حكومة تصريف الأمور الجارية

حكومة تصريف الأمور الجارية
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 08:51

تشكل الانتخابات التشريعية تشكل محطة أساسية في الحياة الدستورية والسياسية للدولة، باعتبارها الآلية التي يتم من خلالها تجديد التمثيلية الشعبية وإعادة تشكيل الخريطة البرلمانية، وما يترتب عن ذلك من آثار على بنية الأغلبية البرلمانية والحكومة.

وقد شهد المغرب يوم 23 شتنبر 2026 إجراء الانتخابات التشريعية لانتخاب أعضاء مجلس النواب، الذي يتكون من 395 مقعداً. ووفق النتائج الرسمية التي أعلنتها وزارة الداخلية، تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً، يليه حزب التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، فيما توزعت باقي المقاعد بين عدد من الأحزاب السياسية.

ويطرح هذا الوضع سؤالاً دستورياً وسياسياً بالغ الأهمية:

ما هو الوضع القانوني للحكومة القائمة بعد إجراء الانتخابات التشريعية، وإلى أي حد يمكنها الاستمرار في ممارسة اختصاصاتها إلى حين تعيين الحكومة الجديدة؟ وما حدود تصريفها للأمور الجارية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي التمييز بين ثلاث مسائل مترابطة : استمرارية الدولة، وانتهاء الولاية السياسية للحكومة، ثم حدود الاختصاص خلال المرحلة الانتقالية.

أولاً: الحكومة القائمة واستمرارية الدولة بعد الانتخابات

من المبادئ الأساسية في الأنظمة الدستورية الحديثة أن إجراء الانتخابات لا ينبغي أن يؤدي إلى حدوث فراغ في السلطة التنفيذية. فالانتخابات تغير موازين القوى السياسية وتجدد الشرعية التمثيلية، لكنها لا تعني بالضرورة توقف عمل الحكومة والإدارة.

وتقتضي استمرارية الدولة استمرار المرافق العمومية، وتنفيذ القوانين، وحماية الأمن العام، وتدبير الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، والوفاء بالالتزامات الدولية، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية؛ واتخاذ التدابير الضرورية في الحالات المستعجلة.

ومن ثم، فإن المرحلة الفاصلة بين الانتخابات وتشكيل الحكومة الجديدة تمثل مرحلة انتقال دستوري وسياسي وليست فراغاً في ممارسة السلطة التنفيذية.

وتتولى الحكومة، وفق الفصل 89 من الدستور، ممارسة السلطة التنفيذية، بينما يحدد الفصل 92 اختصاصات مجلس الحكومة في مجموعة من المجالات ذات الأهمية بالنسبة لتدبير السياسة العامة للدولة.

غير أن الوضع الدستوري للحكومة يتغير عندما تنتهي مهامها وفق الآليات الدستورية، إذ تنتقل آنذاك من حكومة كاملة الاختصاصات السياسية إلى حكومة تتولى تصريف الأعمال الجارية إلى حين تشكيل الحكومة الجديدة.

وهنا تبرز أهمية الفصل 47 من دستور 2011 ( الفقرة السادسة )، الذي ينص صراحة على ما يلي: » تواصل الحكومة المنتهية مهامها تصريف الأمور الجارية إلى غاية تشكيل الحكومة الجديدة«. وهذا المقتضى يجعل تصريف الأعمال الجارية مؤسسة دستورية واضحة، وليس مجرد ممارسة إدارية أو عرف سياسي.

وجدير بالإشارة في هذا الصدد، أن التجربة الفرنسية تختلف من الناحية الدستورية عن النموذج المغربي. فالدستور الفرنسي لا يتضمن بنفس الصياغة المغربية مقتضى صريحاً ينظم «تصريف الأمور الجارية» ، غير أن الممارسة الدستورية الفرنسية طورت مفهوماً مشابهاً يقوم على استمرار الحكومة المستقيلة في اتخاذ التدابير الضرورية لضمان استمرارية الدولة والمرافق العمومية، مع وجود قيود على القرارات التي تتجاوز الإدارة العادية أو تنطوي على اختيارات سياسية جديدة.

