قبل أن يصلَ الزّعيمُ، كان المشهد السّياسي يُؤدي عَرْضَه المعتاد بإخلاص يكاد يستحقّ جائزة على طول النَّفس. وجوه تتقدّم إلى المنصات، كلماتٌ تتشابه حتى يصعب أن تعرف أين انتهت الأولى وأين بدأت الثانية، وحناجر تبذل جهدًا كبيرًا لتعويض ما ينقص الأفكار من جِدّة.
كان كلّ واحد يتحدّث وكأنّه يحملُ المفتاحَ الأخير لفَهْم البلاد، ثمّ يترك المنصة ليأتي رفيقُه ويستعمل المفتاح نفسه، في الباب نفسه، وبالحركة نفسها تقريبًا.
تكررّت العبارات حتى فقدت قُدرتها على الإدْهاش. الوطن حاضرٌ، الشعب حاضرٌ، المستقبل حاضرٌ، التغيير حاضرٌ، وكلُّ الكلمات الكبيرة حضرت، بينما ظلت الجُملة التي تُقنع النّاس غائبة.
بعضهم بالغَ في الحَماسة، وبعضُهم بالَغ في الوَقار، وبعضهم جمع الحماسة والوقار في خطاب واحد حتى بدا كمن يُلقي على الجمهور نسخة جديدة من خطاب قديم.
ومع ذلك ظل الجميع يتصرَّف كأن الحملة بدأت على خير ما يرام، وكأنّ كل شيء يسير وفق الخُطة. لم يكن ينقص المشهد سوى شخصٌ واحد يملك تلك القدرة النّادرة على أن يدخل المكان فيُغيّر هندسته من غير أن يحرّك كُرسيًا واحدًا.
الزعيم الذي لم يحتج أن يقول إنَّه الزّعيم
ثم جاء الزعيم؛ لم يحتج وصوله إلى مقدمة طويلة، ولم يحتج هو إلى تعريف بنفسه. دخل إلى الحملة كما يدخل صاحبُ البيت إلى مجلسٍ يعرفُه جيّدًا. لم يبحث عن موقع في الصَّف الأول، لأنّ الصفّ الأوّل وجد موقعه حوْله.
الرّفاق الذين كانوا يتصدَّرون المشهد قبل دقائق لم يختفوا، ولم يطلب منهم أحد أن ينسحبوا، ولم تقع معركة على المنصة.
حافظ كل واحد على ابتسامته، وظل الجميع ضمن الصورة. هُم مِنَ الحزب نفسه، يُردّدون الشّعارات نفسها، ويجلسون حول الطاولة نفسها. غير أن السّياسة، مثل الحياة، لا توَزِّع الهَيبة بالتَّساوي لمجرَّد أنَّ الجميع يحملُ بطاقة الانْتماء لهذا الحزب أو ذاك.
هنا تكمنُ المفارقة. قبل حضور الزعيم، كانَ كلّ متحدث يبدو كبيرًا ما دام يقفُ وحده أمام الميكروفون. بعدَ حضُوره، ظهر الحجْم الحقيقي لكلِّ واحد. لا ظلم في الأمر، ولا مؤامرة، ولا يد خفية تحرِّك المشهد. المقارنة وحدها فعلت ما لم تستطع الخصومات فِعله.
قال الآخرون إنهم يعرفون الناس، أمّا هو فتحدّث كما لو أنّه يعرف ما يشغلهم حقًّا. شرح الآخرون أهمية الحملة، أمّا هو فتحرّك فجعل لها ثِقلًا وحضورًا. ردّد الآخرون لغة الحزب، بينما أضفى هو عليها نبرة القائد. تحدّث بعضهم عن الحضور في الشارع، أمّا هو فجعل من حضوره حدثًا في الشارع.
دخلَ لِوَحْدِه… فتغيّر وزْنُ الجَمِيع
هكذا، بدأت الجُمل القديمة تفقد بريقها واحدة بعد أخرى. الشّعار الذي بدا قويًا قبل أيام أصبح مألوفًا أكثر مما ينبغي. الكلمات التي حاول أصحابها أن يمنحوها مهابة استثنائية استعادت حجمها الطبيعي، وربما أقل قليلًا، لأن المقارنة أحيانًا قاسية من غير أن تقصد القسوة.
