قبل الصفر على المِسْطرة يُوجد فراغ صغير يبدو بدون معنى. العين تمر عليه بسُرعة، والطفل لا ينتبه إليه غالبا، والأستاذ لا يشرحُه، والمصنع لا يبرِّرُه.
يبدو ذلك الفراغ أخطرُ من الأرقام نفسها، ربما لأنهُ المسافة التي تسبقُ القياس، المنطقة التي لا تُحتسب؛ المجالُ الذي يُقرّر أين يبدأ العدّ وأين تنتهي الفوضى؛ الصفر لا يبدأ من نفسه؛ حتى الصفر يحتاج إلى سُلطة تمنحه حقَّ البداية.
ما لا تقيسه المسطرة
إنه ذلك الفراغ الذي يشبه حياة كاملة تعيشها المجتمعات قبل أن تعترف بها الدّولة؛ الفقير موجود قبل الإحصاء؛ المهمّش موجود قبل التقارير؛ القُرى المنسية موجودة قبل الخرائط؛ والإنسان يتألّم سنوات طويلة ثم تأتي المؤسّسات لتقول له ببرود إداري: الآن فقط أصبحتَ رقما؛ كأن الوجود لا يكفي… كأن المعاناة تحتاج ختمًا رسميًا حتى تصبح حقيقية.
تعشقُ السّياسة أيضا ذلك الفراغ، فالأنظمة لا تبدأ من الصّفر وإنما مِمَّا قبل الصّفر. تصنع مسافة رمادية حتى تبقى قادرة على تغيير القواعد متى شاءت، والمواطن يظن أن القانون واضح، ثم يكتشف فجأة أنّ هناك هامشا غير مكتوب يلتهم كل شيء.
تحتاجُ الوظيفة “معرفة”، ويحتاج الحَق “وساطة”، وتحتاج الكفاءة “اسما عائليا مُناسبا”. هكذا يتحوَّل الفراغُ الصغير قبل الصّفر إلى إمبراطورية كامِلة من الغُموض المقصود. الثقافة بدورها ليست بريئة. كمْ من موهبة بقيَت في ذلك الفراغ لأنّها لا تُشبه الذّوق السّائد، وكم من كاتب مات قبل أن تمنحه المؤسسة الثقافية سنتيمترا واحدا على مِسْطرتها.
من لا يدخلُ في المِسْطرة يبقى مُعلقا في الفراغ السّابق للصّفر؛ لا هو غائب تماما ولا هو معترف به تمَاما. إنّه كائن مُؤجل. حتى الإنسان مع نفسه يحمل تلك المسطرة القاسية، يقيس قيمته بالمال، وبالشهادات، وبالإعجابات، بالوظيفة، وبالعلاقات، ثم يقِفُ مَرعوبا أمام أيّ لحظة يشعر فيها أنّه عاد إلى ما قبل الصِّفر.
لا يخافُ المجتمع الحَديث الفَشل، يخاف أن يبدو بدون قيمة قابلة للقِياس؛ لهذا صَار الجَميع يركضون بجُنون كي يثبتوا أنهم تجاوَزُوا الصّفر ولوْ بمِليمتر واحِدٍ.
فراغٌ صغيرٌ بحجْم مُجتمع
نعلم أنّ الصّفر نفسه اختراع عبقري أنقذ الرياضيات والفكر الإنساني. مع ذلك تحوّل في الواقع الاجتماعي إلى تُهْمة. حين نقول عن شخص إنّه “صِفْر” فنحنُ لا نصفُ رقْما وإنما نُصدر حُكْما بالإلْغَاء.
ليْسَ ذلكَ الفَراغُ الصَّغير قبْل الصِّفر خَطأ في تصميم المسطرة، إنّه اعترافٌ خفِيّ بأنّ كلَّ نظامٍ يحتاجُ منطقة مُبهمة يختبئُ فيها. هناك دائما شيْءٌ لا يريد العالم أن يَقيسه بدقّة لأنّ الدِّقة تفضح كثيرا من الأكاذيب.
لذلك بقيَ الفراغ ليبدأ الصّفر مُتأخرا قليلا؛ ولذلك تبدو المسطرة أحيانا أشبه بخطاب سياسي طويل: مليئة بالأرقام، ناقصة في الحقيقة.
الفراغُ قبل الصفر توقيعُ الصّانع؛ فالذي صنع المسطرة لم يضع الصفر عند الحافة تمامًا، ترك قبله هامشًا صغيرًا، كأنّه يهمسُ لنا: حتى الصّفر لا يبدأ من نفسه؛ يحتاجُ إلى إذْن خفيّ، إلى عتبة صَغيرة، وإلى سُلطة صامتة تقول لكَ: من هنا تبدأ، لأن منْ يملك المسطرة لا يملك الأرقام، يملك أخطر من ذلك: تحديد نُقطة البداية.
