بدأت مراجعة مدونة الأسرة في شهر شتنبر الماضي وفق مقاربة تشاركية شمولية بأمر من عاهل البلاد لتجاوز كل ما يعتري مدونة الأسرة من ثغرات وصعوبات على مدى 20 عاما من التطبيق العملي وما يفرضه الواقع من مستجدات عبر إعادة النظر في مدونة الأسرة عبر عدد من الهيئات التي شملت المجلس العلمي الأعلى ووزارة العدل والمجلس الوطني لحقوق الإنسان والنيابة العامة والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ووزارة الأسرة والتضامن تحت إشراف رئاسة الحكومة.
وعملت هذه الهيئة على إعداد مقترحات وتعديلات بخصوص المدونة ذاتها بعد مشاورة مع كافة المتدخلين وأخذ وجهات نظر جميع الأطراف، وبعد رفع هذه المقترحات للملك، قرر إصدار توجيهاته للمجلس العلمي الأعلى قصد دراسة المسائل الواردة في بعض مقترحات الهيئة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة، استنادا إلى مبادئ وأحكام الدين الإسلامي الحنيف ومقاصده السمحة في رفع فتوى بشأنها للنظر السامي لجلالته.
للاقتراب أكثر من الموضوع، نطرح مجموعة من الأسئلة على الدكتورة مونية الطراز، الباحثة في الدراسات القرآنية وقضايا المرأة والأسرة.
في هذا الحوار، مع جريدة هسبريس الإلكترونية، توضح الدكتورة مونية الطراز دلالات إحالة الملك لمدونة الأسرة على المجلس العلمي الأعلى كمؤسسة تعنى بالفتوى، وتبرز ما يفرضه الواقع المعاصر من تحديات على الأسرة الراهنة، وعلى أن مدونة 2004 كانت علامة فارقة في تاريخ التشريع الأسري في العالم الإسلامي برمته، وكيف يمكن أن يقطع المجلس العلمي الأعلى الطريق على الوصوليين والأنانيين في تقديم اجتهاد منفتح مؤسس على مقاصد الشرع، بما يحقق مصلحة البلاد والعباد.
إليكم نص الحوار:
بداية، ما أهمية هذه الخطوة في مسار تطوير مدونة الأسرة؟
هذه الخطوة كانت منتظرة طبعا ومهمة أيضا؛ فخلال العقدين الماضيين من العمل بمدونة الأسرة، التي اعتبرت في وقتها ثورة حقيقة في مجال التشريع الأسري، ظهرت على مستوى التنزيل العديد من العراقيل والإشكالات التي كان لا بد أن تستتبع بمراجعة واسعة وتقويم مدقق لمضامين المدونة. ونحن نعلم أن القوانين مهما بلغت من الحكمة والدقة لا تكتسب أهميتها الحقيقية، ولا يمكن الحكم عليها وعلى كفاءتها في تدبير أحوال الناس، إلا بعد إعمالها في الواقع، وهذا بالضبط ما وقع أثناء العمل بمدونة الأسرة على مدى عقدين من الزمن، منذ سنة 2004، وأقول إن هذه المدونة كانت بحق، وبدون مبالغة، علامة فارقة في تاريخ التشريع الأسري في العالم الإسلامي المعاصر، إذ ألهمت عددا من المبادرات الإصلاحية في بلدان الجوار، وفي عموم العالم الإسلامي، ولم تُصطنع من قِبل هيئة سياسية أو قانونية كما هو حال أغلب المدونات العربية وغير العربية، بل خرجت من رحم المعاناة وتمخضت عن نقاشات حامية دامت أربع سنوات، تشكلت خلالها توافقات عملية بين أطراف النزاع تبلورت من خلالها بنود المدونة.
ويمكن القول إن هذه التعديلات غيرت ملامح التشريع الأسري بالمغرب نحو الأفضل، وأسهمت في حلحلة كثير من الوضعيات الأسرية المأزومة في العالم الإسلامي بما كان لها من تأثير على التشريعات الأسرية المستحدثة بعدها.
ومع ذلك، ومع كل ما حملته مدونة 2004 من إيجابيات، إلا أن بعض الثغرات المتعلقة بالتنزيل والإعمال أساسا، تسببت في إرباك الرؤية الإصلاحية التي قدمتها المدونة، وللتوضيح أقدم هنا مثالا يتعلق بتزويج القاصرات، بحكم أني تابعت هذا الموضوع في أدق تفصيلاته.
