الطّائفيّة والطّائفيّة المَقيتَة

الطّائفيّة والطّائفيّة المَقيتَة
السبت 27 شتنبر 2025 - 08:36

يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ الطَّائِفَةِ في لُغَةِ العَرَبِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الجَمَاعَةِ وَالفِرْقَةِ مِنَ النَّاسِ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ النَّبِيِّ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: “وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ” سُورَةُ الأَعْرَافِ 87، وَقَالَ الرَّاغِبُ فِي المُفْرَدَاتِ: الطَّائِفَةُ مِنَ النَّاسِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، وَمِنَ الشَّيْءِ القِطْعَةُ مِنْهُ، قَالَ تَعَالَى: “فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ” سُورَةُ التَّوْبَةِ 122.

وَعَلَيْهِ فَالطَّائِفِيُّ نِسْبَةً إِلَى الطَّائِفَةِ، وَالطَّائِفِيَّةُ مَصْدَرٌ صِنَاعِيٌّ لِطَائِفِيٍّ؛ يُرَادُ بِهَا فِي عَصْرِنَا “التَّعَصُّبُ لِجَمَاعَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ وَالوِلَاءُ لَهَا لِاعْتِبَارٍ عَقَدِيٍّ دُونَ غَيْرِهَا”.

هَذَا المَفْهُومُ الشَّائِعُ، يُكَرِّسُ مَقُولَةَ “أَنَّنَا صِرْنَا عَبِيدًا لِمَفَاهِيمَ وَمُصْطَلَحَاتٍ مِنْ وَضْعِ سَابِقِينَا”؛ مَا يَدْفَعُنَا لِلتَّسَاؤُلِ:

أَلَيْسَ المَفْرُوضُ فِي حَالِ المُسْلِمِينَ؛ أَنْ يَعْتَصِمُوا كَافَّةً بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى؛ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ؟

هَلِ التَّشَبُّثُ بِأُصُولِ الطَّائِفَةِ؛ وَرُجُوعُ أَهْلِهَا لِمَصَادِرِهِمُ التُّرَاثِيَّةِ وَالتَّارِيخِيَّةِ؛ يُعَدُّ تَعَصُّبًا؟

مَاذَا يُبَرِّرُ ضَرُورَةَ الوَحْدَةِ وَالنِّسَقِ العَامِّ فِي البِيئَةِ الوَاحِدَةِ؛ إِذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ نَامُوسًا كَوْنِيًّا؛ حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى: “وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً” سُورَةُ النَّحْلِ 93؟

إِذَا كَانَ وَلَا بُدَّ مِنْ تَمْيِيزِ الِانْتِمَاءِ لِطَائِفَةٍ مَا؛ عَنْ سُلُوكِ المُغَالَاةِ وَالتَّطَرُّفِ لِإقْصَاءِ الآخَرِ؛ أَلَا يَكُونُ حَرِيًّا بِنَا نَعْتُ هَذِهِ الأَخِيرَةِ بِالمَقِيتَةِ؟

ثُمَّ مَا هِيَ حُدُودُ الخَطِّ الرَّفِيعِ؛ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ؟

إِنَّ لَفْظَ الطَّائِفَةِ وَرَدَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ؛ فَقَالَ تَعَالَى: “فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ” سُورَةُ الصَّفِّ 14، كَمَا قَالَ: “ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ” سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ 154. أَمَّا الرَّسُولُ الأَكْرَمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ؛ فَقَالَ: “لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الدِّينِ ظَاهِرِينَ، لِعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ” أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَقَالَ الهَيْثَمِيُّ فِي المَجْمَعِ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ.

المُلَاحَظُ أَنَّ بَعْضَ الفُقَهَاءِ المُسْلِمِينَ؛ يَحْصُرُونَ مَعْنَى طَائِفَةٍ؛ فِي تَمْيِيزِ اللَّهِ تَعَالَى بَيْنَ طَائِفَةِ المُؤْمِنِينَ وَطَائِفَةِ الكَافِرِينَ وَالمُنَافِقِينَ؛ الَّذِينَ “لَا يَلْتَقُونَ وَلَا يَجْمَعُهُمْ وِدٌّ وَلَا وَلَاءٌ” كَمَا يَقُولُونَ، بَيْنَمَا نَجِدُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ؛ عُمُومًا يَسْرِي حَتَّى عَلَى الجَسْمِ الوَاحِدِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ إِذْ قَالَ تَعَالَى: “إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ” سُورَةُ المُزَّمِّلِ 20، وَقَالَ “وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا” سُورَةُ الحُجُرَاتِ 9.

