لا يفصلنا سوى أيام معدودة لتأكيد ولادة أسطورة الزعيم كما يحلو لأنصاره بتلقيبه أو أفول نجمه بعد اقتراع 4 شنبر 2015.
ومن تابع الأسلوب الذي ينتهجه “الزعيم المنتظر” منذ نشأة حزبه، تتأكد له إستراتيجية “بالأكل تفتح الشهية” التي يعتمدها على درب الارتقاء نحو القمة والتربع على مقاليد الحكم في المغرب.
ولتشخيص مرحلة المخاض التي يعيش على وقعها المشهد السياسي في المغرب ترقبا لولادة الزعيم، نود الوقوف مع هذا اللقب المنبعث من الثقافة العربية المنتمية للحقبة الماضية، حيث كانت الهيمنة فيها للحزب الواحد، والرئيس الواحد، والخطاب الواحد، والصوت الواحد، والمصير الواحد الذي يمثله زعيم الأمة الجاهز لوحده للقضاء على كل مشاكلها.
في ثقافة الزعيم يكون دائما الخير فينا والشر في الآخر، الصواب معنا والخطاء من نصيب الآخر، الإصلاح بين أيدينا والفساد مصدره الآخر، بكل بساطة فخطاب الزعيم يكرس الثقافة الواحدة يكون فيه التركيز على تخصيص عبارة “معنا” للأنصار، ونعت المخالفين بكلمة “ضدنا”.
إن ما دفعني إلى التفكير والوقوف وقفة تأملية في مصطلح “الزعيم” هو خوفي من تكرار نفس السيناريوهات التي انتهى إليها ما أطلق عليه بالخريف العربي في تونس ومصر وليبيا….، وقبل ذلك مع جبهة الإنقاذ في الجزائر، وحركة الترابي في السودان، وقد يقول قائل أن تربة التجربة المغربية مختلفة عن الظروف التي نشأت في الحركات الإسلامية في البلاد العربية، ورغم أنني أتفق مع هذا الطرح إلا أن مخاوفي يدعمها وعيي بالخطاب المتناقض الذي يعكسه الفارق الكبير بين الطرح الديمقراطي كأسلوب تشاركي، وتشاوري يروم التأسيس لمبادئ الحكامة الجيدة في تدبير شئون الدولة، وبين الطرح الزعاماتي الذي ينظر في الزعيم المنقذ الذي عليه أن يخلص الأمة من قيودها ومآسيها، أما الباقي هم أتباع يصفقون للزعيم.
ففي الفكر الزعماتي يتكرر نفس خطاب المظلومية الذي يعتمده الأفراد في واقعهم الشخصي، ويرمون بمسؤولية الآخر على واقعهم، أي الدولة التي يجب أن تجد لها حلولا سريعة، وإلا فهي تجسد الشر الذي وجب الانتقام منه يشتى طرق الفساد التي يتواطأ فيه ويساهم فيه الشعب بنفسه.
لا شك أن كل زعيم بدأ الزعامة بممارسة القطبية الواحدة تجاه ذاته لحشد الجماهير الواسعة من الأنصار، وباعتماد الخطاب الواضح والبسيط الذي يفهمه جزء كبير منهم كوسيلة قوية في الإقناع والجذب، ومع ذلك يتذكر التاريخ كيف سقط الزعماء بعد أن اعتلوا هرم السلطة في البلاد العربية أو كما قال الشاعر : ما طار طائر وارتفع إلا كما طار وقع.
وبمقارنة بسيطة بين مفهوم الزعيم في الثقافة العربية، ونظيره في الثقافة الديمقراطية الأوروبية نجد أن هذه الأخيرة لا تؤمن بزعامة الأحزاب، وإنما تنظر إليهم كمسئولي أحزاب، فالزعيم في الثقافة العربية يتحمل مسؤوليته في الفشل لوحده، أما في الثقافة الأوروبية فالشعب مسؤول عن اختياراته لمسؤولي الأحزاب الذين فشلوا، وهي مسؤولية تروم تصحيح الوضع من أجل التقدم إلى الإمام بينما تعود الأولى القهقري إلى الوراء بالثورة وإعادة الانطلاق من الصفر وهو ما يضيع وقت الأمة ويطيل من تخلفها.
وفي انتظار ما ستسفر عنه النتائج في اقتراع شتنبر، علينا كمغاربة أن نتخذ الحيطة والحذر تجاه خطابنا وتجاه سلوكيتنا التي قد تحدد مصيرنا في المستقبل إما نحو الأفضل أو الأسوأ لا قدر الله.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.