تعزيز الذكاء الطاقي

تعزيز الذكاء الطاقي
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 06:50

الذكاء الاصطناعي على محكّ الطاقة والماء واليقظة والسيادة الجزء الـــثـــاني

تشكل هذه المساهمة المقال الخامس ضمن سلسلة منشورة باللغة العربية بجريدة هسبريس، مخصصة للذكاء الطاقي، باعتباره إطارا مفاهيميا ومنهجيا وعمليا، قمنا ببلورته وربطه بالذكاء الاصطناعي، ووضعه في خدمة الذكاء الاقتصادي والتنمية المستدامة. وقد كان هذا الإطار، من جهة أخرى، موضوع نشر في مجلة علمية دولية متخصصة في مجال البيئة والطاقة والابتكار والفيزياء والتكنولوجيا.

ويتكون المقال من ثلاثة أجزاء متكاملة، حيث تناول الجزء الأول، البعد الحضاري، ويجمع الجزء الثاني بين البعدين التقني-القراري، والمادي والمنظومي، في حين يُخصَّص الجزء الثالث للبعدين السيادي والاستشرافي-الأمني. وفيما يلي الجزء الثاني.

البعد التقني-القراري: من المعطيات الفيزيائية إلى التحكيم، الذكاء الاصطناعي في خدمة القيادة الطاقية

يصبح الذكاء الطاقي قابلا للتفعيل الكامل حين يقيم استمرارية قابلة للتحقق بين الظواهر المرصودة، والمعلومات المنتَجة، والنماذج المعتمدة، والقرارات الرامية إلى توجيه تطور الأنظمة. وتقوم هذه الاستمرارية على سلسلة منظمة تجمع بين القياس، والإرسال (Transmission)، والمراقبة، وتجميع البيانات وتوحيدها (Consolidation) ، والتحليل، واتخاذ القرار، والتنفيذ، والتقييم. وتهدف إلى تحويل ملاحظات متفرقة إلى معطيات مؤهلة، ثم إلى مؤشرات موثقة وعناصر إثبات قادرة على دعم تدخل مؤسس على أسس تقنية واضحة، ومؤطر بمسؤولية مؤسساتية محددة.

أولًا، ترتكز الحلقة الأولى من هذه السلسلة على الواقع الفيزيائي، من خلال عدادات تواصلية، وأجهزة الاستشعار (Capteurs)، ومحللات الشبكة الكهربائية، وأجهزة للتحكم الآلي (Automates)، ووحدات للتحكم والتدبير عن بُعد، وبوابات اتصال محلية. وتتولى هذه التجهيزات تسجيل الاستهلاك والإنتاج، وتدفقات الطاقة المتبادلة، وجودة الطاقة، فضلًا عن ظروف التشغيل الفعلية. بعد ذلك، لا تصبح هذه القياسات قابلة للاستغلال الفعلي إلا إذا حُفظت سلامتها من خلال الختم الزمني (Horodatage)، وتوصيف المعدات وتحديد خصائصها التقنية، والوصف الدقيق لسياقها بواسطة البيانات الوصفية (Métadonnées)، وتأمين الاتصالات. ومن ثم، وقبل أي معالجة خوارزمية، ترتكز متانة التحليل على مدى مطابقة الرصد للواقع الفيزيائي، وعلى الصرامة التي تُحوَّل بها الإشارات الفيزيائية إلى بيانات قابلة للاستخدام.

غير أن جمع المعطيات، مهما بلغ من الدقة، لا يكفي وحده لإنتاج معلومة قابلة للتوظيف المباشر. لذلك، وحتى تصبح القياسات قابلة للمقارنة والاستغلال، ينبغي ربط بعضها ببعض، ومواءمتها، ووضعها في سياقها، وحفظها على امتداد الزمن. ثم تتيح قواعد علم القياس (Métrologie) ، والقواعد الإحصائية والقواعد الخاصة بالأنظمة الطاقية، التحقق من اتساق هذه القياسات ودقتها ومدى مطابقتها للخصائص التقنية والتشغيلية للنظام الطاقي المعتمد. وفي هذه المرحلة، تستطيع خوارزميات الذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، رصد القيم المفقودة، والتنبيه إلى أوجه عدم الاتساق، والتمييز بين خلل تقني وتغير اعتيادي، أو تصنيف الفوارق بحسب أهميتها التشغيلية. فالخوارزميات والنماذج لا تعمل خارج الإطار الذي يصممه الإنسان، من حيث الأهداف والبيانات والقيود ومعايير التقييم والاستخدام. وبذلك، يكتسب المعطى الخام تدريجيا دلالة تتحدد بالنظر إلى مصدره، وظروف إنتاجه، والاستخدام المخصص له.

بعد تأهيل المعطيات، يتطلب تحويلها إلى مؤشرات اعتماد مناهج واضحة، وفرضيات موثقة، وإمكانية تتبع مختلف العمليات، إلى جانب تقدير هوامش عدم اليقين. ويمكن، عندئذ، استخدام النتائج في إعداد تقارير الحصيلة، وعمليات التدقيق، ومنظومات القياس والتحقق. وعليه، لا يقوم الإثبات على مجرد توافر الأرقام، بل ينتج عن منظومة مترابطة تجمع بين القياس والمنهج، والسياق والحساب، والتوثيق والمراقبة. وتصبح هذه المتطلبات حاسمة حين تُستخدم المؤشرات سندا لقرارات اقتصادية أو تنظيمية أو مناخية أو ترابية.

ولجمع هذه العناصر وتفسيرها بصورة متكاملة، يصبح اعتماد بنية مشتركة للمعطيات أمرا ضروريا. فهذه البنية تربط بين المعطيات الداخلية والخارجية، وبين المعطيات المفتوحة المتاحة متى سمحت جودتها بذلك. كما توحّد وحدات القياس والصيغ والجداول الزمنية والنطاقات، ثم تربط بين الأبعاد الطاقية والكربونية والاقتصادية والمائية والترابية. وعندئذ، تشكل خريطة المصادر، وقاموس المتغيرات، وقواعد الجودة، وحقوق الولوج، وسجل التحويلات، مرجعا مشتركا. وبذلك، تصبح المعلومات قابلة للمقارنة والتوظيف من قِبل وظائف متعددة، من دون أن تفقد مصدرها أو دلالتها.

وعلى أساس هذه البنية المعلوماتية تشتغل خدمات للذكاء الاصطناعي مؤطرة بقواعد للحكامة، يضطلع كل منها بوظائف، وينجز مهاما محددة سلفا. فبعضها يدمج المعطيات ويراقبها، وبعضها الآخر يبحث في أسباب الفوارق، ويتوقع تطور الإنتاج والاستهلاك أو الانبعاثات، أو ينبه إلى بلوغ ذروة الاستهلاك، فيما تتولى خدمات أخرى تقييم الآثار المترتبة على عدة تركيبات للمزيج الطاقي، أو التخزين، أو المرونة، أو الاستثمار. وبذلك، يتجلى الذكاء الاصطناعي، باعتباره مجموعة من القدرات المتكاملة التي تتيح التفسير والتوقع والمحاكاة والتحسين والمقارنة بين مختلف خيارات التدخل.

ويتجسد هذا التكامل على مستويات متعددة. فمثلا، في البنايات تربط النماذج مستويات الاستهلاك بالظروف المناخية، ودرجة الاستعمال، وحالة المعدات والتجهيزات، بهدف رصد الاختلالات وضبط الإعدادات. وفي المنشأة الصناعية، تُربط الطاقة المستخدمة بالمستوى الفعلي للنشاط، وتحدد أوجه فقدان المردودية، وترتب التدخلات بحسب الأولوية. أما على مستوى الشبكة الكهربائية مثلا، فتعمل على تحسين توقعات إنتاج الطاقة الشمسية والريحية، والتنبيه إلى مخاطر اختناق الشبكة، وتيسير التنسيق بين الإنتاج والتخزين وآليات المرونة وأنماط الاستهلاك. ومن مستوى إلى آخر، يظل المنطق واحدا: ربط الملاحظات الصادرة عن سياق محدد بقرارات ملائمة للنطاق المعني.