مدونة الأسرة لسنة 2004 تضمنت بندا يرفع سن الزواج لكلا الجنسين إلى سن 18 سنة، وتوخت من ذلك مقاصد واضحة، منها تحقيق المساواة بين الجنسين في الفرص، لتتكافأ الأنثى مع أخيها الذكر في حقوق كانت محرومة منها زمنا من قبيل تمكينها من حق التعليم إلى الحد الذي يمكنها من تحصيل الكفايات التعَلُّمية اللازمة، كما يتاح ذلك للذكور، وتوخت المدونة من رفع سن الزواج بالنسبة للفتيات أيضا، أن يكتمل نضجهن ليتأهلن التأهل الكافي لمسؤوليات الزواج، وتوخت مقاصد أخرى غير ذلك؛ وفي المقابل تركت للقضاة فسحة لاتخاذ القرارات المناسبة لتزويج القاصرات في حالة الضرورة، من باب الاستثناء الذي تسمح به القوانين عامة؛ إلا أن هذا الاستثناء تحول في كثير من الأحيان إلى إجراء اعتيادي في العمل القضائي، حتى صار أشبه بالرخصة في يد القاضي تخول له إمضاء عقد الزواج في هذه السن بمجرد التقدير الشخصي.
وحين أقول إن هذه القضية لم تكن تتعلق بالنص القانوني، وإنما بإعماله في الواقع، فإن الإخلال بروح المدونة بسبب هذا الإهمال وسوء الإعمال، لا نَحمِله فقط على التساهل في العمل بالقوانين ولا حتى إهمالها، وإنما نَحْمله أيضا على عدم توفر ظروف إعمال تلك القوانين، ففي حال تزويج القاصرات نجد أن الفتيات غالبا ما يتعرضن لظروف خاصة لا تخفى قساوتها، كعسر التنقل إلى المدارس بسبب بعدها أحيانا، وبسبب انعدام وسائل النقل العمومي، وهذا واقع نعرفه في بعض المحاور القروية بشكل خاص، ونعرف ما تشكو منه تلك المناطق من انعدام الأمن، أو ضعف الإنارة، أو غير ذلك من المشاكل التي تصحبها في الغالب مشكلات اجتماعية أخرى كالهشاشة والفقر والتهميش، ومعيقات أخرى تدفع بعض العائلات إلى تزويج بناتها بمجرد بلوغ سن الاستثناء، ما دام الأفق الدراسي توقف في مرحلة مبكرة.
ومن جهة أخرى تؤكد مدونة الأسرة على أن القاصرات المترشحات للزواج لا بد أن يخضعن لمعاينة ومتابعة المساعدة الاجتماعية حتى يتسنى لها إعداد التقارير بشأنهن، إذ القاضي ملزم أن ينظر في هذه التقارير قبل توقيع الإذن بتزويجهن أو الامتناع عن ذلك. ولكن المشكلة التي تعترض هذا الإجراء، تكمن في غياب المساعدة الاجتماعية في كثير من محاكم المملكة، وحتى حين تتوفر لا تتمكن دائما من تحقيق الاستقصاء المطلوب لصعوبته. وعلى هذا الأساس فإن الحاجة إلى إعادة النظر في هذا الموضوع ضمن مطالب التعديل الجديدة، تنبعث من هذه المعطيات وهي مثبتة في تقارير وزارة العدل وتثبتها الإحصائيات المسجلة بها ما بين سنتي 2004 و2023.
وللإشارة فإن ارتفاع نسبة الطلاق ومشاكل الهدر المدرسي وتضخم عدد من الآفات الاجتماعية في المجتمع المغربي تتدخل فيه إخفاقات المدونة بطريقة أو بأخرى، فالمشكلات الأسرية يؤثر بعضها سلبا في بعض، والضرر المتوقع منها لا يقتصر فقط على الحدود الضيقة للأسر المعنية بها، وإنما يمتد إلى المجتمع بارتباطاته الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والنفسية. ونحن إذا تطرقنا هنا لمشكلة تزويج القاصرات فلأن هذا الموضوع يلخص الحاجة لتعديل المدونة، وخلل المدونة لا يقتصر على نقائصه، بل لمشكلاته أشباه ونظائر تخللت سائر القضايا الأسرية ذات الطبيعة المشكلة، كالنفقة والحضانة والولاية على الأبناء والطلاق وغير ذلك من القضايا التي قدمت فيها مدونة 2004 رؤى جد متقدمة، ولكن الواقع اقتضى أن نعيد النظر فيها.