وَلِذَلِكَ فَإِنَّ مِنْ صُوَرِ التَّلْبِيسِ عَلَى النَّاسِ؛ هُوَ ذَلِكَ التَّلَاعُبُ بِالمُصْطَلَحَاتِ وَتَضْمِينُهَا مَوْضِعًا غَيْرَ مَوْضِعِهَا؛ مِنْ أَجْلِ اسْتِخْدَامِهَا فِيمَا يَتَعَارَضُ مَعَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ اللَّذَانِ لَا يَتَعَارَضَانِ مَعَ العَقْلِ السَّلِيمِ وَالفِطْرَةِ الخَالِصَةِ. فَنَجِدُ بِذَلِكَ جُمُوحًا وَنِيَّةً مُبَيَّتَةً؛ لِتَهْوِيلِ الطَّرَفِ الآخَرِ المُخَالِفِ؛ تَمْهِيدًا لِإقْصَائِهِ فِكْرِيًّا وَرُبَّمَا مَادِّيًّا؛ إِذَا مَا اسْتَطَاعُوا لِذَلِكَ سَبِيلًا.

جَاءَ فِي كِتَابِ تَارِيخِ ابْنِ خَلْدُونََ، “فِي أَنَّ الدَّعْوَةَ الدِّينِيَّةَ؛ تَزِيدُ الدَّوْلَةَ فِي أَصْلِهَا قُوَّةً عَلَى قُوَّةِ العَصَبِيَّةِ؛ الَّتِي كَانَتْ لَهَا مِنْ عَدَدِهَا؛ لِأَنَّ الصَّبْغَةَ الدِّينِيَّةَ تَذْهَبُ بِالتَّنَافُسِ وَالتَّحَاسُدِ الَّذِي فِي أَهْلِ العَصَبِيَّةِ؛ وَتُفْرِدُ الوُجْهَةَ إِلَى الحَقِّ. فَإِذَا حَصَلَ لَهُمُ الاسْتِبْصَارُ فِي أَمْرِهِمْ؛ لَمْ يَقِفْ لَهُمْ شَيْءٌ، لِأَنَّ الوُجْهَةَ وَاحِدَةٌ وَالمَطْلُوبُ مُتَسَاوٍ عِنْدَهُمْ؛ وَهُمْ مُسْتَمِيتُونَ عَلَيْهِ وَأَهْلُ الدَّوْلَةِ الَّذِينَ هُمْ طَالِبُوهَا وَإِنْ كَانُوا أَضْعَافَهُمْ؛ فَأَغْرَاضُهُمْ مُتَبَايِنَةٌ بِالبَاطِلِ” (1).

فَمَا دَامَ هُنَاكَ لَيْلٌ وَنَهَارٌ؛ وَشَرْقٌ وَغَرْبٌ؛ سَيَبْقَى “بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ أَرْبَعُ أَصَابِعَ”؛ كَمَا قَالَ الإِمَامُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، هَذَا الحَقُّ “وَاللَّهِ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ تَارِكِيهِ” كَمَا قَالَ الإِمَامُ الحَسَنُ المُجْتَبَى عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ وَبِذَلِكَ لَا يُمْكِنُ حَشْرُ كُلِّ النَّاسِ؛ فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ؛ وَعَقِيدَةٍ مُسْتَفْرِدَةٍ؛ فَقَطْ يَبْقَى الخَطُّ الرَّفِيعُ؛ “النَّاسُ صِنْفَانِ؛ أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الخَلْقِ”؛ كَمَا قَالَ الإِمَامُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ يُحَدِّدُ حُدُودَ الطَّائِفِيَّةِ وَالطَّائِفِيَّةِ المَقِيتَةِ.

هَامِش

(1) كِتَابُ تَارِيخِ ابْنِ خَلْدُونََ، ج1 ص 258.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • Lamya
    الأحد 28 شتنبر 2025 - 19:40

    في الاسلام هناك طوائف عديدة منها طوائف متسامحة تقبل الاخر رغم الاختلاف, كالمدرسة الصوفية مثلا التي تدعو للمحبة الانسانية (كمراة للمحبة الإلهية) و التسامح و تركز على التوحيد المطلق يعني رؤية الكل من صنع الخالق. وهناك فرق تحرض على الطائفية المقيتة, التي هي النزعة الإقصائية, التي تحول الخلاف المذهبي أو الفقهي الى صراع وجودي, وتجعل الولاء للطائفة يسبق الولاء للدولة او الإنسانية

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 2

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 2

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 4

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان