السياسي المُستَمِع !!..

السياسي المُستَمِع !!..
الجمعة 28 غشت 2026 - 22:19

وأنت تعيش في هذا البلد الأمين، قد تصادف في حياتك سياسيا أو سياسية يكتفون، في تحمل المسؤولية، بالإنصات لمشاكل الناس فقط، دون البحث عن حلول لها، ودون مساندة فعلية للمتضررين الذين اشتكوا كتابة ولفظا، ويئسوا من إيجاد حل منصف لما يعانونه من مشاكل في وطنهم.

هؤلاء السياسيون يمكن أن نطلق عليهم لقب «السياسي المستمع»، وهم يظنون أن الاستماع إلى مشاكل الناس في مكاتبهم المُكيفة عمل سياسي يؤجرون عليه، وكأني بهم يقولون :

المهم هو الجواب عن سؤال : كم من المشاكل استمعنا إليها ؟.

فتراهم يتنافسون في عدد المشاكل التي استمعوا إليها، فتمنحُ الأصوات للشخص الذي استمع إلى أكبر عدد من المظالم، لا للشخص الذي استطاع أن يحل أكبر عدد منها.

وبمنطق هؤلاء، يصبح حل المشاكل خطرا على السياسي، لأنه إذ حل جميع المشاكل في دائرته الانتخابية قد يجد نفسه في الانتخابات المقبلة أمام كارثة سياسية حقيقية : دائرة انتخابية بلا مشاكل !!.

وهنا تظهر مشكلة السياسي :

ماذا سيفعل إذا لم يجد مواطنا يشكو ؟!..

عندها سيبحث عن حل لهذا المشكل، أي حل لمشكل عدم وجود مشكل، وقد يطوف الأحياء في «الحملات الانتهازية» ويطرق الأبواب متوسلا، فيطلب من المواطنين اختراع مشاكل جديدة حتى يستمر في ممارسة هوايته السياسية : الجلوس، والاستماع، وهز الرأس، وقول العبارة التاريخية :

«إن شاء الله مازال غادي نتكلمو على هاد المشكل…».

بل قد يصل الأمر إلى درجة يصبح فيها المواطن، بالنسبة إلى بعض السياسيين، مجرد وحدة إحصائية للشكايات..

وفي اجتماع تقييم البرنامج اليومي للسياسي، سنسمعه يقول :

هذا استمعت إليه يوم الاثنين، وهذه استمعت إليها الثلاثاء، وهذا جاء بمشكل السكن، وتلك بمشكل العمل، وآخر بمشكل الإدارة…

وفي نهاية الشهر يمكن إصدار تقرير مشرف عنوانه :

«إسمعوني من فضلكم لقد استمعت إلى مشاكل 1000 مواطن ومواطنة».

لكن السؤال الذي لن يظهر عادة في التقرير هو :

كم مشكلة وجدت طريقها إلى الحل ؟!.

عندما نتكلم عن السلطة والشرعية، من منظور علم الاجتماع، يجب أن نميز بين السلطة التي تستمد مشروعيتها من المؤسسات والقواعد، وبين مجرد ممارسة النفوذ. والسياسي لا يصبح فاعلا اجتماعيا حقيقيا لمجرد أن الناس تدخل مكتبه وتشتكي إليه، فشرعيته السياسية يفترض أن تتحول إلى فعل وتأثير ونتائج.

وهنا يحق لنا أن نتساءل عن «الرأسمال السياسي» قياسا على «رأس المال التجاري»، أي عن الرصيد الذي يجمعه السياسيون. فأغلبهم يجمعون رصيدهم من العلاقات والصور واللقاءات والشكايات، ويحولون معاناة الناس إلى رصيد رمزي يظهرونه في المناسبات الانتخابية. يصبح المواطن هنا جزءا من المشهد، وتصبح الشكاية مادة لإعادة إنتاج صورة السياسي القريب من الناس، حتى لو لم يتغير شيء في حياة أصحابها.

فهل يمكن اعتبار ظاهرة استقبال المواطنين حلا لمشاكلهم؟ أم أن هذا الاستقبال والإنصات لمشاكل الناس يساهم في الحفاظ على صورة السياسي المتفاعل، وإظهار أنه حاضر دائما، حتى وإن كانت النتائج غائبة؟

وهنا نصل إلى المفارقة الساخرة:

قد يكون السياسي المستمع أكثر السياسيين حضورا في الشكايات، وأقلهم حضورا في الحلول.