ونحن لا نستطيع أن نؤاخذ القاضي في كثير من المشكلات المتعلقة بالتطبيق، ولا نستطيع أن ننتقص من روح الإصلاح في مدونة 2004، وأقصى ما نستطيعه هو إعادة النظر في القوانين من جديد بطريقة تسمح بتنزيل مضامينها على الواقع التنزيل السليم، وعلى هذا الأساس لا نقول إننا بصدد إعداد مدونة جديدة، وإنما المقصود هو تعديل المدونة بما يناسب الحال، ويستجيب لمتطلبات الوقت.
وهذا التعديل من شأنه أن يبدد العديد من أسباب الخلافات الأسرية التي تحولت إلى نزاعات عنيفة، ومن شأنه أن يقلص من معدل الطلاق الذي ارتفع بشكل مهول في السنوات الأخيرة، ويحقق الأمن الاجتماعي المطلوب، ومن شأنه أيضا أن يعيد الثقة والدفء إلى العلاقة الزوجية ويزيد من صلابة التماسك الأسري والاجتماعي.
ما هي دلالات إحالة مدونة الأسرة على المجلس العلمي الأعلى المكلف بإصدار الفتوى؟
هذه الخطوة تتعلق بعرض المقترحات الجديدة التي قامت بها اللجنة الملكية لمراجعة مدونة الأسرة على أنظار المجلس العلمي الأعلى، وهي مبادرة طبيعية في سياق الأعراف التي جرى العمل بها في المغرب في مثل هذه القضايا، فالمغرب منذ سنة 2003 انخرط في تنزيل رؤية إصلاحية للشأن الديني سميت بإعادة هيكلة الحق الديني، وتخللت خطة إعادة الهيكلة جملة من الإجراءات منها ترسيخ العمل النظامي للمؤسسات الدينية ودعم اختصاصاتها، وفي هذا السياق حدد الظهير الشريف رقم 1.03.300، المهام المنوطة بالمجلس العلمي الأعلى، ونص ضمنها على واجب إحالة طلبات الإفتاء في القضايا التي تعرض أمام أنظار المجلس، على الهيئة المكلفة بالإفتاء قصد دراستها وإصدار فتاوى في شأنها، وذلك في سياق مأسسة الفتوى، وهذا هو المعمول به منذ سنة 2003 حيث أصبح للمجلس دور واضح منذ ذلك الوقت في رعاية الثوابت الدينية للأمة والمتمثلة في العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي.
وقضايا الأسرة ترجع في جوهرها لأصول الشريعة، ولذلك فلا مناص من مواكبة النقاشات حولها من قبل المجلس، والمجلس يتصدى عادة للقضايا الكبرى، ومنها القضايا الاجتماعية ذات الحساسية المفرطة، وقضية الأسرة في المغرب قضية حساسة جدا وترتبط في وجدان الناس ارتباطا وثيقا بالدين والانتماء، ولذلك فمن الطبيعي أن يتصدى لها المجلس اعتبارا لوظيفته الأساسية في ضمان الأمن الروحي للمغاربة.

وهنا لا بد أن أشير إلى أن النظر الاجتهادي حين يتعلق بالقضايا الكبرى حتى إذا قام به شخص واحد محسوب على علماء المغرب العارفين بخصوصياته وأعرافه، المتمكنين من المذهب المالكي أصوله وفروعه، لا يعتبر اجتهاده ملزما للمجتمع حتى يكون اجتهادا جماعيا يصدر عن المجلس باعتباره هيئة علمية مختصة، تتولى النظر الجماعي في القضايا التي تعرض على أنظارها، فتنظر في طبيعة القضايا وما يلزمها من أحكام وما يناسبها من نظر تجديدي، ثم تصدر بذلك فتوى أو قرارا يُظهر الوجهة الشرعية المناسبة بمضمون تجديدي، أو على أساس التصويب أو الاعتراض إذا رأى أن ما يُطلب منه البت فيه لا يمكن أن تحتمله قواعد الشريعة. وستلحظ أن هذا النظر في القضايا المشكلة حين يكون اجتهادا جماعيا لا مجال فيه للارتجال، تكون ثمرته أكثر نضجا، خصوصا حين ينفتح الاجتهاد الشرعي على مختلف التخصصات الطبية والنفسية والاقتصادية وغيرها من باب الاستشارة اللازمة لبناء الأحكام السليمة، وهذا ما يقوم به المجلس العلمي الأعلى، فهو ينظر على هذه الشاكلة في القضايا الكبرى التي لا تتعلق بالحوادث الجزئية المعتادة. وطبعا يقال هذا عن المجلس ودوره في إثراء مضامين المدونة وتوجيهها، أما الحديث عن إحالة أمير المؤمنين لملف التعديل على نظر المجلس العلمي الأعلى، فهذا يدخل ضمن مسؤوليات إمارة المؤمنين. وهذه الوظائف تتكامل مع بعضها في تدبير الحقل الديني بالمغرب.
