الحق في الغش

الحق في الغش
الجمعة 12 يونيو 2026 - 11:13

في السنوات الأخيرة، تحولت قاعات الامتحانات في المغرب من فضاءات للتقييم المعرفي وقياس الكفاءة، إلى ما يشبه “ساحات حرب باردة”، حيث تتصارع فيها الحيل مع المراقبة. لكن المقلق حقاً ليس مجرد وجود الغش، لكن التحول الجذري في وعي الفئة المستهدفة: فقد بات التلاميذ والطلبة يطالبون بـ “الحق في الغش” وكأنه مطلب نقابي أو حق من حقوق الإنسان الأساسية، بينما تقف أوراق إجاباتهم شاهدة على عجزهم، فارغة تماماً من أي جواب بمجرد انتزاع أدوات الغش من أيديهم. ولعل الشاهد هنا ما يصرح به بعض التلاميذ وأوليائهم لبعض المنصات على الفايسبوك وغيره.

إن هذه الظاهرة، التي تتجاوز كل الحدود وتتغذى على زحمة الفصول الدراسية وتقنيات التجسس المصغرة، لم تعد مجرد “مشكلة تربوية” عابرة، انها “مرض مجتمعي” يستدعي تشريحاً علمياً دقيقاً قبل أن ينهار جسد المستقبل الذي نحلم ببنائه.

أولاً: التشريح التكتيكي للظاهرة.. من الهمس إلى “التجسس الرقمي”

لقد تطور الغش في المغرب من همسات خجولة أو نظرات عابرة إلى صناعة متكاملة. يستغل الطلاب الكثافة العالية في الفصول الدراسية (زحمة الأقسام خاصة بالجامعات) كغطاء حركي، بينما تعتمد الأجيال الجديدة على تكنولوجيا متطورة، من هواتف ذكية مخبأة ببراعة، إلى “كبسولات” سمعية بالغة الدقة، وسماعات لاسلكية متناهية الصغر. هذا التطور التكتيكي خلق فجوة مرعبة: الطالب لم يعد يدرس ليفهم، بل يدرس “كيف يغش”. والدليل القاطع على ذلك هو تلك الأوراق البيضاء التي يسلمها الطالب عند تشديد المراقبة، مما يثبت أن الأداة الخارجية قد حلت تماماً محل العقل البشري.

ثانياً: القراءة العلمية.. لماذا يطالب الطالب بـ “حق الغش”؟

لفهم هذا الانزياح القيمي، يجب الاستعانة بمفاهيم علم الاجتماع وعلم النفس التربوي:

– نظرية “تطبيع الانحراف: عندما يتكرر سلوك خاطئ دون عقاب رادع أو محاسبة مجتمعية، يتحول هذا السلوك من “انحراف” إلى “معيار مقبول”. في ذهن الطالب المغربي اليوم، الغش لم يعد “خطيئة”، بل أصبح “ذكاءً اجتماعياً” و”حقاً مكتسباً” لضمان النجاح في نظام يراه قاسياً وغير عادل. الطالب الذي يغش لا يشعر بالذنب، بل يشعر أنه “يتكيف” مع بيئة يرى فيها أن الغش هو القاعدة، والأمانة هي الاستثناء الذي يعاقب صاحبه.

– ظاهرة “التفريغ الإدراكي: علمياً، يعتمد الدماغ البشري على الأدوات الخارجية لتخفيف العبء المعرفي. لكن ما يحدث هنا هو “تفريغ إدراكي مرضي”. بسبب الاعتماد الكلي على الكبسولات والهواتف، لم يعد الدماغ يبذل أي جهد في التخزين أو الاسترجاع أو التحليل. لذلك، عندما تُسحب هذه الأدوات، ينهار النظام المعرفي للطالب، وتبقى الورقة بيضاء، لأن العقل لم يشارك في عملية التعلم من الأساس، بل كان مجرد “وسيط نقل”.

– فشل منظومة التقييم (التركيز على المنتج لا العملية): يعزز النظام التعليمي الحالي، بتركيزه المفرط على الامتحانات الموحدة (مثل البكالوريا) كمعيار وحيد للنجاح، ثقافة “الغاية تبرر الوسيلة”. عندما تكون النتيجة (النقطة) هي كل شيء، وتُهمش عملية الفهم والتفكير النقدي، يصبح الغش مجرد “اختصار منطقي” في عقل الطالب للوصول إلى الهدف المنشود. ويكون “الأستاذ المعجزة” هو الحل بتحفيظه المقرر ببساطة.

ثالثاً: العواقب الوخيمة.. كارثة صامتة تهدد بناء المستقبل

إن التحذير من تفشي هذه الظاهرة ليس نابعاً من تشاؤم، انه قراءة واقعية لمآلات هذا المسار:

– تزييف الكفاءات وانهيار الثقة: نحن بصدد تخريج أطباء، مهندسين، وقضاة ومدرسين “حملوا الشهادات بفضل الكبسولات، لا بفضل الكفاءة”. هذا يخلق قنبلة موقوتة في بنية المجتمع، حيث تنهار الثقة في المؤسسات الحيوية، وتنخفض جودة الخدمات الأساسية بشكل كارثي.