وهذا أمرٌ يشبه المجتمع تمامًا. هناك بشرٌ لا يصلون إلى الصِّفر بسهولة، عليهم أن يعبروا فراغًا طويلًا من الشروط غير المعلنة: الاسم، العائلة، المال، اللغة، الطبقة، العلاقات، الواسطة، المظهر؛ بعض الناس يُولدون وقد تجاوَزُوا الصِّفر بمراحل، ثم يلقون علينا خطبًا طويلة عن الاجتهاد والذكاء والاستحقاق؛ وبعضهم يقضي عمره وهو يحاول فقط أن يصل إلى خطّ البداية.
يوزّعُ العالَمُ المساطر أوّلًا، ثم يتظاهر بالحِياد. يُعطي هذا مسْطرة مُستقيمة، وذاك مسطرة مكسورة، وآخر لا يعطيه شيئًا، ثم يطلب من الجميع أن يقيسوا أنفسهم بالمعيار نفسه. يا لها من عدالة أنيقة ومزيَّفة: ظلمٌ يرتدي بِدْلة رسميّة ويحمِلُ تقريرًا عنِ تكافؤ الفُرص.
لذلك، فالفَراغ قبل الصِّفر ليس مُجرد مساحة صغيرة من البلاستيك أو الخَشب؛ إنه فلسفةُ في توزيع البِدايات. هناكَ، في ذلك الهامش الصَّامت، تدورُ لُعبة لا تظهرُ للنّاس. هناكَ يتمّ منحُ الأفضلية لمن لا يحْتاجها، وسَحْبُ البداية ممَّن يحتاجُ إليها.
لماذا، إذن، يوجد فراغٌ قبل الصّفر؟ ومن يملك السلطة ليقرِّر من يستحقُّ أن يبدأ، ومن يجبُ أن يبقى عَالقًا إلى الأبَد خارج القِياس؟
j’adore votre article une réelle réflexion et prise de conscience merci beaucoup pour la qualité de cet article
بصراحة ,انه مقال في غاية الروعة .بمجرد التفكير في النبش في هذا الموضوع فهو ابداع.واخيرا مع تنوع الأمثلة المتعلقة بالنص فهو عين العقل.شكرا
موضوع مهم جدا. احسنت التشبيه للفقراء بالفراغ قبل الصفر
الاهم في الامر انه حتى بعد حد المسطرة يبداء الفراغ، ربما اخطر و امر من قبل الصفر، اخبرنا عن تاملكم لهذا الفراغ، شكرا
مقال فلسفي اكثر من رائع…يتم عن تحليل عميق وتامل دقيق في العقل البشري والواقع الإنساني المليء بالتناقضات…
Avant zéro c’est le néant et le flou. Après le zéro c’est le réel . Article philosophique que j’aime bien.
الصفر هو النقطة الميتة التي ينطلق منها مؤشر الحياة الخاص بالأفراد والجماعات وبالزمن بصفة عامة.ومنه تبدأ الحكاية،إما تصاعديا او تنازليا…والأرقام من صنع الله عز وجل،وقد عدد بها الأشياء في كتابه العزيز(سبع سماوات طباقا)(سبع بقرات سمان تاكلهن سبع عجاف)(آيتك ألا تكلم الناس تلاث ليال سويا)( إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة)…صدق الله العظيم.
العمل والإخلاص وتحمل المسؤلية بجميع أنواعها وبدون فلسفة فارغة تتطلب شخص يخاف الله أولا ويتبع طريق الحق. هذا النوع من البشر يوجد قليل منه عندنا في جميع الإدارات ونبدأ من بيوتنا لابد أن تكون الأم صالحة مدرسة تتكلف بأولاد صالحين وتعطينا شباب ناجح والصانع كدالك والمسؤل على جميع القطاعات في دولة ناجح وهنا سيبدأ التغير جدريا وتتكون دولة قوية من جميع الجوانب نحن لازلنا نعيش في مجتمع كله مدجج بالسلاح الأبيض والمخدرات في كل مكان وفي الأحياء الشعبية وفي جميع المدن لايتوفر الأمن للمواطنين من طرف عصابات في اي مكان إلى أين الإتجاه المدن أصبحت الحياة فيها منعدمة لاحترام لاهم يحزنون إذا خرجت مع أولادك لاتستحمر معهم لأنك تسمع كلام ساقط لاينبع حتى من أحمق