وقد يستمع إلى المواطن باهتمام شديد، إلى درجة تجعل المواطن يخرج من عنده وهو مقتنع بأن مشكلته حلت، قبل أن يكتشف في اليوم التالي أن المشكلة ما زالت في مكانها، وأن الشيء الوحيد الذي تغير هو أن السياسي أصبح يعرفها جيدا، وحقق بالاستماع إليها هدفا منشـودا، وهو استمالة أصوات الناخبين!

والحقيقة أن الاستماع ليس عيبا، بل هو أول شروط العمل السياسي. السياسي الذي لا يستمع إلى الناس لا يمكنه أن يعرف حاجاتهم. لكن الاستماع الذي لا يتحول إلى مبادرة، واقتراح، وترافع، ومساءلة، وتشريع، ومراقبة، وتنفيذ، يبقى مجرد استماع اجتماعي بلا أثر سياسي.

فالسياسي ليس أخصائيا في استقبال الشكايات، ولا صندوقا بشريا لإيداع التظلمات، ولا موظفا للاستماع يعمل بتوقيت انتخابي.

الدور الحقيقي للسياسي هو أن يحول مطالب الناس إلى قضايا عامة، ومعاناتهم إلى سياسات عمومية، وشكاياتهم إلى أسئلة ومبادرات ومواقف، وأن يستخدم موقعه وصلاحياته للدفاع عن حقوقهم، ومحاسبة المسؤولين عن الاختلالات، والسعي إلى إيجاد حلول قابلة للتنفيذ.

فالسياسي الناجح ليس من يستطيع أن يقول : «سمعتكم»، وإنما من يستطيع الإجابة عن سؤال : «ماذا فعلت؟» ..

لأن المواطن لا يحتاج إلى سياسي يحفظ مشكلته عن ظهر قلب، بل إلى سياسي يستطيع أن يجعل المشكلة أقل حضورا في حياته.

والسياسي الذي يكتفي بالاستماع، يشبه الطبيب الذي يستمع إلى المريض باهتمام بالغ، ويسأله عن الأعراض، ويدون كل التفاصيل، ثم يبتسم ويقول له:

«شكرا على المعلومات… تفضل، ونلتقي في الشكاية المقبلة.»

وهنا تكمن الخلاصة: الاستماع بداية المسؤولية، وليس نهايتها. فالمواطن لا يمنح السياسي ثقته حتى يكون شاهدا على معاناته فقط، وإنما لأنه ينتظر منه أن يكون جزءا من حلها. أما أن يتحول السياسي إلى مجرد مستودع للشكايات، يجمع آلام الناس كما يجمع البعض صور المناسبات الانتخابية، فذلك لا يصنع سياسة، ولا يغير واقعا، ولا يعيد الثقة إلى المواطن.

فالناس لا يحتاجون إلى سياسي يقول لهم: «أنا معكم»، بقدر ما يحتاجون إلى سياسي يستطيع أن يقول لهم، بعد كل شكوى: «هذا ما فعلته من أجلكم».

وفي السياسة، كما في الحياة، لا تقاس قيمة الإنسان بعدد المرات التي استمع فيها إلى المشكلة، وإنما بعدد المرات التي حاول فيها أن يصنع فرقا في حياة أصحابها.

لذلك، ربما آن الأوان أن نغير السؤال في نهاية كل ولاية انتخابية، فلا نسأل السياسي : كم مواطنا استمعت إليه ؟ .. بل نسأله :

كم مشكلة استطعت أن تجد لها حلا !؟.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
المغاربة يترقبون الحلول
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 11:16 5

المغاربة يترقبون الحلول

صوت وصورة
تصوير الخيول في معرض الفرس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 23:24

تصوير الخيول في معرض الفرس

صوت وصورة
هلال: مجلس الأمن قبَر الاستفتاء
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 19:31 1

هلال: مجلس الأمن قبَر الاستفتاء

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | استراتيجية جديدة للهجرة
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 19:00 1

أبعاد استراتيجية | استراتيجية جديدة للهجرة

صوت وصورة
التويزي رئيسا جديدا لمجلس النواب
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 18:22 8

التويزي رئيسا جديدا لمجلس النواب

صوت وصورة
النواب يشرعون في انتخاب الرئيس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 15:51 1

النواب يشرعون في انتخاب الرئيس