-موت الإبداع والتفكير النقدي: الجيل الذي يعتاد على أن الإجابة تأتيه جاهزة عبر سماعة الأذن، سيفقد تماماً قدرته على حل المشكلات، الابتكار، أو حتى التفكير المستقل. نحن نبني جيلاً من “المستهلكين السلبيين” للمعلومات، لا صانعي معرفة.

– تآكل النسيج الأخلاقي للمجتمع: عندما ينجح الغش، يُكافأ المخادع ويُعاقب المجتهد. هذا يقتل مبدأ “تكافؤ الفرص” ويغرس في نفوس الشباب قناعة خطيرة: “لا قيمة للعمل الجاد، والحيلة هي طريق النجاح”. هذا هو الوصف الدقيق لمجتمع مقبل على الانهيار القيمي.

خاتمة: هل نحن مستعدون لإيقاف النزيف؟

إن معالجة هذه الظاهرة في المغرب لا تكمن فقط في تشديد المراقبة أو مصادرة الهواتف، فهذه حلول ترقيعية تعالج العرض وليس المرض. الحل الجذري يتطلب “ثورة تربوية” شاملة، كالانتقال من نمط التقييم القائم على الحفظ والتلقين إلى التقييم المستمر القائم على المشاريع، التفكير النقدي، وحل المشكلات، مما يجعل “أدوات الغش” عديمة الجدوى.

ثم محاولة إعادة بناء العقد الأخلاقي مع الطالب، وإشعاره بأن الغش هو خيانة لنفسه قبل أن يكون خيانة للمؤسسة. مع تفعيل عقوبات مجتمعية وتربوية رادعة وحاسمة، تكسر حاجز “تطبيع الانحراف” .

إن الأوراق البيضاء التي يسلمها طلابنا اليوم ليست مجرد فشل في امتحان، بل هي إنذار أحمر بأن العقل المغربي يتعرض لتعطيل ممنهج. إذا لم نتحرك الآن بحزم وحكمة لإصلاح هذا الخلل، فإننا لا نغش فقط في الامتحانات، بل نغش في حق أبنائنا في مستقبل آمن، ونغش في حق الوطن في كفاءات حقيقية تبني ولا تهدم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • غاضب من تخلف النظام التعليمي
    السبت 13 يونيو 2026 - 12:43

    كل هذا بسبب نظام البكالوريا حيث في لحظة ما يمكن أن تذهب عناء 12 سنة من الدراسة سدى و تقفل أبواب التعليم العالي و بالتالي المستقبل في وجه الطالب، ضحايا هذا النظام كثر و إلغائه نهائيا هو مطلب تعليمي و إنساني و وطني ثم لا ننسى صعوبة المقرر الدراسي في المغرب خاصة في المواد العلمية و سيشعر بالحزن كل من اطلع على المقررات الأجنبية و مدى سهولتها و انسيابها . بالله عليكم ما معنى امتحان موحد للأطفال في السنة السادسة ابتدائي ؟!

  • ضعف التدريس والتأطير
    السبت 13 يونيو 2026 - 15:09

    التلاميذ يغشون لانهم بكل بساطة لا يجدون ما يكتبونه بسبب ضعف التدريس وعدم استيعابهم للدروس. الدروس المقدمة في القسم لا تنبني على إعداد جيد بقدر ما أنها عبارة عن أشياءمرتجلة تكرر خلال الحصة في انتظار الجرس. وينبغي استحضار ظاهرة سوايع التي تساهم في عدم اجتهاد التلاميذ بسبب ضمانهم النقطة الجيدة في المراقبة المستمرة. ولا ننسى إضرابات الاساتذة المتقاعدين في السنوات الماضية التي تركت فراغات كثيرة في تعلمات التلاميذ.

  • فاسي
    الأحد 14 يونيو 2026 - 04:22

    بعض التعليقات ردت أسباب الفش في الامتحانات إلى التلميذ أو الطالب والبعض الآخر أرجعها إلى النظام التعليمي والأستاذ، أنا أردها ‘لى الإصلاحات غير المتناهية للنظام التعليمي في المغرب الذي أصيح يتطلب الحصول على نقط مرتفعة أو عدد من الميزات لولوج بعض الكليات أو المدارس ذات الاستقطاب المغلق، والحل هو الرجوع إلى نظام الباكلوريا لما قبل سنة 1987 وإلى النظام الجامعي قبل إصلاحات 1993.

صوت وصورة
توقف أشغال يعرقل السير بطنجة
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 15:42 2

توقف أشغال يعرقل السير بطنجة

صوت وصورة
حريق سوق المسيرة بالبيضاء
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 13:09 5

حريق سوق المسيرة بالبيضاء

صوت وصورة
دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 12:13 3

دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي

صوت وصورة
رالي المغرب يخترق الصحراء
الأحد 27 شتنبر 2026 - 23:36 1

رالي المغرب يخترق الصحراء

صوت وصورة
مستشفى تيفلت بلا تجهيزات
الأحد 27 شتنبر 2026 - 22:03 2

مستشفى تيفلت بلا تجهيزات

صوت وصورة
البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"
الأحد 27 شتنبر 2026 - 21:30 3

البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"