ألا ترين أن اللجوء إلى المجلس العلمي الأعلى هو تكريس لأهمية إمارة المؤمنين في النسق السياسي المغربي؟
المجلس العلمي الأعلى نفسه تجل من تجليات إمارة المؤمنين، لأن أمير المؤمنين الحسن الثاني هو الذي أنشأه في البداية في إطار رؤية خاصة لتدبير الشأن الديني، كان المغرب فيها بحاجة لتثبيت هويته الدينية بعد الاستعمار وبحاجة لبناء المؤسسات التي ستتولى مسؤولية التدبير الديني، كما كان في حاجة لمأسسة الأنظمة الأخرى السياسية والاجتماعية والعسكرية وغيرها، وأمير المؤمنين محمد السادس تمم المهمة بتفعيل المجلس وتحديد صلاحياته وفق سياقات خاصة كان المغرب أكثر حاجة فيها لحفظ ثوابته الدينية التاريخية، فهذا المجلس هو جزء من رؤية لا تستقل عن انشغالات إمارة المؤمنين ووظائفها، وهو منظومة متكاملة ومتعاضدة، تقع في مخطط إعادة هيكلة الحقل الديني، الذي وضع أسسه أمير المؤمنين سنة 2003، موقع الجزء من الكل، ونحن حين نتحدث عن هذا المجلس ووظائفه وعلاقته بإمارة المؤمنين يجب أن نستحضر أن المجلس آلية للاشتغال يمكن أن يستغنى عنها ببدائل أخرى إذا اقتضى الحال في المستقبل، فهي مجرد وسيلة في يد أمير المؤمنين، أما إمارة المؤمنين فثابت شرعي تنص عليه النصوص المُؤسسة، ونظام من حصيلة ممارسة تراكمية بدأت منذ القرن الثاني الهجري في عهد الأدارسة، وهي ليست مجرد واجهة شكلية كما قد يظن البعض ممن لم يَخبِر ظروف المغرب، وإنما ركيزة أساسية في التدبير السياسي والديني بالمغرب تبلورت في سياقات تاريخية خاصة منذ العهد الموحدي حتى صارت على ما هي عليه اليوم من تفرد.
نحن حين نتحدث عن إمارة المؤمنين نقصد ما يحيل عليه المصطلح من معان سياسية وشرعية كانت مجالا لتفصيلات الفقهاء قديما وحديثا في مباحثهم حول ما سموه بالإمامة العظمى التي جعلوها ركيزة أساسية للأمن والاستقرار وحفظ مصالح الأمة. ومن هذا الباب يجب أن ننظر لمبادرات أمير المؤمنين اليوم وما قام به من تفويض القول في التعديلات للمجلس العلمي الأعلى، وقبل ذلك حين عين لجنة للنظر في التعديلات بل حتى قبل ذلك حين وجه خطاب يوليوز لمن يعنيهم الأمر بالتفكير في تصويب نقائص مدونة 2004، فهذه الأمور ليست تصرفات شكلية، وأمير المؤمنين حين يعرض اليوم الصيغة الجديدة للمدونة المعدلة على المجلس العلمي الأعلى يفعل ذلك من هذا المنطلق اعتبارا لحساسية الموضوع أولا، وباعتباره مسؤولا عن رعاية المصالح العامة لمن ولي أمرهم ثانيا، واعتبارا لوظيفته في حفظ مقاصد الدين في ما استرعي فيه، ويقوم بهذا الواجب على أساس الوظيفة الدينية التي يتحملها والتي صرح مرارا وتكرارا أنه فيها أمين على الدين لا يحرم حلالا ولا يحل حراما، وهذا الإجراء المصلحي يتولاه أمير المؤمنين بموجب هذه الصفة وليس بصفته رئيس دولة، وفرق بين هذا وذاك.
كيف ينظر الفقه المالكي إلى هذه التعديلات التي ستطال هذه المدونة؟
قبل الجواب على هذا السؤال يجب أن نتوافق على مقصود نسبة المذهب إلى الإمام مالك في قولنا هذا هو المذهب المالكي؛ المذهب المالكي ليس أحكاما جامدة، وإنما فقه متحرك يراعي الظروف والأحوال، وهو أصول وقواعد قد نعملها في ظروف معينة فتنتج أحكاما خاصة، ثم قد تتبدل الأحوال فتنتفي الموجبات الواقعية التي أنتجت الأحكام السالفة، وهنا تحضرني قصة أظنها مهمة في هذا المقام تتعلق بالإمام أبي زيد القيرواني، الذي عاش خلال القرن الرابع الهجري؛ كان يلقب بمالك الصغير لقرب عهده بالإمام مالك ولِما اشتهر به أيضا من معرفة بالمذهب وأصوله، وقد سأله أحدهم يوما عن كلب جعله إزاء حائط له بمنزله كيف فعل ذلك والإمام مالك نهى عنه ورآه مكروها، فأجابه لو كان مالك بيننا لاتخذ أسدا ضاريا.
المقصود من هذه القصة أن المذهب المالكي لا يعني دائما ما قرره بعض المالكية في فروع الأحكام، ولا حتى ما قرره مالك نفسه، وإنما المقصود هو الالتزام بأصول المالكية، وهي معروفة عند أهل التخصص، والعمل بمقتضاها لا يلزم منه الجمود على الفتاوى والأحكام ذات الطبيعة الاجتهادية. ونحن نعرف أن قضايا الأسرة أغلبها اجتهادي لا يتعلق بنصوص قاطعة، حتى نتقيد بالعمل وفق منقولات جرى العمل بها قرونا في المغرب في سياقات اجتماعية شبه ثابتة، نعم هذا محبب في بعض الجوانب التي تخضع للتغيير كأمور العبادات مثلا، ولكن أحكام الأسرة فيها ما هو ثابت قطعي، وهذا لا نتحدث عنه وهو قليل، وإنما الغالب على أحكام الأسرة هو الأحكام الظنية التي بني أغلبها على ظروف اجتماعية حكمتها سياقات تاريخية خاصة، والمغرب اليوم تغيرت فيه أعراف كثيرة، واستجدت فيه أحوال غير مسبوقة، وتبدلت فيه طبائع الناس، ومن الواجب أن يستوعب الفقه مستجدات الوقت، لنكون في مستوى أقلمة الفتاوى بما يناسب الظروف الطارئة، نحن في الفقه لدينا قواعد استنبطناها من أصول الشريعة، منها أن الضرر يزال، فكيف بنا إذا تبين لنا، بما لا يدع مجالا للشك، أن هناك أضرارا اجتماعية بالجملة تنتج عن العمل ببعض الأحكام الجزئية المألوفة ذات الصلة بقضايا الأسرة، من قبيل ما نلمسه في مجال النفقة مثلا، وفي مجال الطلاق والتطليق والزواج والتزويج، وفي مجال الحضانة واستحقاقها، وغير ذلك من القضايا، ونحن نرى أن الاجتهاد في هذه القضايا متاح، هذا هو التمييز الذي يجب أن نعيه، ومدونة الأسرة لسنة 2004 حين أدركت ما أدركته من اجتهادات ما كانت لتدركه حقيقة لو لم تنظر في أصول المذهب، ولو لم تلجأ إلى ما يسمى في الفقه المالكي بمراعاة الخلاف، ولو لم تنظر في المآلات قبل الجواب عن سؤلات الإصلاح.
