو النموذج الاصيل كما هو او معدلا او النموذج الدخيل الذي يراه البعض كونيا .والامر ان المواقف تكاد تصل الى حد التناقض ما يؤدي الى صراعات وتقاتل في بعض بلداننا.ولا وجود لطرف ثالث يستطيع ان يحد من هذا الصراع لتجنب وقوع المجتمع في الفوضى.فكل طرف يريد ان يفرض نموذجه على الاخر .هذا الصراع يؤخر حركة مجتمعاتنا ولا يمكن ان يحل الا ضمن تعاقد على الرجوع الى الشعب في اطار نظام ديموقراطي.فوظيفة الاحزاب ليست هي التاطير الايديولوجي لوحده لانه لا يمثل سوى بعد من ابعاد الوجود الانساني وانما يتوجب ان تعطي الاولوية للجوانب المرتبطة بالمعيش والتنمية .

  • كبران عبد الواحد
    الأحد 21 غشت 2016 - 23:08

    الاحزاب السياسية هده الأيام الهجينة إبتعدت عن المفهوم الفكري..وطأطير المواطنين الفاعلين…يتبع..

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 4

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 9

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة