السلطة تتكلم بصيغة المؤنث

السلطة تتكلم بصيغة المؤنث
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 23:18

تأمل في فلسفة السياسة انطلاقا من تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة

1- عتبة الحدث

في التاسع والعشرين من شتنبر 2026 استقبل جلالة الملك محمد السادس بالقصر الملكي بالرباط فاطمة الزهراء المنصوري، وعينها رئيسة للحكومة بمقتضى الفصل 47 من الدستور، وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، وذلك عقب انتخابات الثالث والعشرين من الشهر ذاته التي تصدرها حزب الأصالة والمعاصرة بسبعة وتسعين مقعدا من أصل خمسة وتسعين وثلاثمائة. بلاغ إداري موجز صدر عن وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة، صياغته جافة ومفرداته محسوبة، غير أن الفلسفة تعودت أن تنصت إلى الأحداث الصغيرة في حجمها، الكبيرة في دلالتها، فالتاريخ كثيرا ما يتسلل من شقوق العبارات الرسمية.

يحاول هذا المقال أن يقرأ الحدث من زاوية فلسفة السياسة، وهي زاوية تسأل عن المعنى قبل الحساب، وعن الشرعية قبل الائتلاف، وعن الرمز قبل الحقيبة الوزارية. ويطمح إلى فك بعض شفرات الرسالة المطوية في التعيين، تلك التي تكتب بلغة الإشارة، ويترك لكل قارئ أن يستخرج منها ما تسمح به بصيرته.

ولعل أول ما ينبغي قوله هو أن الأولية هنا مغربية بالمعنى الدقيق. هي الأولى في تاريخ المملكة، أما عربيا فقد سبقت تونس إلى تجربة مشابهة سنة 2021 مع نجلاء بودن. والمغرب يدخل الباب من مدخله الخاص، بدستوره وملكيته وأحزابه وذاكرته، وهذه الخصوصية هي ما يمنح الحدث ثقله الفلسفي.

2- الشرعية بين الصندوق والرمز

ميز ماكس فيبر بين ثلاثة أنماط للشرعية: شرعية تقليدية تستمد قوتها من قدم العهد، وشرعية كاريزمية تستمد قوتها من جاذبية شخص، وشرعية قانونية عقلانية تستمد قوتها من قاعدة مكتوبة. والنظام السياسي المغربي يقف عند ملتقى هذه الأنماط: ملكية ضاربة في الزمن، ودستور يحدد المساطر، وانتخابات تفرز الأرقام. وفي هذا الملتقى يكتسب الفصل 47 معناه الفلسفي، فهو الجسر الذي يعبر عليه الحساب الانتخابي إلى الاعتراف الملكي. الصندوق يقول من الأكثر أصواتا، والتعيين يقول من يتحدث باسم الدولة، ولكل من القولين مقام.

حين يقع الاسم على امرأة تتجاور الشرعيات الثلاث في مشهد واحد: شرعية الأقدمية التي تمثلها المؤسسة الملكية، وشرعية القاعدة التي يجسدها النص الدستوري، وشرعية الحدث التي تفتح زمنا جديدا. وفي لحظة التجاور هذه تنكشف حقيقة يحسن الانتباه إليها: الشرعية عملية متجددة، تحتاج إلى أفعال تثبتها كل مرة، كما يحتاج الجدول إلى ماء جديد كي يظل جدولا. وما يبدو ثباتا في المؤسسات يخفي في العمق حركة دائمة من التأويل والتكيف، والمؤسسة التي تحسن الحركة دون أن تفقد الوقار هي التي تعمر.

وينبغي هنا أن نحسن قراءة الفصل 47 نفسه. فالدستور يربط اختيار رئيس الحكومة بالحزب الذي يتصدر انتخابات مجلس النواب، وهذا يعني أن الاسم يخرج من داخل الديناميكية الحزبية، ويأتي التعيين ليمنحه الختم المؤسسي. وحين تكون المنصوري منسقة القيادة الجماعية لحزبها، يلتقي المسار الحزبي بالمسطرة الدستورية التقاء هادئا، وهذا الهدوء نفسه جزء من الرسالة، وسنعود إليه.

3- الاسم والتسمية

للغة في السياسة سلطان يفوق ما نظن. حين نقول “رئيسة الحكومة” نضع تاء التأنيث في موضع ظلت صيغته مذكرة طوال عقود الاستقلال كلها. والتاء هنا حرف صغير يحمل حمولة أنطولوجية، فهو يعلن أن الوظيفة تتسع لأكثر من جنس، وأن القاعدة النحوية التي رسخت المذكر أصلا والمؤنث فرعا تخضع بدورها لحكم التاريخ.

نبهنا ميشيل فوكو إلى أن الخطاب يصنع موضوعاته، وأن الكلمات تنظم ما يرى وما يحجب. وحين تتغير التسمية يتغير المرئي: صورة القيادة في المخيال الجماعي تنتقل من صورة ألفتها العين إلى صورة تتعلم العين رؤيتها. وتَعَلمُ الرؤيةِ عمل طويل، يبدأ في الصحافة وينتهي في الأمثال الشعبية وكتب المدرسة والنكتة العابرة.

وفي العربية طرافة تستحق التأمل. لغتنا تملك من المرونة ما يسمح بالتأنيث في الوظائف، فقد عرفت “القاضية” و”الوزيرة” و”العمدة”، وتقبل “رئيسة” دون عناء. الذي تأخر إذن هو الواقع، أما اللغة فكانت مستعدة منذ زمن. وهذه ملاحظة تقلب الصورة الشائعة: كثيرا ما نتهم اللغة بالجمود، والحقيقة أن اللغة تنتظر من يملأ صيغها بالوقائع.

4- جسدان للسلطة

ذهب إرنست كانتوروفيتش في دراسته الشهيرة عن الجسدين إلى أن للملك في التصور الوسيط جسدين: جسدا فانيا يمرض ويموت، وجسدا سياسيا خالدا يتجسد في المؤسسة. ويمكن توسيع الفكرة لتشمل كل من يتولى السلطة: لكل حاكم جسد فردي بسيرته وجنسه واسمه وبلاده، وجسد عمومي بوظيفته ومسؤوليته وأثره. والأمل الذي يعقده الفلاسفة على الديمقراطية أن يذوب الجسد الفردي في الجسد العمومي، فيحاسب الحاكم على القرار وحده.

غير أن التاريخ يفرض على الرائدات مرحلة انتقالية يظل فيها الجسد الفردي مرئيا أكثر مما ينبغي. ستُسأل المنصوري مرتين: مرة بكونها رئيسة حكومة، ومرة بكونها امرأة تتولى المنصب. وسيمتد السؤال الثاني في الصحف والمقاهي وفضاءات التواصل، حاملا في طياته مديحا متسرعا حينا وارتيابا متسرعا حينا آخر. والنضج السياسي للمجتمعات يقاس بالزمن الذي يستغرقه انتقال السؤال من المرة الثانية إلى الأولى، أي اليوم الذي تناقش فيه رئيسة الحكومة على اختياراتها وتحالفاتها ونتائجها، ويسكت الجميع عن جنسها كما يسكتون عن جنس أي رئيس سبقها.

وهنا مفارقة جميلة: الرمز الذي فتح الباب هو نفسه الذي سيحاول صاحبه التخلص منه. كل رائدة تعمل على أن تصبح غير رائدة، أي أن يفقد الاستثناء صفة الاستثناء، ويغدو ما كان حدثا عادة. وذلك هو النجاح الأعلى للحدث: أن يصير ذات يوم غير قابل للاستغراب.

5- الولادة السياسية

رأت حنة أرندت أن الفعل السياسي في جوهره ولادة: قدرة الإنسان على أن يبدأ ما لم يبدأ قبله، وأن يدخل في نسيج العالم خيطا جديدا. وأطلقت على هذه القدرة اسم “الميلادية”. والحدث الذي نتأمله ولادة بهذا المعنى الدقيق: بداية غير مسبوقة في تاريخ المملكة، وخيط جديد في نسيج قديم.

غير أن الولادة السياسية، عند أرندت، لا تنبثق من فراغ. إنها ثمرة تراكم طويل: نضال نسائي امتد عقودا، وإصلاح مدونة الأسرة سنة 2004، ودستور 2011 الذي نص على سعي الدولة إلى تحقيق المناصفة، وحضور متنام للنساء في الجامعات والقضاء والمحاماة والمجالس المنتخبة. والمنصوري نفسها ابنة هذا المسار: محامية بهيئة مراكش، ونائبة برلمانية، وعمدة لمدينتها، ووزيرة في قطاع مثقل بأسئلة السكن والمجال. فالبداية التي نراها اليوم تتويج لمقدمات سابقة، وللحدث ماض يشرح حاضره.

وتضيف أرندت أن الولادة وعد، والوعد يفتح الإمكان دون أن يضمن الإنجاز. فمن ولد لتوه يحتاج إلى من يرعاه، والبداية السياسية تحتاج إلى مؤسسات وأحزاب ومجتمع مدني يحميها من الانتكاس. وهذا درس يخص الجميع، لأن نجاح التجربة مسؤولية مشتركة، ولا يجوز أن يترك عبئها على كتف واحدة.

6- الاعتراف

قال هيغل إن الوعي الذاتي يبلغ حقيقته حين يجد نفسه معترفا به في وعي آخر، وأعاد أكسل هونيث صياغة الفكرة في السياق الاجتماعي المعاصر: الظلم في جوهره حرمان من الاعتراف، والعدالة تحقق حين تنال الفئات المهمشة تقديرا مؤسسيا لقدراتها. وإذا نظرنا إلى الحدث من هذه الزاوية رأينا فيه اعترافا مؤسسيا رفيع المستوى بأهلية المرأة للقيادة العليا للسلطة التنفيذية.

والاعتراف نوعان: اعتراف قانوني يقرر الحق، واعتراف رمزي يقرر المكانة. القانون منح المرأة حق الترشح والانتخاب منذ عقود، وهذا اعتراف بالحق. أما اليوم فالمشهد يقرر المكانة: امرأة تجلس في موضع القرار، ويخاطبها الناس بلقب “رئيسة وزراء”، وتستقبلها الوفود الأجنبية بصفتها من يحمل ملفات الدولة. وبين الاعتراف الأول والثاني مسافة، والحدث يقصر هذه المسافة قصرا محسوسا.

ويحسن بنا أن نتذكر أن الاعتراف يعمل في الاتجاهين. فمن يمنح الاعتراف يعيد تعريف نفسه بالفعل ذاته. المؤسسة التي تعترف بأهلية المرأة تعلن عن صورتها الجديدة أمام مرآة المجتمع والعالم، وتقول إنها تسع الجميع. وهنا ينكشف الوجه الآخر للرسالة: الحدث يخاطب المرأة، ويخاطب المؤسسة نفسها.

7- صدى ابن رشد

في تلخيص ابن رشد لجمهورية أفلاطون التفاتة جريئة نادرا ما يتوقف عندها الناس. يرى الفيلسوف القرطبي أن طبيعة النساء تشارك طبيعة الرجال في القدرات، وإن اختلفت الدرجات، وأن مدن زمانه تعطل هذه الطاقة فتفقد نصف مواردها، وأن ذلك من أسباب فقرها. حكم فلسفي صدر في القرن الثاني عشر، وما زال يحمل طرافة الاكتشاف.

وتشاء المصادفة التأويلية أن ابن رشد توفي بمراكش، وهي المدينة التي وقعت فيها بدايات مسيرة المنصوري السياسية. لن نجعل من المصادفة برهانا، فالتاريخ لا يشتغل بهذه السذاجة، غير أن الفكر يحق له أن يبتسم أمام التقاطعات. فكأن المدينة التي احتضنت رفات الفيلسوف الذي تساءل عن الطاقة المعطلة أنجبت اليوم من يفتح الباب أمام هذه الطاقة في أعلى مراتب الحكم.

والدرس الرشدي أعمق من الطرفة: مقياس المدينة العادلة هو حسن استثمارها لكفاءات أبنائها وبناتها. فالكفاءة لا تعرف الجنس، والدولة التي تحصر مواردها البشرية في نصف السكان تشبه من يسقي نصف حقله. وفي تعيين اليوم إشارة إلى أن الحقل بدأ يسقى كله، وأن الثمرة المنتظرة أوفر.

8- الرسالة المشفرة

يحب الفلاسفة أن يقرؤوا الأحداث على أنها نصوص، وللنص مرسل ومتلقون ومضمون. أما المرسل فهو المؤسسة، وهي تتكلم بأفعالها أكثر مما تتكلم بخطبها. وأما المتلقون فأربعة، ولكل منهم قراءة.

المتلقي الأول هو المجتمع في عمقه. والرسالة إليه أن الدولة قادرة على إحداث التحول بهدوء ودون صدام، وأن التغيير الرمزي الكبير يمكن أن يمر عبر المساطر الدستورية العادية دون حاجة إلى قطيعة. وهذه رسالة استقرار في ثوب تجديد، وهي أثمن ما يمكن أن يقال في زمن تتسارع فيه التحولات.

والمتلقي الثاني هو الطبقة الحزبية. والرسالة إليها أن صدارة الانتخابات تفتح باب الزعامة لمن يحسن قيادة حزبه، وأن الأبواب التي بدت موصدة أمام النساء لم تعد كذلك. وهذا يعيد ترتيب حسابات الأحزاب في اختيار قياداتها، ويجعل الكفاءة النسائية عنصرا مؤثرا في المنافسة، وينبغي أن تتحول إلى ممارسة داخلية في الأحزاب نفسها.

والمتلقي الثالث هو الخارج القريب والبعيد. والرسالة إليه أن المملكة تقدم نموذجا في الجمع بين الاستمرارية المؤسسية والانفتاح التدريجي، وأنها تتقدم على طريقتها الخاصة دون أن تنسخ تجارب الآخرين. وفي منطقة تتنازعها الصور النمطية عن حضور المرأة في الحكم، يحمل الحدث قيمة رمزية تتجاوز الحدود.

والمتلقي الرابع هو المستقبل نفسه، أي الأجيال القادمة من الفتيات اللواتي سيكبرن في بلد يسمعن فيه لقب “رئيسة الحكومة” مؤنثا منذ الطفولة. وأثر الرسالة هنا أعمق ما يكون: ما يسمعه الطفل في صغره يتحول عنده إلى بديهية، ومن نشأ على بديهية لا يحتاج إلى تبريرها. وبهذا تصنع السياسة الطبيعة الثانية للمجتمعات.

ومن دقائق الشفرة أن الحدث جاء هادئا، دون خطابات صاخبة ودون تسويق مفرط، في بلاغ من سطرين. وهذا الهدوء نفسه لغة: من يعتبر الأمر عاديا يعلن أنه أصبح عاديا. والتعبير الأبلغ عن الثقة أن تقول الأشياء الكبيرة بنبرة الأشياء المألوفة.

9- السلطة حين تتعدد

ثمة تفصيل يمنح الحدث تواضعه الفلسفي. حزب المنصوري تصدر الانتخابات، غير أن مقاعده السبعة والتسعين من أصل خمسة وتسعين وثلاثمائة تقصر عن الأغلبية المطلقة، وهذا يفرض عليها البحث عن تحالف. وتلك مفارقة مثمرة: الرمز الأنثوي الأول في تاريخ المنصب يحتاج إلى الآخرين كي يتحقق.

وقد أدركت أرندت هذه الحقيقة حين ميزت بين القوة والسلطة: القوة تملكها الفردية، أما السلطة فتنشأ حين يتحد الناس في الفعل المشترك، وتزول حين يتفرقون. ومن هذا المنظور، فرئيسة الحكومة تستمد قدرتها من قدرتها على جمع الفرقاء حول مشروع، وعلى بناء الثقة بين أحزاب متباينة. وهنا يلتقي الفكر بعمل سياسي يومي: فن التفاوض وصياغة التنازلات وإدارة الاختلاف، وهو فن يتطلب حكمة قبل أن يتطلب شعارات.

وهنا يحضر ميكيافيلي بثنائيته الشهيرة: الفضيلة التي تعني الكفاءة والعزم، والحظ الذي يعني تقلب الظروف. والحاكم الناجح عنده من يحسن اقتناص اللحظة ويملك من الكفاءة ما يحول الظرف إلى إنجاز. ولحظة المنصوري تجمع العنصرين: حظ تاريخي فتح الباب، وامتحان للكفاءة سيحدد ما يليه.

10- خطر الرمز وامتحان الجوهر

للرمز قوة عظيمة وله أيضا مخاطر. قد يتحول الاحتفاء بالرمز إلى بديل عن العمل، فيكتفي المجتمع بالتصفيق للصورة ويتغافل عن السؤال عن الحصيلة. وقد ينقلب الرمز إلى عبء يثقل صاحبه بتوقعات تفوق طاقة أي فرد: يطلب منه أن يمثل نصف المجتمع، وأن يبرهن باسم كل النساء، وأن لا يخطئ لأن خطأه سيحسب على الجنس كله. وهذا ظلم خفي ينبغي الانتباه إليه، فمن حق رئيسة الحكومة أن تخطئ وتصيب كما يخطئ ويصيب كل رئيس.

وميز ماكس فيبر بين أخلاق الاقتناع وأخلاق المسؤولية: الأولى تحتكم إلى نقاء النوايا، والثانية تحتكم إلى النتائج الفعلية للقرارات. والسياسة الناضجة تتبع الثانية. ومن ثمة فإن معيار الحكم على التجربة سيكون في ملفات الحياة اليومية: الشغل والسكن والتعليم والصحة والقدرة الشرائية وكرامة المواطنين. وقد تولت المنصوري قطاع الإسكان وسياسة المدينة، وهو قطاع يلامس أحوال الناس مباشرة، وسيقاس أداؤها بما يتغير في أزقتهم وبيوتهم.

وهنا يبلغ الحدث مفترق الرمز والجوهر. الرمز فتح الباب، والجوهر سيحدد ما يجري خلفه. فإذا أثمرت التجربة سياسات عادلة ونتائج ملموسة أصبح الحدث بداية لتقليد جديد، وإذا اكتفت بالصورة تحول إلى ذكرى جميلة عابرة. والفرق بين الاحتمالين يصنعه العمل، أما التأويل الفلسفي فيكتفي بأن يبين موضع الاختبار.

11- من الرمز إلى العقد

ما ينتظره الشعب وما تفرضه اللحظة:

أ) فلسفة الانتظار

لكل تعيين تاريخي زمنان: زمن الاحتفال وزمن الحساب. الأول قصير تصنعه الصور والتصريحات، والثاني طويل يصنعه العمل. وما يجري بين الزمنين تسميه فلسفة السياسة انتظارا، وهو مفهوم ثقيل الدلالة. فالشعب الذي ينتظر يمنح ثقة مشروطة، أشبه بسلفة أخلاقية تسدد بالنتائج. وتقوم الشرعية في تراث العقد الاجتماعي، من لوك إلى روسو، على تبادل: المواطنون يفوضون، والسلطة تحمي وتنصف. فإن امتد التفويض دون إنصاف ذبلت الثقة، وإن اقترن به الإنصاف ازدهرت.

وقد سبق ابن خلدون إلى هذا المعنى حين خصص في مقدمته فصلا لبيان أن الظلم مؤذن بخراب العمران، فالدول عنده تسقط حين يضيق الناس بحالهم قبل أن يسقطها خصومها. ويعيدنا هذا إلى فيبر وأخلاق المسؤولية: الحاكم يحاسب على ما تنتجه قراراته في حياة الناس، وحسن النية وحده يظل كلاما.

فماذا ينتظر الشعب؟ ثلاثة أشياء يصعب فصل بعضها عن بعض: الكرامة، والثقة، والأمل. الكرامة بمعنى كانط، أي أن يعامل المواطن غاية في ذاته، وأن يجد في المستشفى والمدرسة والإدارة ما يشهد بذلك. والثقة بأن الوعود تتحول إلى وقائع. والأمل بأن الغد أرحب من اليوم، خصوصا عند الشباب الذين يفكر بعضهم في البحث عن مستقبله خارج الوطن.

ب) العدالة الاجتماعية: ثلاث مرايا

تعطينا الفلسفة المعاصرة ثلاث مرايا يمكن أن يرى فيها الحدث معيار نجاحه.

المرآة الأولى مرآة جون رولز، الذي رأى أن العدالة إنصاف، وأن التفاوت يقبل بشرط أن يعود بالنفع على الأقل حظا في المجتمع. ومقياس النجاح هنا وضع الفئة الأضعف، وليس معدل النمو العام. فإن ارتفعت الأرقام الكبرى وظلت الهوامش على حالها فالعدالة لم تتحقق.

والمرآة الثانية مرآة أمارتيا سن، الذي نقل السؤال من ما يملكه الناس إلى ما يقدرون على فعله وعلى أن يكونوه: أن يتعلموا، وأن يتداووا في الوقت المناسب، وأن يشتغلوا، وأن يشاركوا. والتنمية عنده توسيع لهذه القدرات.

والمرآة الثالثة مرآة نانسي فريزر، التي ميزت في العدالة ثلاثة أبعاد: إعادة التوزيع، والاعتراف، والتمثيل. وقد رأينا في القسم السادس أن الاعتراف تحقق رمزيا في هذا التعيين. أما إعادة التوزيع فلا تزال وعدا، وأما التمثيل، أي من يسمع صوته في القرار، فسيختبر في تركيبة الحكومة وفي حضور الجهات والشباب والنساء داخلها. وبهذا يتضح أن الحدث أنجز ثلث العدالة تقريبا، وأن الثلثين الباقيين رهن العمل.

ج) الاختبار الأول: الأغلبية

سيكون أول امتحان سياسي عملي هو تشكيل الأغلبية. فحزب المنصوري حصل على سبعة وتسعين مقعدا من أصل خمسة وتسعين وثلاثمائة، ما يجعل بناء التحالفات والتوافق حول تركيبة الحكومة وبرنامجها أول ما يفرض نفسه على رئيسة الحكومة. وهنا يبرز فرق جوهري بين نموذجين: حكومة المقاعد التي توزع الحقائب على قدر الأصوات، وحكومة البرنامج التي تجمع أحزابا حول التزامات محددة قابلة للقياس. الأولى تعطي أغلبية عددية سريعة، والثانية تعطي أغلبية سياسية أصلب وأطول عمرا. وقد علمنا أرسطو أن المدينة تقوم على ما يشبه الصداقة بين المواطنين، أي على قدر من الغاية المشتركة، وأن التحالف الذي يفتقر إلى غاية مشتركة يتفكك عند أول ريح.

ويستحسن كذلك أن يقرأ المحلل هندسة الحكم بواقعية. فالتوجهات الاستراتيجية الكبرى للدولة تتداول في المجلس الوزاري برئاسة الملك، والاستراتيجيات القطاعية الممتدة تلزم الحكومات المتعاقبة. لذلك تنحصر مساحة الحركة الأوسع أمام رئيسة الحكومة في جودة التنفيذ، وحسن التنسيق بين القطاعات، وترتيب الأولويات، وإدارة الميزانية، وصدق التواصل مع الناس. وهي مساحة واسعة بما يكفي لصنع الفارق متى أحسن استعمالها.

د) الملفات الشائكة

– التشغيل والشباب: رأى هيغل، وتبعه هونيث، أن العمل ميدان أساسي للاعتراف: بالعمل يرى الإنسان أثره في العالم ويشعر أنه مرئي. والبطالة، من هذا المنظور، إقصاء من الاعتراف قبل أن تكون نقصا في الدخل. ومن هنا ثقل ملف الشباب، فقد رفعت احتجاجات الشباب في المغرب مطالب مرتبطة بالبطالة وأزمة الصحة والتعليم. والمطلوب سياسيا ربط الحوافز الاستثمارية بخلق فرص الشغل بمؤشرات معلنة، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة وتسهيل ولوجها إلى التمويل، وملاءمة التكوين المهني مع حاجات الأسواق الجهوية، مع الاعتراف بأن الشغل الكريم أوسع من مجرد منصب.

– الصحة والتعليم: هما موضع الإجماع في الانتظارات، بحيث تتجه أنظار المواطنين إلى الحكومة المقبلة أساسا في قطاعات الصحة والتعليم والتشغيل. وقد رأى ابن رشد أن المدينة تخسر حين تعطل طاقات أبنائها، ورأى سن أن الصحة والتعلم أصل القدرات كلها. فالمدرسة والمستشفى مصنعا القدرة الأولى. والمطلوب عمليا تحويل الاستثمارات إلى خدمات أقرب وأجود، وإنصاف الأطر الطبية والتربوية ماديا ومعنويا لأن جودة الخدمة تمر عبر كرامة من يقدمها، وتقليص الفوارق الجهوية في التجهيز والموارد البشرية، وقياس النجاح بنتائج التعلم وزمن انتظار العلاج، دون الاكتفاء بعدد البنايات.

– الحماية الاجتماعية والقدرة الشرائية: تتطلب فكرة رولز عن الأضعف حظا أن يصل الدعم إلى مستحقيه فعلا. لذلك تكمن الرهانات في استكمال ورش الحماية الاجتماعية وضمان فعالية البرنامج ووصوله إلى الفئات المستهدفة، بحسب ما تسجله قراءات المرحلة، مع شفافية في معايير الاستهداف وسبل التظلم. وفي القدرة الشرائية يجدر تشديد المراقبة على الأسواق وحماية المنافسة، لأن الغلاء يضرب الفئات الضعيفة والوسطى في الصميم، ويأكل ثمار أي زيادة في الأجور.

– السكن والمجال: تعرف المنصوري هذا الملف من الداخل بحكم تجربتها الوزارية، وتنتظر منها القراءة المتأنية لما أنجز وما تعثر. وفلسفيا يعني السكن أكثر من جدران: هو شرط الاستقرار والانتماء. أما سياسيا فيقتضي معالجة الفوارق بين الجهات وبين المركز والهوامش، وعدم اختزال السياسة المجالية في المدن الكبرى، فالجبل والواحة والقرية أصحاب حق كذلك.

– الماء والأجيال القادمة: يذكرنا هانس يوناس بأن الأخلاق في عصر التقنية تتسع إلى مسؤولية تجاه الأجيال التي لم تولد بعد. والماء أوضح مثال: أزمة الماء من الملفات التي ينتظر أن تواجهها الحكومة الجديدة. والعدالة هنا زمنية بقدر ما هي اجتماعية، فما نستهلكه اليوم نقتطعه من حصة أبنائنا. والمطلوب تخطيط بعيد المدى يجمع بين تعبئة الموارد وترشيد الاستهلاك، خصوصا في الفلاحة، مع حماية الفئات الهشة من كلفة الانتقال.

– الأولويات الكبرى وموعد 2030: يظل الاستعداد لمونديال 2030 حاضرا في أجندة الحكومة الجديدة، وقد رافقه نقاش عمومي حول الموازنة بين البنيات الرياضية والخدمات الاجتماعية. والفلسفة تنصح هنا بالتمييز بين الوسيلة والغاية: المشاريع الكبرى تبرر نفسها متى تحولت عائداتها إلى شغل وخدمات وعدالة مجالية، وتفقد مبررها متى انفصلت عن حياة الناس. والحل الأمثل شفافية في الكلفة والعائد، وربط الأوراش بمنافع اجتماعية معلنة.

– المحاسبة: لا معنى لبرنامج دون آلية مساءلة، فالمسؤولية تربط بالمحاسبة كما ينص الدستور. والمطلوب تقارير دورية أمام البرلمان والرأي العام، ومؤشرات منشورة، وشجاعة الاعتراف بما تعثر.

– منهج قبل قائمة: تختصر القائمة السابقة في خمس التزامات منهجية:

الصراحة: تشخيص صادق للأوضاع ولحدود الإمكان، لأن الثقة تبنى على الصدق، وليس على الوعود المفرطة.

ميثاق أولويات قصير تعلن فيه آجال ومؤشرات قابلة للقياس، بدل برنامج طويل يصعب تتبعه.

حوار اجتماعي حقيقي مع النقابات والمجتمع المدني والفاعلين الاقتصاديين، فالإصلاح الذي يفرض من فوق يتعثر عند التنفيذ.

جهوية فعلية تنقل جزءا من القرار والموارد إلى الجهات، لأن العدالة المجالية شرط للعدالة الاجتماعية.

تمكين فعلي للنساء والشباب في مواقع القرار داخل الحكومة والإدارة، ليتحول الاعتراف الرمزي إلى تمثيل ملموس.

الرمز دين في عنق من حمله، والعدالة وفاؤه. وقد سجل التاريخ اسم المنصوري في سجله الأول، غير أن السجل الثاني، سجل الحصيلة، سيكتبه المواطنون بأعينهم في المستشفى والمدرسة والسوق والحي. وإذا صدقت الرئيسة الجديدة مع الناس، وأحسنت صناعة الأغلبية، ورتبت الأولويات، وثبتت على المحاسبة، تحول اللقب الذي بدأ به الحدث إلى شهادة عمل، وذلك أرفع ما يطمح إليه من دخل التاريخ من بابه الرمزي.