غير أن إسهام الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على التحسين التقني. فكل قرار طاقي يستحضر، في الآن نفسه، التكاليف وأمن الإمدادات والانبعاثات والقدرة على الصمود، والموارد المائية، ومدى التأثر بالمتطلبات التنظيمية والمقبولية الترابية والتنافسية. ويمكن للنماذج أن تربط بين هذه الأبعاد، وأن توضح الفرضيات المعتمدة، وأن تبرز صيغ التوفيق بين أهداف قد تكون متعارضة أحيانا. وبذلك، توسع مجال الخيارات وتعزز وضوح التحكيم، من دون أن تحل محل الإنسان أو السلطة المختصة، التي تظل مسؤولة عن ترتيب الأولويات واتخاذ القرار النهائي.

يفضي هذا التكامل بين القدرات التحليلية والمسؤولية المؤسساتية إلى توزيع أكثر دقة لأدوار صنع القرار. إذ يتعين إيصال المعلومة الموثوقة والواضحة إلى الفاعل المعني، بالمستوى الملائم وفي التوقيت المتوافق مع متطلبات التدخل. وفي هذا الإطار، تتولى الفرق التشغيلية التدخل المباشر على مستوى المعدات؛ ويتابع المسؤولون عن الطاقة والكربون مؤشرات الأداء؛ وتقيم المصالح المالية التكاليف والمخاطر والاستثمارات؛ وتقارن الإدارات بين المسارات والسيناريوهات الممكنة؛ بينما تفحص الجهات التنظيمية والمدققون الأدلة والوثائق المثبتة. ولا يؤدي هذا التدفق للذكاء الداعم للقرار إلى تشتيت المسؤولية، إذ تظل الغايات ومعايير التقييم والمفاضلة والحسم خاضعة لسلطة بشرية ومؤسساتية محددة بوضوح.

ولا يتعلق الأمر، في هذا المستوى، بمجرد توزيع المعلومات بين المتدخلين، بل ببناء هندسة واضحة للقرار تحدد من يرصد، ومن يحلل، ومن يقترح، ومن يعتمد القرار، ومن يتحمل مسؤولية نتائجه. كما ينبغي أن تتناسب درجة التدخل الآلي مع طبيعة القرار وآثاره؛ فما يمكن تصحيحه آنياً على مستوى تجهيز تقني لا يخضع بالضرورة لمنطق الحسم نفسه الذي يحكم استثماراً طويل الأمد، أو تعديلاً في المزيج الطاقي، أو قراراً ذا أثر اقتصادي أو بيئي أو ترابي واسع. ومن ثم، تصبح قابلية تتبع مسار القرار، وتوثيق الفرضيات والبدائل وأسباب الاختيار، جزءاً من جودة القرار نفسه، لا مجرد إجراء لاحق لمراقبته.

فالخيار الأفضل حسابياً لا يكون بالضرورة هو الأنسب استراتيجياً. تستطيع النماذج تحسين النتائج في ضوء أهداف وقيود محددة، غير أن تحديد هذه الأهداف وترتيبها، والمفاضلة بين الكلفة والانبعاثات والأمن المائي والمرونة والسيادة والآثار الترابية، تظل من صميم المسؤولية البشرية والمؤسساتية. وهنا تحديداً يتجاوز الذكاء الطاقي منطق التحسين التقني ليصبح إطاراً للتحكيم المسؤول تحت قيود متعددة.

ولاختبار هذه المنظومة في ظروف ملموسة، يمكن لمبنى عمومي، أو فضاء جامعي، أو منشأة صناعية، أو مجال ترابي تجريبي، أن يتحول إلى نموذج تطبيقي لاختبار المنهجية. فمن خلال تجهيز استخداماته بمنظومات القياس والرصد، وتوثيق فرضياته، ونشر مؤشرات قابلة للتحقق، وقياس آثار قراراته، يتيح هذا النموذج وضع المنهجية على محك الواقع الميداني. وعندئذ، تُقارن التوقعات بالنتائج المحققة، وتُحدد أسباب الفوارق، ويُنظم استخلاص الدروس من التجربة. وهكذا، تسهم القيمة النموذجية للتجربة في بناء الثقة، وإنتاج مراجع قابلة للنقل والاستفادة منها، شريطة مراعاة الخصائص المميزة لكل سياق.

وفي امتداد لهذا المنطق التجريبي، توسع التوائم الرقمية نطاق الاختبار، من خلال ربط التمثيل الديناميكي لتجهيز أو شبكة أو مجال ترابي بمعطيات محينة مستمدة من تشغيله الفعلي. فهي تتيح مقارنة السلوكيات المرصودة بمستويات الأداء المتوقعة، ورصد الفوارق المستمرة، والتقييم الافتراضي للآثار المترتبة على عدة خيارات قبل تنفيذها. وبذلك، تشكل فضاء وسيطا بين معرفة النظام، والتجريب الرقمي، والإعداد للتدخل.

وامتدادا لهذه القدرة على التمثيل، تصبح المحاكاة أداة للإعداد التشغيلي والاستراتيجي. إذ تتيح دراسة آثار الانخفاض المطول في إنتاج الطاقات المتجددة، أو انقطاع الإمدادات، أو بلوغ الطلب ذروة غير اعتيادية، أو حدوث عطل تقني، أو هجوم سيبراني، أو حدث مناخي استثنائي عنيف. ويمكن للفاعلين، عندئذ، مقارنة الاستجابات الممكنة، وتقدير تكاليفها وآجالها وتبعاتها، ثم إعداد الإجراءات والموارد اللازمة قبل أن يتحول الاضطراب إلى أزمة.

ومع ذلك، تظل قيمة هذه التطبيقات مشروطة بجودة السلسلة التي تجعلها ممكنة. فهي تعتمد على موثوقية المعطيات، وملاءمة البنيات التحتية الرقمية، وتوافر الكفاءات، والإدماج الفعلي للأدوات ضمن عمليات اتخاذ القرار. كما تقوم على جودة النماذج، واستقرارها في مواجهة تغير السياقات، وقدرتها على إنتاج نتائج قابلة للفهم. ومن ثم، لا يكفي تحقيق أداء إحصائي مرتفع إذا تعذر تفسيره أو إخضاعه للتدقيق أو ربطه بتدخل ملموس، حيث تصبح حكامة النماذج، تبعا لذلك، غير قابلة للفصل عن تقييم أدائها. إذ ينبغي تقدير صلاحيتها بالنظر إلى نطاق تطبيقها، ومدى تمثيل المعطيات للواقع المدروس، وخطورة العواقب المترتبة على وقوع خطأ. وهكذا، تتيح الشفافية، وقابلية التفسير، والسلامة، والقدرة على الصمود، التمييز بين قدرة مثبتة ووعد تقني غير موثق بما يكفي.

وفي هذا الإطار، يحتفظ الإشراف البشري بدور محوري. فهو يراقب الفرضيات، ويفسر النتائج، ويقدّر أوجه عدم اليقين، ويفاضل بين أهداف لا يمكن اختزالها في عملية حسابية واحدة. كما يولّد كل إجراء متخذ، بدوره، ملاحظات جديدة تتيح مقارنة الآثار المتحققة بالنتائج المتوقعة. وبذلك، يندرج القرار ضمن حلقة تعلم تجمع بين الملاحظة والتفسير والاختيار والتنفيذ والمراقبة والتحسين المستمر.

وعليه، يعزز الذكاء الاصطناعي الذكاء الطاقي حين يوسع قدرات الفهم والاستباق والمحاكاة والمقارنة، مع إبقاء مسؤولية القرار ضمن إطار بشري ومؤسساتي محدد بوضوح. غير أن هذه القوة التحليلية لا تنفصل عن الوسائل المادية التي تجعلها ممكنة. ومن ثم، فإن النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه محركاً تشغيلياً للذكاء الطاقي يقود، بالضرورة، إلى فحص الوجه الآخر لانتشاره: بنيات تحتية تستهلك الكهرباء، وتعبئ الموارد المائية، وتفرض متطلبات على الشبكات والفضاءات والمجالات الترابية.

البعد المادي والمنظومي: الأيض (Métabolisme) الطاقي والمائي والترابي للذكاء الاصطناعي

وتشكل البنية المادية للذكاء الاصطناعي الأساس غير المرئي، في الغالب، لقوته التشغيلية. فهي تقوم على منظومة من المعالجات والخوادم وشبكات الاتصال وأجهزة التخزين وأنظمة التبريد، وتتزايد بصمتها مع اتساع الاستخدامات وارتفاع تعقيد النماذج. وتعبئ هذه المنظومة الكهرباء والماء والمواد والبنيات التحتية والفضاءات المهيأة. ومن ثم، لا يظهر الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة تحليل في خدمة الذكاء الطاقي فحسب، بل أيضاً بوصفه نظاماً تقنياً ينبغي قياس شروط تشغيله المادية، وتقييم آثارها وإخضاعها للحكامة.

