الديمقراطية والتنظيم

الديمقراطية والتنظيم
الأربعاء 20 يناير 2021 - 15:54

الانتخابات هي محطة مهمة ليس فقط للدورة السياسية للبلد، بل أيضا للاقتصاد ومختلف الميادين الأخرى. وهذه العلاقة الجلية خاصة بين السياسة والاقتصاد هي ما حمل حلفاء الرئيسين في أمريكا على الصراع حتى كاد الأمر أن يتحول إلى تطاحن دموي، خصوصا أن السلاح يوجد في كل بيت أمريكي. من حسن الحظ، انتبه معظم الفاعلين السياسيين للأمر، بمن فيهم حلفاء الرئيس المنتهية ولايته وتراجعوا عن مساندتهم له، فأكدوا سلامة العملية الديمقراطية، لينقذ الوضع بأمريكا.

مع ذلك، يظل المشهد مروعا عندما تشاهد السور الاسمنتي والأسلاك الحديدية تحاول الدفاع عن الديمقراطية الأمريكية/الغربية. فهل بالعنف أو الحرس الأمني يمكن الدفاع عن الديمقراطية أم بالعدالة الاجتماعية والأمن الاقتصادي والاجتماعي؟

لقد استطاع الرئيس الفائز أن يحقق الفرق رغم أنه لم يبرح مكانه (إلا قليلا) في قبو منزله، لقد خاض الصراع/الحملة الانتخابية ملتزما بالإجراءات الصحية التي تمليها الظرفية الوبائية لـ”كوفيد-19″. لقد استطاع أن يقنع الملايين بالتصويت لصالحه. وهذا لا يعني أن الرئيس المنتهية ولايته لم يستعمل مواقع التواصل الاجتماعي، بل إنه دائما ما يفاجئ الجميع بقراراته الحاسمة مستعملا الفضاء الرقمي. لقد استطاع كل واحد منهما استخدام الرقمي في حملته الانتخابية، الفرق الوحيد أن استعمالهما عند الأول كان بشكل مركز وقوي، وكان التواصل رقميا بامتياز.

إن “كوفيد-19” سرّع من دخول التكنولوجيا إلى عالمنا الخاص والعملي بشكل كبير، كما أنه فرض على كل حزب سياسي اللجوء إليها للتواصل مع منخرطيه والمتعاطفين معه. فانتقل النقاش من الفضاء الحضوري إلى الفضاء الرقمي. بيد أن في الواقع المغربي هناك فتورا وغيابا رقميا للأحزاب، ينضاف إليه غيابها الحضوري.

فعلا، لم يكن هناك أحد على استعداد تنظيميا لتلقي أزمة أو هجوم كالذي يقوم به “كوفيد-19”. لقد فرض على الجميع التقيد بعدة شروط أصعبها للحزب هو التقيد بتحديد ساعات التجمع وأعداد الحضور، لكن أليس من رحم الأزمة والحاجة تبتكر الأفكار وتخترع الأشياء؟ أليس من المفروض أن تغرق صفحات التواصل الاجتماعي بلقاءات الأحزاب ونقاشاتهم الجادة عن مستقبل المغرب؟ ما الذي يعيق التواصل؟ هل هو الفقر المعرفي والسياسي؟ هل هو الخوف من آراء المعارضين وعموم الناس؟ أليس التنظيم الداخلي للأحزاب هو أزمتها في التواصل مع الناس؟ أليس التنظيم الداخلي للأحزاب هو المعيق لانخراط الشباب في العمل السياسي؟

كان من السهل التواصل في ظل الأزمة وعقد الاجتماعات والتحضير للموعد الانتخابي لو كان التنظيم يبتعد عن مفهومه الولائي للزعيم، ويحترم المبادرة لكل فرد في التنظيم. كان من السهل استمرار الحياة السياسية لو كان للشباب انخراط فعلي ودائم في الحزب. لكن الخوف من “غضب” الزعيم والخروج من القطيع يعيق الإبداع والابتكار في الحزب.