الفقه المالكي يمتلك خصوصيات عجيبة وقواعد دقيقة تكسبه القدرة على التعامل مع المستجدات بطريقة مذهلة، ولنا في تاريخ العمل بالمذهب في المغرب نماذج من الاجتهاد الأسري يمكن أن نقول عن مضامينها اليوم إنها أكثر تحررا مما يطمح إليه اليوم دعاة التحرر، وما علينا في أي موقع كنا في المغرب، وعلى أي تيار حُسبنا، إلا أن نثق في إمكانيات المذهب المالكي؛ فلا يجب أن نبخسه حقه، سواء بادعاء التمسك الزائف به، أو برفضه على أساس ما تكلس في أذهان البعض من سوء فهم للمذهب وللدين نفسه.
الفقه المالكي ظلم كثيرا من قبل أبنائه والمنتسبين إليه قبل أن يظلم من قبل غيره من اللامذهبيين، ومن الذين لا يقرون أهمية الدين في الأصل، وكثير من حملة العلوم الشرعية اليوم يخوضون معارك موهومة حول قضايا الأسرة، باسم المذهب، لإقرار اجتهادات مذهبية تاريخية صاغها الفقهاء في ظروف اجتماعية متغيرة، وهذا هو مكمن الخلل، ولا يكمن الخلل في المذهب بعينه.
ما أهمية التحكيم الملكي في نهج الوسطية في الجدل الدائر حول النقاش المجتمعي بين مختلف أطياف المجتمع في تعديل مدونة الأسرة؟
مرة أخرى يجب أن نسطر على المفاهيم التي نستعملها للتعبير عما نريده ونقصده، ماذا نقصد بالتحكيم الملكي؟ التحكيم الملكي مفهوم ديني شرعي يتولاه الملك بصفته أمير المؤمنين وليس بصفته السياسية فقط، وقد تضمنت مصنفات السياسة الشرعية هذا الموضوع من جهة تعلقه بالنصوص المؤسسة التي تنص على واجب مهم من واجبات إمارة المؤمنين وهو التحكيم في ما شجر بين الناس، بموجب قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾، فمع أن هذه الآية تخاطب النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنها تخاطبه، إلى جانب اعتبار مقام النبوة، باعتبار إمامته ومقامه في الحكم والتدبير، وقد استنبط الفقهاء من هذه الآية واجبات تتعلق بإمارة المؤمنين بحكم خلافته للنبي من هذه الناحية، كما استمدوا من هذه الآية ومثيلاتها توجيهات تضبط تصرفات أمير المؤمنين بالإمامة.
وسلاطين المغرب، من خلال مهمة التحكيم التي دأبوا عليها، كانت لهم أدوار حاسمة في ضمان الأمن الاجتماعي، وترسيخ الاستقرار في ظروف خاصة، من ذلك ما كان لإمارة المؤمنين من مساع تحكيمية في عقد الصلح بين القبائل المتناحرة في الأزمان الخوالي، وما كان لها من أدوار في حسم الخلافات الكبرى التي شهدها المغرب في محطات مختلفة من تاريخه المتقلب.
ومقام إمارة المؤمنين مقام رفيع لا يجهل قيمته أحد من المغاربة، وكل الأطياف والتيارات الفكرية والسياسية والإيديولوجية تعرف أن إمارة المؤمنين صمام أمان للوحدة المجتمعية، لأنها عامل من عوامل التأليف، على اعتبار أن مقام إمارة المؤمنين يتسامى عن الصراعات وعن تنافر الفرق وتنازع التيارات المختلفة، ولذلك يتسامى تحكيم أمير المؤمنين عن كل احتمالات الاصطفاف التي تؤثر في تصرفات السياسيين في الغالب حيث تحكمها الحسابات الشخصية والمصالح الفئوية.
على هذا الأساس المنطقي، وضمن هذا السياق الشرعي والتاريخي يجب أن ننظر إلى قضية التحكيم الملكي بشأن مراجعة مدونة الأسرة، لا أن ننظر إليه كأنه إجراء سياسي عادي، فأمير المؤمنين إذا كان من وظائفه حماية الدين وحفظ مصالح الناس، فإن من هذه المصالح تحقيق الوحدة وترسيخ التآلف والانسجام بين أطيافه، وتجنب مخاطر التفرقة والتنازع المؤدي إلى التآكل والترهل والأفول، وهذه الوظيفة المتميزة تطرق إليها الفقهاء وجعلوها قاعدة من قواعد العمل بمقتضى الخلافة وإمارة المؤمنين وتضبط عمل الحكام بشكل عام، وهي قولهم “حكم الحاكم يرفع الخلاف”.
مدونة الأسرة في بلد مسلم يجب أن يكون مرجعها الأساسي هو القرآن وما أتت به الشريعة الإسلامية وكل اجتهاد يجب أن يطرح للاستفتاء
أمير المؤمنين حفظه الله. قال عدة مرات انه لن يحلل ما حرمه الله ولن يحرم ما احله الله
هذا الإطار هو الذي يعمل عليه الآن المجلس العلمي الأعلى في مراجعة مدونة الاسرة
فهذا المجلس يضم مئات العلماء الاخيار. في المغرب
فلا يمكن ان يخرجوا بفتوى تناقض أحكام الشريعة الإسلامية. ابدا.
الله خالقنا و هو أعلم بما يصلح لنا وهو أعلم منا بنا . وكل من أراد أن يتبع سبيلا غير الذي ارتضاه الله لنا كان مصيره الهلاك, ألا فلنتبع أمر ربنا , ألا فلنعد الى ربنا, “وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ” (القصص: 50)
السؤال المطروح حاليا هو هل نحن دولة إسلامية ام نحن دولة ليبرالية علمانية. او نطبق الليبرالية العلمانية عند المصلحة ونطبق الإسلام عند المصلحة. بكل صراحة شخصيا لا أعرف ماذا يتبعون ؟
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا( 59)
بالنظر الى الارقام ارتفاع نسبة الطلاق هي اصل المشكل وليس زواج القاصرات
وللدكر مثل حظ الانثيين
ولا طاعة لمخلوق في معضية الخالق
فرجاء لا تحاولو الاجتهاد في ما هو صريح وواضح
ولماذا يتم بتر الاية حين تصلون فان تنازعتم ؟
وهل كلمة الملك اسمى من كلام الله وسنة نبيه ؟
فهو يقول لا احرم حلال ولا احلل حلال
والاخت الفاضلة تقول “حتى يسلمو تسليما” ؟
الملوك يحكمون بالقوة و المال والنفوذ: الجيش والشرطة
ولكن الامير يولى بالبيعة و الكتاب والسنةوهل ادا زاغ عنهما تلزمنا طاعته ؟
الخطابت الدينية في المغرب مسوغات لاعمال غير دينية نهائياواحيانا تعسفية
و ربما خارجة عن ارادة الملك او توجيهاته
ويتم فيها خلط للمفاهيم والاتجاهت
وفتح جبهات وافتعال نزاعاتواختلاق ترهات بلادنا في غنى عنها
هل هي الدولة العميقة؟ ام التدخلات الخارجية؟ام الارتجالات الفر
موجة غير مسبوقة من حالات الطلاق تهدد الأمن القومي للبلدد بسبب ظواهر أخرى مرتبطة بالطلاق كالعنوسة والعزوف عن الزواج وتشريد الأطفال والدعارة واالإجرام وتحويل مؤسسة الزواج لوسيلة للربح السريع وإلغاء دور الأب في الأسرة ، كنا ننتظر مراجعة لمدونة اللأسرة تنصف الرجل وتعيد له دوره في الأسرة ولكن للأسف البعض مصر على تخريب الأسرة وتهميش ديننا وهويتنا وتوابثنا وتطبيق قوانين الغرب المسيحية تحث يافطة الحقوق والحريات فإلى أين نحن ذاهبون
لا شك أن تعديل النصوص له ملحاحيته،ويبقى تأهيل العنصر البشري وجعل وعيه حضاريا وواع بمسؤوليته ضمن كيان الأسرة…إذن المغرب أمامه إصلاحين لتكتمل الصورة:إصلاح النصوص وإصلاح النفوس…فتعديل النص القانوني إذا لم يواكبه تأهيل لعناصر الأسرة سيبقى قاصرا ودون جدوى…ببساطة لأن النص يطبق في النهاية بوعلى الشخص.
لا طاعة لمخلوق لمعصية الخالق. اولا الحاكم يجب ان يحكم بين الناس و المسلمين بما انزل الله فقط و ليس ان يحكم الناس بما راى انه فيه” مصلحة ” و نحن نطيع الله و رسوله فقط اما قوانين لارضاء الغرب و النسوية و اقصاء الرجل فلا نطبق منها اي شيء و سيكون عدم الطاعة هنا و عزوف عن الزواج