ثانياً: مفهوم تصريف الأعمال الجارية وحدوده الدستورية

ينبغي عدم فهم مفهوم تصريف الأعمال الجارية باعتباره تجميداً لعمل الحكومة أو شللاً للإدارة. فالحكومة التي تتولى تصريف الأمور الجارية تستمر في ضمان السير العادي للمرافق العمومية، واتخاذ الإجراءات الضرورية لضمان استمرارية الدولة، والتعامل مع الحالات الاستعجالية.

لكن تصريف الأعمال يقتضي، في المقابل، قدراً من التحفظ السياسي والمؤسساتي، حيث إن المعيار الأساسي في هذه المرحلة هو التمييز بين القرارات التي تفرضها استمرارية الدولة وبين القرارات التي تنطوي على اختيارات سياسية استراتيجية جديدة.

فإذا كان القرار ضرورياً لتدبير مرفق عام أو لمواجهة حالة استعجالية، فإن عدم اتخاذه قد يؤدي إلى تعطيل المرفق أو الإضرار بالمصلحة العامة. أما إذا كان القرار يتعلق بإطلاق سياسة عامة جديدة، أو بإحداث التزامات بعيدة المدى، أو باتخاذ اختيارات سياسية أو اقتصادية كبرى يمكن أن تقيد الحكومة المقبلة، فإن مثل هذه الأمور لا تدخل في نطاق تصريف الأمور الجارية، حيث لا ينبغي لحكومة انتقالية أن تتخذ قرارات استراتيجية باسم أغلبية سياسية لم تتشكل بعد.

وبالتالي، فإن تصريف الأعمال الجارية لا يعني انعدام الاختصاص، وإنما يعني ممارسة الاختصاص في إطار طبيعة استثنائية ومؤقتة للمرحلة السياسية.

وختاما، فإن المرحلة التي أعقبت الانتخابات التشريعية لـيوم 23 شتنبر ليست مجرد فترة إجرائية بين انتخاب مجلس النواب وتشكيل الحكومة الجديدة، وإنما هي مرحلة ذات أهمية دستورية وسياسية خاصة. فالانتخابات أفرزت خريطة سياسية وبرلمانية جديدة، بينما تستمر المؤسسات التنفيذية في أداء وظائفها إلى حين استكمال المسار الدستوري لتشكيل الحكومة الجديدة.

وفي هذا السياق، ينبغي النظر إلى تصريف الأمور الجارية باعتباره آلية لتحقيق التوازن بين مبدأين أساسيين: استمرارية الدولة واحترام الشرعية الديمقراطية الجديدة.

فالحكومة المنتهية مهامها لا تتحول إلى حكومة عديمة الاختصاص، كما أن استمرارها لا يعني استمرارها في ممارسة السلطة السياسية بنفس النطاق الذي كانت تمارسه قبل انتهاء مهامها.

إنها حكومة تؤدي وظيفة انتقالية، هدفها الأساسي ضمان سير الدولة والمرافق العمومية، مع ضرورة التحفظ في القرارات التي يمكن أن تقيد اختيارات الحكومة المقبلة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
توقف أشغال يعرقل السير بطنجة
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 15:42

توقف أشغال يعرقل السير بطنجة

صوت وصورة
حريق سوق المسيرة بالبيضاء
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 13:09

حريق سوق المسيرة بالبيضاء

صوت وصورة
دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 12:13

دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي

صوت وصورة
رالي المغرب يخترق الصحراء
الأحد 27 شتنبر 2026 - 23:36

رالي المغرب يخترق الصحراء

صوت وصورة
مستشفى تيفلت بلا تجهيزات
الأحد 27 شتنبر 2026 - 22:03

مستشفى تيفلت بلا تجهيزات

صوت وصورة
البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"
الأحد 27 شتنبر 2026 - 21:30

البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"