1 -التفاعل المنظومي داخل الترابط الترابي: نحو مقاربات جديدة للحكامة
كما وضحنا من خلال مقالنا الذي تم نشره يوم 08 مارس 2026، بهذا المنبر الإعلامي تحت عنوان “المغرب والذكاء الطاقي“، أشرنا إلى تداعيات ما يجري حالياً في مضيق هرمز وما يكشفه من هشاشة في التوازنات الطاقية العالمية، بما يبرز أن الطاقة لم تعد مجرد قضية تقنية، بل أصبحت رهانا استراتيجيا بامتياز.
وشكلت تلك المناسبة فرصة لتقديم مفهوم الذكاء الطاقي (Intelligence énergétique)، الذي تم تقديمه في البداية ضمن بحث علمي منشور في مجلة علمية دولية، باعتباره إطاراً للحكامة الطاقية، يقوم على قياس وتحليل تدفقات (Flux) الطاقة والكربون، اعتماداً على معطيات قابلة للقياس والتحقق، بهدف تنوير القرار الاقتصادي، وتوجيه السياسات العمومية، وتعزيز القدرة التنافسية (Compétitivité)، في سياق دولي يتسم بتزايد القيود المناخية والتنظيمية.
وفي نفس السياق، لا بد من الإشارة إلى المسار الطموح للانتقال الطاقي الذي اعتمده المغرب، والقائم على تنويع المزيج الطاقي، وتعزيز الطاقات المتجددة، بهدف بلوغ حوالي 52٪ من القدرة الكهربائية المركبة من مصادر متجددة بحلول سنة 2030، خاصة وأنه يستورد نحو 90٪ من حاجياته الطاقية. وتزداد أهمية هذا الانتقال أيضاً بالنظر إلى أن قطاع الطاقة يمثل حوالي 65 ٪من الانبعاثات الوطنية من غازات الدفيئة.
كما يفتح الذكاء الطاقي المجال أمام توظيف أدوات تحليلية متقدمة، من بينها الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، من أجل معالجة كميات كبيرة من المعطيات الطاقية والاقتصادية والبيئية، بما يسمح بالكشف عن العلاقات الخفية بين الاستهلاك الطاقي والأداء الاقتصادي، وببناء نماذج استشرافية تساعد صناع القرار، على تقييم السيناريوهات الممكنة لمسارات الانتقال الطاقي والكربوني.
غير أن هذا المفهوم يمنح في الوقت نفسه أهمية خاصة للمستوى الترابي، بالنظر إلى قوة التأثيرات التي تتشكل داخله. فالمجالات الترابية تمثل الفضاء الفعلي الذي تتقاطع فيه أنماط الإنتاج والاستهلاك والبنيات التحتية والموارد الطبيعية، وهو ما يجعلها المستوى الأكثر ملاءمة لفهم التفاعلات المنظومية التي تربط الطاقة بباقي القطاعات الاقتصادية.
وتكتسي المقاربة الترابية أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي يضطلع به المواطن داخل المنظومة الطاقية. فالمواطن لا يمثل فقط مستهلكاً للطاقة، بل يشكل أيضاً فاعلاً أساسياً في تشكيل الثقافة الطاقية داخل المجتمع، من خلال دوره في التنشئة الاجتماعية للأجيال الجديدة وترسيخ قيم الوعي البيئي. كما يساهم في توجيه السياسات العمومية المرتبطة بالطاقة والبيئة، عبر مشاركته في الحياة الديمقراطية والنقاش العمومي حول نماذج التنمية المحلية. وفي الوقت نفسه، تؤثر أنماط استهلاكه اليومية المرتبطة بالسكن والنقل واستخدام الأجهزة المنزلية بشكل مباشر في مستوى الطلب الطاقي والمسارات الكربونية للاقتصاد.
ولم يعد دور المواطن يقتصر على الاستهلاك فقط، بل أصبح في عدد متزايد من التجارب الدولية، فاعلاً في الانتقال الطاقي من خلال المبادرات المحلية وإنتاج الطاقة المتجددة على نطاق صغير. ومن هذا المنظور، يصبح المواطن أيضاً مصدراً مهماً للمعطيات الطاقية التي يمكن تحليلها في إطار أنظمة قياس تتمشى مع متطلبات الذكاء الطاقي، بما يسمح بتحويل السلوكيات الاستهلاكية إلى معلومات مفيدة لتحسين تدبير النظام الطاقي.
ويكتسي تدبير المسارات الكربونية أهمية خاصة في الحالة المغربية، بالنظر إلى الدور المحوري لقطاع الطاقة في الانبعاثات الوطنية من غازات الدفيئة، إذ يمثل أحد أهم مصادرها. وهو ما يجعل الانتقال نحو الطاقات المتجددة وتحسين النجاعة الطاقية من بين الرافعات الأساسية لتحقيق الانتقال الطاقي والإيكولوجي في آن واحد. ويساهم الذكاء الطاقي في ترسيخ إدراك أكثر دقة للعلاقة بين الطاقة والبيئة والإنسان، وفي تغيير أنماط التفكير المرتبطة باستعمالاتها اليومية، بما يسمح بالمساهمة، انطلاقاً من المستوى الترابي ثم الوطني وأخيراً الكوني، في إعادة الاعتبار للبيئة داخل المنظومة الاقتصادية، حيث ظلت لفترة طويلة الطرف الوحيد غير المُكافَأ، رغم كونها أهم مساهم داخل هذه المنظومة.
غير أن البيئة لا تمثل مجرد إطار محايد يحتضن النشاط الاقتصادي، بل تعد فاعلاً أساسياً داخل المنظومة الإنتاجية، فهي تجمع بين بعديه الفيزيائي والأخلاقي في آن واحد. فهي التي تمد السلاسل الإنتاجية والخدماتية بالموارد الأساسية التي تقوم عليها مختلف الأنشطة الاقتصادية، من طاقة، ومواد أولية، ومياه، وغيرها من الموارد الطبيعية. ومع ذلك، غالباً ما تُغفل البيئة عند احتساب القيمة المضافة الناتجة عن هذه الأنشطة، رغم كونها المصدر الأول للموارد التي تجعل إنتاج هذه القيمة ممكناً في المقام الأول.
وقد تم تقديم هذا المفهوم في البداية، في إطار بحث علمي قبل أن ينتقل تدريجياً إلى النقاش العمومي، عبر مقاربة تحليلية تسعى إلى تجاوز القراءة التقليدية، التي تختزل الطاقة في كونها مجرد مورد اقتصادي أو قطاع تقني، والنظر إليها أيضاً باعتبارها نظام معلومات استراتيجي، قادر على تنوير القرار الاقتصادي وتوجيه السياسات العمومية.
كما أنه من داخل الإطار الترابي، تطرح قضية بالغة الأهمية، تتعلق بأجرأة الالتقائية الترابية في الفعل القيادي للاقتصاد المحلي، من خلال استراتيجية تقوم على تحقيق توازن بين رفاه الإنسان وإنصاف البيئة، ولا سيما في سياق أصبح فيه هامش التفاعل الإيجابي مع الموارد الطبيعية أكثر هشاشة، مما يقربنا أكثر من ظروف قهرية تفرضها الطبيعة علينا.
ويكمن الهدف من الالتقائية الترابية في الحد من تشتيت الجهود بين الفاعلين، لفائدة وعي وطني يتجسد في فعل محلي منسق، يسمح بقيادة المراحل الانتقالية للتحول الطاقي والاقتصادي بشكل متدرج ومتوازن.
وفي ظل هذا الترابط المتزايد بين القطاعات الاقتصادية والموارد الطبيعية داخل المجال الترابي، يبرز سؤال محوري: كيف يمكن أن تظل الالتقائية صعبة المنال، في حين أن عنصراً بنيوياً مثل الطاقة يمتلك بطبيعته القدرة على ربط مختلف السلاسل الإنتاجية والخدماتية، والتأثير في سرعة تحقيق أهدافها؟
في الواقع، تتمتع الطاقة بقوة فيزيائية عرضانية بالنسبة لأغلبية سلاسل القيمة، كما تمتلك قدرة كبيرة على إحداث تحولات بنيوية داخل المجال الترابي. ويظهر دورها بوضوح في تنافسية الأنشطة الفلاحية، وتدبير الموارد المائية، وتعزيز الأمن الغذائي، والحركية والنقل، وكذلك في أداء البنيات التحتية الرقمية، التي تشكل بدورها قاعدة أساسية لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وفي مثل هذا السياق المترابطـ، لا يمكن لأي قرار قطاعي أن يُتخذ بمعزل عن باقي القطاعات، نظراً لما قد يولده من آثار متسلسلة تتجاوز المجال الذي اتخذ فيه. وفي انسجام مع مشروع الجهوية المتقدمة الذي تبنته المملكة المغربية منذ سنة 2015، يبرز مفهوم الترابط الترابي بوصفه نظاماً من التدفقات، تتقاطع فيه الطاقة، وما يرتبط بها من مسارات كربونية، مع قطاعات أخرى متعددة ذات خصوصيات مجالية. ويقصد بالترابط الترابي نظام التفاعلات الدائرية بين الطاقة والموارد الطبيعية والأنشطة الاقتصادية داخل المجال الترابي.
ويشكل هذا المفهوم إطاراً عملياً لهندسة الحكامة المحلية، كما يتجلى في صيغ مختلفة من الترابط مثل: الطاقة-الماء-الفلاحة، الطاقة-السياحة-الصناعة التقليدية، الطاقة-الصناعة-الماء، الطاقة-التحلية-الفلاحة في المناطق الساحلية، أو الطاقة-صناعة الإسمنت-الماء. وتشتغل مكونات هذا الترابط في تناغم عبر تفاعلات دائرية تضمن تكاملاً وظيفياً بين الموارد والاستعمالات بما يعزز ديناميات الالتقائية الترابية، ويسرّع تحقيق التنمية المحلية.
وتكتسي هذه المقاربة أهمية خاصة في الحالة المغربية بالنظر إلى تنوع الموارد والخصوصيات المجالية. ومن ثمة يصبح من الضروري ربط الاستراتيجيات الوطنية بالموارد المحلية، بما يجعل الذكاء الطاقي مرتكزاً أساسياً لفهم منظومة الترابط الترابي، والتفاعل بين مكوناتها. كما يهدف الترابط الترابي إلى تحقيق أداء يتجاوز مجموع أداءات عناصر النظام عندما تُعالج بشكل منفصل، وذلك عبر منهجية تقوم على القياس، والتحليل، والتجارب الناجحة، وتكييف التدخلات بشكل مستمر، مع ضمان استقرار الأنظمة خلال المراحل الانتقالية.
ومن هذا المنطلق، يتعزز دور البعد المحلي باعتباره فضاءً فعلياً لقيادة التحولات التنموية. وفي هذا الإطار، يمكن للذكاء الطاقي أن يشكل أداة لقياس الأداء التنموي للجهات، من خلال مؤشرات مثل البصمة الطاقية للجهة، وكثافة الكربون المرتبطة بأنشطتها الاقتصادية. ومن شأن هذه المؤشرات أن توفر قراءة أدق للديناميات الاقتصادية داخل المجالات الترابية، بما يعزز دورها في توجيه السياسات العمومية.
وبعبارة أخرى، فقد تم بالفعل نقل مراكز ثقل عدد من القضايا التنموية نحو المجالات الترابية، وهو ما يقتضي أيضاً نقل مركز ثقل الخطاب السياسي نحو الجماعات الترابية، بما يتيح الاقتراب أكثر من المواطنين وتقديم عروض سياسية واقعية ومنسجمة مع خصوصيات مجالاتهم الترابية.
وعلى هذا الأساس، يمكن أن تكتسب فكرة التنافسية الاقتصادية المحلية المنورة بالذكاء الطاقي حضوراً أوسع ومصداقية أكبر، بما يعزز ثقة المواطنين في مسارات التنمية الترابية، ويقوي التماسك حتى بين مختلف المجالات الترابية. فعندما تصبح الطاقة أداة لقياس الأداء الاقتصادي داخل المجال الترابي، فإن آثارها تنعكس أيضاً على موقع الاقتصاد الوطني في محيطه العالمي.
فالمجالات الترابية لا تمثل وحدات معزولة داخل الاقتصاد الوطني، بل تشكل نقاط ارتكاز ضمن شبكات إنتاجية وتجارية مترابطة، تتقاطع فيها ديناميات التنمية الداخلية، مع متطلبات التنافسية الدولية والانتقال الطاقي العالمي. ومن هذا المنظور، لا تتوقف آثار الذكاء الطاقي عند حدود التنظيم الترابي، بل تمتد أيضاً إلى إعادة تشكيل أنماط التنافسية الاقتصادية على المستوى الدولي.
ومن زاوية أخرى، لقد شهد الاقتصاد العالمي خلال العقود الأخيرة تطوراً تدريجياً في مفهوم التنافسية. فبعد أن كانت ترتكز أساساً على الإنتاجية وتقليص التكاليف، برزت دينامية جديدة جمعت بين التنافس والتعاون، فيما أصبح يعرف بالتنافسية-التعاونية، حيث لم يعد التنافس بين الفاعلين الاقتصاديين ينفي إمكانات التعاون، بل أصبح يتقاطع معها داخل فضاءات اقتصادية وتنظيمية مشتركة.
قد يبدو الجمع بين التنافس والتعاون، للوهلة الأولى، جمع بين نقيضين، غير أن تعقيد التحديات المعاصرة، وخاصة منها البيئية والمناخية، أظهر أن عدداً متزايداً من القضايا لم تعد قابلة للمعالجة بشكل منفرد، سواء من طرف الشركات، أو حتى من طرف الدول.
وفي هذا السياق يضطلع الذكاء الطاقي بدور محوري، من خلال منصته المعتمدة على البيانات الطاقية ذات الأصل الفيزيائي، التي يتم جمعها من مصادر متعددة وتوحيدها، وتحليلها على ضوء الرهانات الجيوطاقية والجيوسياسية والاقتصادية. وبفضل هذا التحليل، يصبح بالإمكان تحويل الطاقة من مجرد مورد اقتصادي إلى لغة جديدة للحكامة الاقتصادية، تسمح بربط التنافسية بالاستدامة، وتدعم قدرة الدول والاقتصادات على اتخاذ قرارات أكثر دقة ومرونة، في عالم يتسم بتزايد القيود البيئية والمناخية. وعليه لم تعد الطاقة مجرد قطاع اقتصادي، بل أصبحت البنية العميقة التي يعاد من خلالها تنظيم الاقتصاد، والمجال الترابي، والسياسات العمومية في آن واحد.
“There is no Plan B because there is no Planet B”
“لا توجد خطة بديلة (ب)، لأنه لا يوجد كوكب بديل (ب).”
Ban Ki-moon
United Nations – Climate Change Summit
أستاذي،
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد “انتقال طاقي”، بل هو “ثورة خوارزمية” تحول المزيج الطاقي إلى كيان ذكي، حيث يمنح التعلم العميق (Deep Learning) تقنياتنا التقليدية قدرة على التنبؤ بسلوك الحقول الريحية (Wind Fields) والحقول الشمسية (Solar Fields) بدقة تتجاوز الحواس البشرية. إن المحاكاة (Simulation) هي المختبر الرقمي الذي ينقل الأفكار من الورق إلى الواقع، مسنودة بقوانين الفيزياء والبرمجة لبناء التوأمة الرقمية (Digital Twin)، وهي نسخة حاسوبية حية للمنظومة الطاقية تتفاعل مع الواقع لحظياً. بفضل هذا النموذج العددي، نستطيع إجراء اختبارات خالية من المخاطر (Risk-Free Testing)، وصياغة سيناريوهات “ماذا لو؟” (What-if scenarios) للتصدي للأزمات الجيوسياسية واضطراب المناخ افتراضياً قبل حدوثها ميدانياً.
إن هذا التمازج بين عبقرية الخوارزميات وسيادة الموارد هو ما سيجعل من المغرب ليس فقط مصنعا للطاقة، بل مصنعا للذكاء الطاقي العالمي.
ALHOCEIMA
عن التوأمة الرقمية
هذه التوأمة الرقمية (Digital Twin) ليست مجرد محاكاة عادية، بل هي نسخة طبق الأصل من الواقع المادي تعيش داخل الحاسوب، حيث تُزرع آلاف المستشعرات (Sensors) على توربينات الرياح وألواح الطاقة الشمسية، لترسل لحظياً معطيات دقيقة عن الاهتزاز (Vibration)، ودرجة الحرارة (Temperature)، وسرعة الرياح (Wind Speed). تتدفق هذه البيانات الضخمة (Big Data) عبر شبكات إنترنت الأشياء (IoT Networks) ليتم معالجتها بخوارزميات التعلم الآلي (Machine Learning)، مما يخلق نموذجاً رقمياً نابضاً بالحياة يتزامن مع نظيره المادي في الزمن الحقيقي
(Real-Time Synchronization)
هذا النموذج الذكي يسمح لنا بمراقبة التدهور الهيكلي (Structural Integrity) بدقة مجهرية، فنكتشف الشقوق غير المرئية في ريش التوربينات قبل أن تتسع، ونمارس الصيانة التنبؤية (Predictive Maintenance) لنستشعر العطل قبل أسابيع من حدوثه. بفضله، نختبر تأثير العواصف الرملية (Sandstorms) على الإنتاج قبل هبوبها، ونحاكي سلوك الشبكة الكهربائية تحت ضغط الطلب المتزايد (Peak Demand) دون انقطاع التيار عن المواطن. إنها معجزة رقمية .
ALHOCEIMA
خلف الستار الرقمي: لغة المعادلات المعقدة
إن هذا “الذكاء الطاقي” ليس مجرد أكواد برمجية (Code) ، بل هو تجسيد حي لأعقد المعادلات التي عرفتها البشرية. ففي قلب التوأم الرقمي ، تستيقظ معادلات (Navier-Stokes Equations)، وهي مجموعة من المعادلات التفاضلية الجزئية التي تصف حركة الرياح وتدفق الهواء، وبسبب تعقيدها الرياضي الهائل تُعد أحد “مشكلات الألفية” غير المحلولة تماماً . تُستخدم هذه المعادلات في مجالات حيوية أخرى كالتنبؤ العالمي بالطقس (Weather Prediction)، وتصميم الطائرات، وحتى محاكاة تدفق الدم في الشرايين.
هنا،نضطر لاستخدام التحليل العددي (Numerical Analysis) لتقسيم الهواء إلى ملايين الخلايا الرقمية الصغيرة وحساب الضغط والسرعة في كل منها.
أما في المزارع الشمسية، فتنتقل الدقة إلى معادلات انتقال الحرارة (Heat Transfer) والديناميكا الحرارية (Thermodynamics)، حيث تُحاكي الخوارزميات سلوك الأملاح المنصهرة وتفاعلها مع الإشعاع الشمسي لحظة بلحظة. إن بناء هذه النماذج العددية (Numerical Models) يتطلب قوة حوسبة هائلة قادرة على حل ملايين المصفوفات الرياضية (Matrices) في أجزاء من الثانية.
ALHOCEIMA
يبدو من خلال هذه المقالة أن الحديث عن الطاقة لم يعد حديثاً عن الكهرباء والبترول فقط، بل عن رؤية جديدة لفهم الاقتصاد والمجال والبيئة في آن واحد. فالنص يطرح فكرة الذكاء الطاقي ليس كمفهوم تقني فحسب، بل كطريقة جديدة للتفكير في التنمية، حيث تصبح الطاقة خيطاً ناظماً يربط بين الفلاحة والماء والصناعة والنقل وحتى سلوك المواطن اليومي. واللافت في هذا الطرح هو الانتقال من التفكير القطاعي الضيق إلى التفكير المنظومي الذي يرى التراب كوحدة متكاملة تتفاعل داخلها الموارد والأنشطة والإنسان.
ومن وجهة نظر شخصية، يمكن القول إن أهم ما يلمح إليه هذا الطرح هو أن مستقبل التنافس بين الدول والجهات لن يكون فقط حول من ينتج أكثر، بل حول من يُدبر الطاقة والموارد بذكاء أكبر. فالقوة الاقتصادية في المستقبل قد لا تقاس فقط بحجم المصانع أو الثروات الطبيعية، بل بقدرة المجتمعات على تحويل المعطيات الطاقية والبيئية إلى قرارات ذكية تحقق التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، لأن التحدي الحقيقي لم يعد هو الإنتاج فقط، بل الاستمرار في الإنتاج دون استنزاف الطبيعة.