خاتمة

بدأنا من بلاغ في سطرين، ونعود إليه. سطران كتبا في دقائق، ومعناهما سيكتب في سنوات. الاسم دخل التاريخ بتوقيع ملكي، غير أن المكانة في التاريخ تكتسب بالعمل. وبين الدخول والمكانة مسافة اسمها الولاية الحكومية، بما فيها من مفاوضات ومنعطفات وامتحانات.

وتعلمنا فلسفة السياسة أن اللحظات التأسيسية تعرف بما تفتحه أكثر مما تعرف بما تغلقه. واللحظة التي عشناها اليوم فتحت بابا: باب التخيل الجماعي لما يمكن أن تكون عليه القيادة، وباب المسؤولية أمام الأحزاب والمجتمع، وباب الاختبار أمام صاحبة الشأن. وكل باب يفتح يحمل وعدا وتبعة معا.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال بأن الحدث يعيد إلى السياسة معناها الأول: فن العيش المشترك في مدينة تتسع لكل أبنائها. فإذا صارت “رئيسة الحكومة” يوما عبارة عادية لا تستوقف أحدا، فذلك يوم يتحقق فيه المعنى الأعمق لما بدأ اليوم.

لائحة المراجع

1- الدستور المغربي، ظهير شريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليو 2011، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر، 30 يوليو 2011. الفصل 47 (تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر) والفصل 19 (المناصفة).

2- مدونة الأسرة، ظهير شريف رقم 1.04.22 بتاريخ 3 فبراير 2004، الجريدة الرسمية عدد 5184. ضمن مقدمات الحدث.

3- وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة، بلاغ تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، الرباط، 29 شتنبر 2026، كما نشرته وكالة المغرب العربي للأنباء. أصل الخبر ومصدر الوقائع.

المراجع الفلسفية

1- Weber, Max. Economy and Society. Edited by Guenther Roth and Claus Wittich. Berkeley: University of California Press, 1978. أنماط الشرعية الثلاثة (القسم الثاني من المقال).

2- Weber, Max. “Politics as a Vocation” (1919). In From Max Weber: Essays in Sociology, edited by H. H. Gerth and C. Wright Mills. New York: Oxford University Press, 1946. أخلاق الاقتناع وأخلاق المسؤولية (القسم العاشر).

3- فوكو، ميشيل. حفريات المعرفة. ترجمة سالم يفوت. بيروت: المركز الثقافي العربي، 1986. الخطاب وتكوين الموضوعات (القسم الثالث).

4- Kantorowicz, Ernst H. The King’s Two Bodies: A Study in Mediaeval Political Theology. Princeton: Princeton University Press, 1957. الجسدان (القسم الرابع).

5- Arendt, Hannah. The Human Condition. Chicago: University of Chicago Press, 1958. الولادية والفعل المشترك والسلطة (القسمان الخامس والتاسع).

هيغل، جورج فيلهلم فريدريش. فينومينولوجيا الروح. 6- ترجمة ناجي العونلي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2006. الاعتراف (القسم السادس).

-7 Honneth, Axel. The Struggle for Recognition: The Moral Grammar of Social Conflicts. Translated by Joel Anderson. Cambridge: Polity Press, 1995. الظلم بوصفه حرمانا من الاعتراف (القسم السادس).

8-ابن ر شد. الضروري في السياسة: مختصر كتاب السياسة لأفلاطون. نقله عن العبرية أحمد شحلان. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998. قدرات النساء وتعطيلها (القسم السابع).

9- Machiavelli, Niccolò. The Prince. Translated by Harvey C. Mansfield. Chicago: University of Chicago Press, 1985. الفضيلة والحظ (القسم التاسع).

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 21:17

ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي

صوت وصورة
ضيوف من الفضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 20:36

ضيوف من الفضاء

صوت وصورة
أزمة المواقف مستمرة وسط البيضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 15:32

أزمة المواقف مستمرة وسط البيضاء

صوت وصورة
أبي رقراق ينبض بالحياة
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 13:32

أبي رقراق ينبض بالحياة

صوت وصورة
طرق مدمرة وخدمات غائبة
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 11:18

طرق مدمرة وخدمات غائبة

صوت وصورة
ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟
السبت 3 أكتوبر 2026 - 21:00

ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