لقد كان من المنتظر أن تتواصل مختلف الأحزاب مع المواطن(ة) حول البرامج والتصورات التنموية، خاصة بعد أزمة “كوفيد-19”. لا ينتظر المواطن(ة) الدولة فقط للإجابة عن متطلباته، بل إنه ينتظر الأحزاب أيضا. ولربما انتظاراته من الحزب تكون أكبر وأقوى لأن من المفروض أن الحزب يمثل تعبيره الاجتماعي والثقافي والسياسي. بيد أن الخيبة هي العنوان البارز للمرحلة، لتكون النتيجة الحتمية الفتور والتمييع السياسي بالمغرب طيلة العقد الأخير.

إن الأحزاب مطالبة بإنجاز بحوث وتقارير علمية تعزز بها برامجها واستراتيجياتها المقترحة للمجتمع. إنها مطالبة بتعزيز تصوراتها المجتمعية بنقاشات علمية تنفتح معها على محيطها العام، خاصة الأكاديمي. أما أن نجد أنفسنا مرة أخرى أمام شبه برامج لا تختلف عن بعضها البعض إلاّ في الشعار الذي تحمله، فهذا لم يعد مقبولا في عالم رقمي منفتح على كل الاحتمالات. فحتى ضغضغة المشاعر بإيديولوجية سلفية كيفما كان لونها، لم تعد صالحة لدفع الشباب إلى الانخراط، ولا إلى إنقاذ البلد من التصدعات الاجتماعية الداخلية، ولا إلى إنجاح انخراطه القوي في التحالفات الإقليمية أو الجهوية أو العالمية.

الهروب إلى الأمام والسكوت عن القضايا الاجتماعية بالمغرب لم يعد مقبولا، بل يجب أن تكون هناك جرأة سياسية لنقاشه. وذلك من أجل، أولا، إيجاد حلول ديمقراطية وعملية لها، وثانيا لتفعيل المشاركة الديمقراطية، والحث على النقاش المجتمعي واستعادة ثقة المواطن(ة) في المؤسسات. أما هذا السكوت الرهيب فلن يؤدي بنا إلاّ إلى العودة إلى سنوات ما قبل 2011، ولكن هذه المرة بواقع آخر جد مختلف ومعقد لأن التاريخ لا يكرر نفسه.

يجب أن تكون للحزب الجرأة الكافية لنقاش القضايا، ويحترم المسافة الفاصلة بينه وبين الدولة، وأن الاختلاف والتناقض بينهما هو في جوهره من أجل الدفاع عن الوطن. فالتجربة علمتنا أن المقاربة الأمنية للدولة لم تكن يوما ناجعة. ربما مرحليا هي كذلك، أما على المدى المتوسط والطويل فإنها تكون مصدر توتر داخلي وضغط خارجي. في المقابل، لجوء الأحزاب فقط إلى المعادلات الانتخابية وانتظار ساعة الانطلاق لتحقيق الفوز “الوهمي”، لن يؤدي إلاّ إلى إقبار الديمقراطية. فكلاهما يتحملان المسؤولية في الفشل لتحقيق دولة الحق والقانون.

إن ما يقع في العالم اليوم، يسأل كل غيور عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية أن استمرارية العمل السياسي بشكله الحالي لن يساعد إلا على تقوية التطرف والنزعات الشوفينية، أو ربما ستظهر أشكال جديدة من العنف والتطرف لم يعرفها التاريخ السياسي من قبل.

تعرف الديمقراطية اختناقا كبيرا في العالم مع وجود بعض الاستثناءات القليلة هنا أو هناك، التي تواجها عدة صعوبات للتطبيق والتفعيل. للأسف، البعض يراهن على الأزمات الاجتماعية للتغيير. وإنه لأمر، في اعتقادي، فيه مغامرة سياسية، تهدد الاستقرار السياسي للبلد، لأن عند الأزمة يبحث المواطن عن من ينقذه حتى ولو كان “هتلر”. ويتذكر الجميع كيف أن هذا الأخير وعد بتحقيق الشغل لجميع الألمان، فحققه، وكان ذلك بثمن جد باهض مازالت آثاره قائمة حتى الآن. أليس التقسيم الحالي للعالم هو من إنتاج هذه الحقبة العنصرية والدموية من التاريخ البشري؟

إن التحول البنيوي الذي يشهده المجتمع ولو بشكل مختلف ومتفاوت حسب الوضعية الاقتصادية والاجتماعية لمناطق المغرب، يلزم الفاعل السياسي بالبحث عن آليات جديدة تمنح للعمل السياسي المنظم مكانته في جميع مناحي السياسات العمومية (المحلية والوطنية)، وتعيد انخراط أغلبية المثقفين والشباب والتلاميذ في النقاش السياسي والمجتمعي.

للأسف، الديمقراطية في المغرب مصابة بفيروس الفساد والمال، إنها تحت التنفس الاصطناعي، إما أن يعاد بناء تنظيم الأحزاب وفق معايير الشفافية والمحاسبة والدفاع عن الوطن والابتعاد عن استعمال المقدس المشترك، وإما أن ننتظر جميعا مسارا ينحرف بنا عن سكة الديمقراطية التي رسمها المغرب ودافع عنها خيرة أبناء وبنات هذا الوطن الحبيب.

‫تعليقات الزوار

2
  • كتيبة المنافقين .
    الخميس 21 يناير 2021 - 11:27

    اي حوافز ومؤثرات تحرك المشاعر وتظهرها وتوهج القلب والعاطفة يمكنها بفعل السحر أن تنطلي على المتلقي وتشبع تطلعاته للعدالة والمساواة . ولكن هل يلدغ العاقل مرتين ؟! أقول وعشرا … لأنك مجرد قطعة تتداعى داخل منظومة القطع فلا يكاد يسمع لك صوت وسط سطوة المال وزواجه بالسلطة ووسط جيش المريدين لكل من قال : قال الله وقال رسوله .

  • فريد
    السبت 23 يناير 2021 - 08:52

    “للأسف، الديمقراطية في المغرب مصابة بفيروس الفساد والمال، إنها تحت التنفس الاصطناعي، إما أن يعاد بناء تنظيم الأحزاب وفق معايير الشفافية والمحاسبة والدفاع عن الوطن والابتعاد عن استعمال المقدس المشترك” ياسيدتي أنت تعلمين جيدا أن أصل الديموقراطية هو وجود دستور يفصل السلط الثلاثة(تشريع،تنفيذ،قضاء)بعضها عن بعض ويكون هو المرجع الوحيد لكل القوانين:يُمكن للمشرع(برلمان) أن يُصدر قانونا ولكن إذا كان غير دستوريا فهو مُلغى، القضاء مسؤول على إحترام القوانين وتفعيلها وأحكام القضاء مرجعها هو الدستور،وإذا كانت الأحزاب غير شفافة وخرقت القانون فهاته مسألة قضائية كأَنك تريدين أن تبتدأ الديموقراطية من الأكواخ لتصل إلى القصور أي من الأسفل إلى الأعلى وهذا يعني أن الإحزاب التي صنعها المخزن مُطالبة بأن تكون شفافة،نزيهة…نقيض من صنعها؟ تراهات الأولين.لنشرح للعامة معنى الديموقراطية:نظام(ملكي أو جمهوري)أساسه دستور(قابل للتغيير)يفصل السلط المُسيرة للدولة ويحددها ويجعل مرجعها هو المواطن ورفاهية عيشه،وفي حالة عدم وجود الرفاهية فمن المسؤول؟

صوت وصورة
أشغال كورنيش المحمدية
الأربعاء 24 فبراير 2021 - 21:40

أشغال كورنيش المحمدية

صوت وصورة
ليل عروس الشمال
الأربعاء 24 فبراير 2021 - 20:44

ليل عروس الشمال

صوت وصورة
استهلاك المغاربة خلال الجائحة
الأربعاء 24 فبراير 2021 - 18:42 2

استهلاك المغاربة خلال الجائحة

صوت وصورة
حماية الأطفال من التسول
الأربعاء 24 فبراير 2021 - 14:30 15

حماية الأطفال من التسول

صوت وصورة
مشاريع التجميع الفلاحي
الأربعاء 24 فبراير 2021 - 13:11 1

مشاريع التجميع الفلاحي

صوت وصورة
شكاوى من المخدرات بالكارة
الأربعاء 24 فبراير 2021 - 11:59 27

شكاوى من المخدرات بالكارة