على هذا الأساس، يمكن الحديث عن «أيض تقني» للذكاء الاصطناعي: إذ تتحول الموارد المادية إلى قدرة حاسوبية، ثم تتحول هذه القدرة إلى معلومات وسيناريوهات وخدمات قابلة للتوظيف في القرار. وتتجلى هذه المادية، بداية، في استهلاك مراكز البيانات للكهرباء. فبحسب التحيين الذي نشرته الوكالة الدولية للطاقة سنة 2026، يُقدَّر استهلاك مراكز البيانات عالمياً بنحو 485 تيراواط ساعة (TWh) سنة 2025، وقد يقترب من 950 تيراواط ساعة بحلول سنة 2030، أي ما يقارب 3 في المائة من الاستهلاك العالمي للكهرباء. وخلال الفترة نفسها، قد يتضاعف استهلاك المراكز المتخصصة في الذكاء الاصطناعي ثلاث مرات. غير أن هذه التوقعات ترسم مساراً محتملاً، يظل تحققه رهيناً بسرعة انتشار الاستخدامات، ونجاعة التجهيزات، وتطور البنيات المعلوماتية والسياسات الطاقية المعتمدة.

وعلى الصعيد العالمي، لا تزال هذه النسبة محدودة نسبيا. غير أن تمركزها الجغرافي قد يفرض ضغوطا أشد بكثير على بعض الشبكات والمجالات الترابية. فبين سنتي 2020 و2025، ارتفعت كثافة القدرة الكهربائية لخوادم الذكاء الاصطناعي بنحو أحد عشر ضعفا، بما يعني تمركز قدرة كهربائية أكبر داخل حيز حاسوبي محدود. ومن ثم، لا يرتبط الرهان بالحجم الإجمالي للطاقة المستهلكة فحسب، بل يتعلق كذلك بسرعة تلبية حاجات الربط، واستمراريتها، ومواقع تمركزها.

وبالنسبة إلى مسيري الشبكات، يفرض هذا التركز ضرورة استباق حاجات الإنتاج والنقل والتوزيع والتخزين والمرونة. أما بالنسبة إلى المستثمرين، فإنه يضيف معايير مرتبطة بتوافر القدرة الكهربائية، وآجال الربط، وتكلفة الكهرباء، واستقرار الإطار التنظيمي. وعلى المستوى الترابي، تطرح هذه الوضعية ضرورة التحكيم بين الجاذبية الرقمية، والاحتياجات الصناعية، والخدمات الأساسية، والحفاظ على التوازنات المحلية. وبذلك، لم يعد إنشاء مركز للبيانات مجرد مشروع معلوماتي أو عقاري، بل أصبح قرارا طاقيا واقتصاديا وترابيا في الآن نفسه.

ويكتسي هذا النمو أيضا بعدا مناخيا. إذ تقدر الوكالة الدولية للطاقة لانبعاثات غير المباشرة المرتبطة بتوليد الكهرباء اللازمة لتشغيل مراكز البيانات سنة 2024 بنحو 180 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون. وفي السيناريو المركزي للوكالة، قد ترتفع هذه الانبعاثات إلى قرابة 320 مليون طن بحلول سنة 2030، علما أن تطورها سيعتمد إلى حد بعيد على المزيج الكهربائي الذي يغذي المنشآت. وبالتالي، يمكن للقدرة الحاسوبية نفسها أن تترتب عنها آثار مناخية متباينة جدا، بحسب مصدر الكهرباء، ونجاعة التجهيزات، ومعدل استخدامها، وظروف تشغيلها الفعلية.

غير أن التحدي لا يقتصر على الجانب الكهربائي، بل يمتد أيضاً إلى البعد المائي. فالتبريد يفرض احتياجات مائية تتفاوت بحسب المناخ، والتقنيات المعتمدة، وكثافة الخوادم، وأنماط التدبير الحراري. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، قُدّر الاستهلاك المباشر لمراكز البيانات بنحو 66 مليار لتر من الماء سنة 2023، وهو استهلاك يرتبط بدرجة كبيرة بالبنية التحتية للتبريد. وإلى جانب هذا الاستهلاك المباشر، قُدرت البصمة المائية غير المباشرة المرتبطة بإنتاج الكهرباء المستخدمة في تشغيل هذه المراكز بنحو 800 مليار لتر في السنة نفسها.

وتبين هذه الأحجام أن تقييم الأثر المائي ينبغي ألا يتوقف عند الحدود المادية لمركز البيانات، بل يجب أن يدمج طريقة التبريد، ومستوى الإجهاد المائي المحلي، والنجاعة الطاقية، وكثافة استخدام المياه داخل النظام الكهربائي. وتُبرز الدراسات المتاحة تفاوتًا كبيرًا في حجم هذه البصمة تبعًا لحجم أعباء المعالجة الرقمية، والتجهيزات، والظروف المناخية، وشروط التشغيل. ولذلك، لا يقدم المؤشر المنفرد سوى قراءة جزئية، في حين لا يمكن تقدير قابلية الاستدامة الفعلية لموقع معين إلا من خلال تحليل يأخذ سياقه الخاص بعين الاعتبار.

ويزداد هذا الترابط وضوحا حين يكون الماء في حاجة إلى الضخ أو المعالجة أو النقل أو التحلية، وهي عمليات تتطلب بدورها استهلاك الطاقة. وفي الاتجاه المعاكس، تعبئ بعض البنيات التحتية الطاقية موارد مائية لتشغيلها أو تبريدها. ومن ثم، يندرج المجال الرقمي ضمن ترابط يجمع بين الطاقة والماء والمجال الترابي، بحيث تعيد كل ممارسة تقنية توزيع القيود بدل أن تلغيها. وعليه، ينبغي أن يدمج تقييم أي مشروع رقمي أبعادا متعددة، تشمل مصدر الكهرباء ومدى توافرها، ونجاعة التجهيزات، والكثافة الكربونية، والاحتياجات المائية المباشرة وغير المباشرة، وتقنيات التبريد، وقدرة الشبكات، وصمود البنيات التحتية، ومدى التعرض للمخاطر المناخية. وتتيح هذه المقاربة متعددة المعايير تجاوز منظور يقتصر على التكلفة الفورية، أو قدرة المعالجة الرقمية، أو الأداء الطاقي وحده.

وهنا يضطلع الذكاء الطاقي بوظيفة حاسمة. فهو يجعل الموارد المعبأة أكثر وضوحا، ويضع المنافع المنتظرة في مقابل التكاليف المادية، ويوثق صيغ التوفيق، وينير الاختيار بين مواقع التوطين والتقنيات والاستخدامات. كما يمكنه، تبعا لذلك، توجيه الاستثمارات نحو حلول تتوافق مع القدرات الكهربائية والمائية والترابية المتاحة، مع إدماج متطلبات التنافسية، والقدرة على الصمود، واستمرارية الخدمات.

وأخيرا، تقتضي حكامة هذا الأيض تجاوز الحدود التقنية للمنشآت. فاستدامة البنية التحتية لا تعتمد فقط على أدائها الداخلي، بل ترتبط أيضا بمتانة سلاسل القيمة، وتوافر الخبرات العملية، والقدرة على الحفاظ على حلول بديلة. وهكذا، تقود مادية المجال الرقمي مباشرة إلى فحص التبعيات التي قد تؤثر في حرية اتخاذ القرار.

-أستاذ باحث بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء؛

خبير قضائي محلف – شعبة الطاقات المتجددة؛

مدقق رئيسي لنظم القيادة الاستراتيجية للطاقة – 50001 ISO، وللبيئة – 14001 ISO؛

خبير في الانتقال الطاقي، وآليات تعديل الكربون على حدود الاتحاد الأوروبي (CBAM).

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
إرث المرابطين والموحدين
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 00:10 1

إرث المرابطين والموحدين

صوت وصورة
طريق مهترئة وخسائر متواصلة
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 23:58

طريق مهترئة وخسائر متواصلة

صوت وصورة
جلسة عمل | إدريس الكراوي
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 22:53

جلسة عمل | إدريس الكراوي

صوت وصورة
العسري واتصال المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 22:02

العسري واتصال المنصوري

صوت وصورة
بنعبد الله بعد لقاء المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 21:26 10

بنعبد الله بعد لقاء المنصوري

صوت وصورة
لشكر في مقر ''البام''
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 20:15

لشكر في مقر ''البام''