لم يقل لهم الزعيم إن خطاباتِكُم ضَعيفة، لم يحتج إلى ذلك. لم يقل إنني أقْدَر منكم على قيادة الحَملة، لم يحتج إلى ذلك أيضًا. ترك الميدان يتكلّم. والميادين، على عكس المنابر، لا تُجامل طويلًا.
من يستطيع أن يحوِّل الحَمْلة من مناسبة خطابية إلى فعل سياسي يفرض إيقاعه من دون أن يشرح للآخرين كل دقيقة أنّه القائد.
هذا ما حدث. صار الزعيم مركز الجاذبية، وبقي الآخرون يدورون في المسار نفسه. لم يطردهم من المشهد، ولم يقلِّل من مكانتهم، إلاّ أنّ الفرق بين القيادة والمشاركة ظهر بوضوح يَصعبُ سَتره بالكلمات.
حتى لغة الجسد قالت شيئًا آخر. بعض الوجوه التي كانت تتقدم بثقة صارت تراقب أكثر مما تتكلم.
بعض الأصوات التي اعتادت أن ترتفع بدأت تختار كلماتها بحذر. بعضُ الذين كانوا يظنون أن الحملة فرصة لتثبيت صورتهم اكتشفوا أنها قد تتحول إلى مرآة، والمرآة لا تتفاوضُ مع أحدٍ حوْل ما تعكسُه.
ومع مرور الوقت، لم يعد السؤال: من يتحدث أكثر؟ صار السؤال: من يملك القدرة على اختصار كل هذا الكلام في موقف واحد؟
لم يُقصِ أحدًا… لكنه تقدّم على الجميع
لم يحتج الزعيم إلى أن يرفع صوته كيْ يعلُوَ. لم يحتج إلى أن يكرر اسمه كيْ يحضُر. لم يحتج إلى أن يهاجم رفاقه كي يتقدّم عليهم. ترك لكل واحد مكانه، ثم جعل مكانه هو يبدو أكبر من تلقاء نفسه.
وهذا ربما أقسى أنواع التَّفوُّق السياسي وأكثرها أناقة: أن يتراجع الآخرون من غير أن تدفعهم، وأن تصغر كلماتهم من غير أن تسخر منها، وأن تتغيّر موازين الحضور من غير أن تعلن أنك جئت لتغييرها.
أما رفاقه، فقد بقوا حوله، وهذا في حد ذاته مشهد يستحق التأمُّل. قبل وصوله كانوا أبطالَ اللَّوحة، وبعدَ وُصوله صاروا إطارَها.
لم يفقدُوا قِيمَتَهم، لكنَّهم فقدُوا الوَهْم الجميل بأن الضَّوء مُوزَّعٌ بالتَّساوي.
وفي السياسة، ثمة لحظات لا تحتاج إلى استطلاعات رأي، ولا إلى سيْلٍ من التّحليلات والتأويلات.
يكفي أن تراقب من يتبعُه الناس حين يتحرّك، ومن يترقّب الآخرون كلمته قبل أن يصوغوا كلماتهم، ومن يستطيع، بمجرد حضوره، أن ينقل حملة كاملة من طور الانتظار إلى طور الفِعْل.
هناك، من دون كثير شرح، يتجلّى معنى الزعامة.
فـ”الزعيم الحقيقي” لا يهدِرُ وقته في إقناع الناس بأنّه زعيم، ولا يحتاجُ إلى أن يكرّر صفته على مسامعهم.
من يملكُ الزَّعامة تُثبتها حركةُ النَّاس من حوْله؛ أمّا من يضطرّ إلى شرحها طويلًا، فغالبًا ما يكون الشَّرح تعويضًا عن نقْص الدَّليل.
هلْ عرفتمُوهُ الآن؟
لا تتعجَّلُوا في الإجابة؛ فالاسم أقل أهمية من الأثر. ابحثوا عمّن دخل الحملة فتغيّر إيقاعُها، وعمّن تقدّم خُطوة فتذكّر الآخرون فجأة فضيلة الوُقوف في الخَلف، وعمّن قال جملًا قليلة فإذا بالخطب الطويلة من حوله تبدو كأنها تبحث لنفسها عن معنى مُتأخِّر.
هل عرفتموه الآن؟ إن لم تعرفوه، راقبُوا جيّدًا من صار يستعيرُ نبرَتَهُ، وكلامَه، وحركته اتجاه البَوصلة.
أمّا الذين كانوا يحتلون واجهة المشهد من رفاقه طبعا قبل وُصوله، فلا بأس بهم؛ ما زالوا في أماكنهم، يبتسمون للكاميرات، يلوّحون للجمهور، ويواصلون الكلام كما لو أن شيئًا لم يتغيّر.
ولعلّ هذه واحدةٌ من مُفارقات السّياسة التي تُغني عن الشرح: فثمّة من يحتاج إلى شعاراتٍ براقة، ومنصّاتٍ مكتظّة، وخطبٍ لا تنتهي، وتصفيقٍ مُنظَّم بعناية، كي يُقنع الناس، وربما نفسه أولًا، بأنّه قائد.
وثمّة من لا يحتاج إلى شيء من ذلك كلّه؛ يكفي أن يظهر، حتى تضيق المنصّة بالواقفين عليها، ويتراجع الآخرون تلقائيًا إلى الخلف، كأنّ ترتيب الصفوف قد حُسم قبل أن يبدأ الكلام.
فهل عرفتموه… أم أنّ الاسم صار أوضح من أن يُقال؟
جزء 1
الزعيم الحقيقي… حين تصبح خدمة الناس حقيقةً داخلية
الزعامة الحقيقية، في بعدها الديني والفلسفي، لا تبدأ بالرغبة في السلطة أو الشهرة، بل تبدأ بحب الناس وتحمل مسؤوليتهم. فالإنسان الذي يجعل مصلحة الآخرين غايته، لا تعنيه كثيراً سمعته أو مدحه أو حتى كره الناس له، بقدر ما يعنيه أن يؤدي واجبه بصدق.
وفي المنظور الإسلامي، ترتبط المسؤولية بالأمانة وخدمة الناس، وفي الفلسفة تُقاس قيمة الإنسان بما يقدمه للآخرين لا بما يطلبه لنفسه. لذلك قد تكون كلمة بسيطة، إذا خرجت من قلب صادق ومستعد لتحمل ثمنها، أكثر تأثيراً من خطاب طويل.
فالصدق الداخلي يظهر في الكلمة، والنظرة، والملامح، ولغة الجسد والحضور. عندما يكون الإنسان مستعداً فعلاً للتضحية من أجل المصلحة العامة، يشعر الناس بأنهم يرون حقيقة ما في داخله، لا مجرد خطاب مُعدّ لإقناعهم.
خلاصة
في السياسة، لا تُقاس قيمة المسؤول بعدد المناصب التي وصل إليها، ولا بعدد الأصوات التي حصل عليها، بل بما يفعله عندما يصبح القرار بين يديه. فالمنصب قد يمنح الإنسان السلطة، لكنه لا يمنحه تلقائياً احترام الناس؛ الاحترام تصنعه الأمانة، والصدق، والعمل من
تتمة
جزء 2
في السياسة، لا تُقاس قيمة المسؤول بعدد المناصب التي وصل إليها، ولا بعدد الأصوات التي حصل عليها، بل بما يفعله عندما يصبح القرار بين يديه. فالمنصب قد يمنح الإنسان السلطة، لكنه لا يمنحه تلقائياً احترام الناس؛ الاحترام تصنعه الأمانة، والصدق، والعدل، والعمل من أجل المصلحة العامة.
وقد يكون الإنسان زعيماً وهو لا يبحث عن الزعامة أصلاً، ولا يسعى إلى منصب، ولا تهمه الشهرة أو الأصوات. قد لا يكون برلمانياً، ولا مرشحاً، ولا صاحب منصب كبير، ومع ذلك تكون فيه صفات القيادة الحقيقية؛ لأن الزعامة ليست دائماً منصباً، بل قد تكون صدقاً في الموقف، وصواباً في الكلمة، وعدلاً في الحكم، وحرصاً على جمع الناس على الخير، والسعي إلى مصلحة البلاد والوطن والمواطن.
وخير مثال على ذلك أولئك المصلحون في البوادي الذين يقصدهم الناس عندما تقع الخصومات والخلافات، لا لأنهم يحملون منصباً رسمياً، ولا لأنهم يملكون سلطة قانونية، وإنما لأن الناس يعرفون فيهم الحكمة والعدل والصدق، ويثقون بأن كلمتهم ستسعى إلى الإصلاح وجمع الشمل. هؤلاء قد لا يكونون برلمانيين ولا مرشحين، لكنهم يمارسون معنى الزعامة في أسمى صورها: زعامة الثقة،
جزء 3
خلاصة :
وخير مثال على ذلك أولئك المصلحون في البوادي الذين يقصدهم الناس عندما تقع الخصومات والخلافات، لا لأنهم يحملون منصباً رسمياً، ولا لأنهم يملكون سلطة قانونية، وإنما لأن الناس يعرفون فيهم الحكمة والعدل والصدق، ويثقون بأن كلمتهم ستسعى إلى الإصلاح وجمع الشمل. هؤلاء قد لا يكونون برلمانيين ولا مرشحين، لكنهم يمارسون معنى الزعامة في أسمى صورها: زعامة الثقة، وزعامة الإصلاح، وزعامة الخير.
فالزعيم الحقيقي قد لا يقول: «أنا أريد أن أقودكم»، بل تقول أفعاله ومواقفه: «أنا أريد الخير لكم». وقد لا يبحث الناس عنه ليمنحوه الزعامة، بل يجدون في صدقه وعدله وحكمته ما يجعلهم يحترمون كلمته ويثقون بمقصده.
فالزعامة الحقيقية ليست في الكرسي ولا في عدد الأصوات، وإنما في الإنسان نفسه؛ في صدقه حين يتكلم، وعدله حين يحكم، وحكمته حين يختلف الناس، واستعداده لخدمة الخير العام حتى دون منصب أو مقابل. قد يكون الزعيم بلا منصب، وقد يكون صاحب المنصب بلا زعامة؛ لأن الزعامة الحقيقية تبدأ من الداخل قبل أن تظهر في الخارج
برررااافو سي لحجمري على هذه الزاوية البديعة
قرأت ذات يوم أن الزعامة الحزبية تشبه أحيانًا الوقوف فوق منصة عالية كلما ارتفع القائد، صار مطالبًا بأن يرى أبعد من الآخرين، لا أن يكتفي بأن يُرى أكثر منهم وهذا ما عبرت عنه بكل دقة. لذلك نلاحظ أن بعض الزعماء يبحثون عن الجماهير، بينما الزعامة الحقيقية تبحث عن فكرة تستحق أن تبهر الجماهير.
شكرا لجريدة هسبريس
أستاذي عبد الفتاح لحجمري
يا لها من زاوية تُصيب الهدف بصمت…
نعم، عرفناه. لعلّ الأوضح من معرفته، أن نرى أثره في مَن صار يستعير نبرته… فالتقليد أحيانًا أبلغُ اعترافٍ بالنفوذ.
Un texte à la fois lucide et ironique, qui met en lumière avec finesse la répétition et le vide de certains discours politiques. Merci à l’auteur pour cette analyse pertinente et cette plume incisive.
بعد الاستماع إلى كثير من زعماء الأحزاب، ظهر أن الكلام حاضرٌ بكثرة، أمّا المعنى القادر على الوصول إلى الناس فظلّ شحيحًا. قيل الكثير، لكن الجملة التي تُطمئن، وتُقنع، وتفتح نافذة أمل… ظلّت غائبة. كلامك صحيح أستاذ عبد الفتاح
زاوية ممتعة جدا بمواضيع الساعة
شكرا جزيلا جريدة هسبريس
عرفناه… وحتى لو لم نعرفه، سؤالك سي عبد الفتاح فضحه
ما غيكون هدا غير لقجع والكلام عليه موزون ومطرز
شكرا كاتب المقال
قرأت هذه الزاوية وجدت التحليل موفقا بأسلوب شيق
شكرا جريدة هسبريس