العدالة والتنمية بإقليم العرائش، من الائتلاف إلى الاختلاف

العدالة والتنمية بإقليم العرائش، من الائتلاف إلى الاختلاف
السبت 19 نونبر 2011 - 13:22

التجمعات البشرية ولكن إغفال ضوابط الاختلاف الأخلاقية والشرعية والفكرية هو مصدر كثير من النزاعات. وإن تراثنا الفكري حافل بمؤلفات في الموضوع تأصيلا وتحليلا وعلماؤنا أغنوا هذا التراث ومارسوا الاختلاف ثقافة وسلوكا دون أن يبلغ بهم ذلك ـ عموما ـ مبلغ الاتهامات المتبادلة والتشنيع القبيح، من أبي الحسن الأشعري إلى يوسف القرضاوي. فقد كتب أبو الحسن الأشعري مبكرا ـ رسالته “مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين” بحدس العالم الرباني لما يمكن أن يطرأ على علاقات الإسلاميين الداخلية من “اختلاف” وما قد يستند عليه كل طرف من “مقالات” دحضا أو دعما.

والواقع أننا وصلنا بسبب الاختلاف بيننا (في إقليم العرائش) في موضوع المشاركة السياسية والانتخابات إلى درجة التفرق المذموم (كما يسميه القرضاوي) والذي يميل بأهله إلى التباغض ويجهز على ما كان بيننا من “ائتلاف” وهكذا بتنا نسمع مقولات تشخص هذا الوضع المؤسف مثل “إخواننا بغوا علينا” و”إخواننا يِؤذوننا” و “الشرذمة القليلة” وأفضل ـ هنا ـ ألا أعرض نماذج من كلام ومواقف بعض الذين تنقصهم الحكمة و لا يحسنون سوى صناعة التوترات والهجوم اللفظي والعنف الرمزي.

وللأسف يبدو أننا افتقدنا داخل الإقليم من لهم أهلية القيام بالصلح وتم تعطيل قوله تعالى:”… فأصلحوا بينهما” أو لنقل على الأصح أن الذين هم أهل للإصلاح فضلوا ـ تقديرا منهم ـ أن يتحيزوا لطرف معين لاعتبارات خاصة ونسوا “والصلح خير” كما نسوا أن الصلح أعظم وأنبل اختيار فهو “المنقذ من الضلال والهادي إلى ذي العزة والجلال” بتعبير أبي حامد الغزالي. وإن لم نشارك في الانتخابات تبقى وحدة الصف مطلبا شرعيا وعامل قوة للجماعة “يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي” طه :92 .فهارون عليه السلام قدر أن بقاء بني إسرائيل مجتمعين على عبادة العجل أولى من أن يختلفوا.

وأحسب أن الإخوة الممارسين للسياسة في حزب العدالة والتنمية بإقليم العرائش ـ وأنا منهم ـ قد أخطئوا موعدهم مع الشرع ومع التاريخ حينما لم يحصل بينهم توافق ولم يتمكنوا من الفوز بـــ”المصالحة الداخلية” بوساطة ثلة من فضلاء حركة التوحيد والإصلاح بالمنطقة بعد أن أصدرت الأمانة العامة للحزب توجيهاتها للإخوة الذين زاروها وأكدت على أهمية الصلح كمدخل أساس لوحدة الصف وقوته ومواجهة الخصوم، غير أن الإخوة في الحركة ظلت مبادرتهم يتيمة وتصديهم للأعراض التربوية محتشما وأحيانا غير مفهوم، علما أن تداعيات النزاع الحزبي لابد وأن يِؤثر على عمل الحركة بسبب امتلاك الكثير لعضويتي الحركة والحزب ، وقد علمنا أن النقاش احتدم في هذا الموضوع يوم زيارة المسؤول الجهوي لمقر الحركة الجديد بالقصر الكبير فلا مناص ـ عندنا ـ ومهما حرصنا من تداخل “الشأن الحزبي ” بالشأن الحركي “. مهما أبدعت الحركة من آليات وحاول الحزب ” فصل المقال فيما بين الحزب والحركة من اتصال” فسيبقى الاتصال (العلاقة) قائما بين الحزب والحركة أخته من الرضاعة. وأحب أن أوضح أن بعض “المحاولات” الجارية لاستمالة الغاضبين قد أخطأت المنهج وجانبت الصواب إذ تنفرد بالبعض دون آخرين وتحرص على عزلة البعض الآخر في الوقت الذي أضاعت فيه فرصة المشاركة في اللقاء التصالحي المشار إليه آنفا أو على الأقل اعتبرت نفسها ـ غير معنية بالأمر ،وهي ترى أن الأهم الآن هو الالتحاق بركب الحملة الانتخابية ودخول المعركة حفظا للمشروع وأن ” الخير باقي لقدام…؟ ! ” في إيحاء للمحطات الانتخابية القادمة (المجلس البلدي، المجلس الإقليمي)…

وهو منطق غير سليم ويفتقد الوضوح ويعتبر “المغنم” هو سبب النزاع في حين أن غياب فقه الأولويات (الإصلاح / التوحيد) وسيادة الانفعال والتصلب وفقدان المرونة وحظوظ النفس هي العلل التي تكمن وراء تردي الوضع الحزبي بالعرائش، ولأنني كنت طرفا حاضرا في لقاء المصالحة لابد لي أن أقول بصدق وتجرد وللشهادة أن الطرف الذي يمثل الكتابة الإقليمية للحزب لم يتجاوب مع المقترح الذي عرض عليه والذي زكته الأمانة العامة والقاضي بترتيب الأخ أشرف الطريبق في المرتبة الثانية من اللائحة (وهو من مدينة العرائش، والسياق لا يسمح بالتقييم والمقارنة بين مترشحي اللائحة ) فكان رفضهم للمقترح رفضا مطلقا وحادا ومن غير شرط ولا قيد بما لم يبق للطرف الثاني بريق أمل في الالتحاق بإخوانهم والعمل جنبا لجنب معهم . وهذا الكلام لم يعد سرا وليس خرقا لأمانة المجالس ولا شيء من هذا القبيل بل تناهى إلينا أن البعض يعتبره ـ للأسف الشديد ـ إنجازا وتفوقا تفاوضيا وقطعا للطريق على الذين يرغبون في نصيبهم من “الكعكة ” في الوقت الذي كنا نطمع أن نجتمع على كلمة سواء تنهي حالة التوتر وتعيد الألفة والوئام بين الإخوة وتقطع الطريق على سماسرة الانتخابات وخصوم الحزب ،فمن قبل تحالف / توافق إخواننا في الحزب مع أحزاب أخرى من جهات المغرب، فما الذي منع من أن نرتب اللائحة على نحو يضمن وحدتنا وينهي خلافاتنا ؟ وهل نتائج الانتخابات البرلمانية ستضع حدا لنزاعاتنا أم ستزيدها عمقا؟ وهل سندخل الانتخابات الجماعية المقبلة كـــ”البنيان المرصوص” أم سندشن مرحلة جديدة من “تصفية الحسابات” ومعارك “داحس والغبراء” التي قد لا تنتهي ؟ وهل بمقدور مناضلي الحزب أن يبدؤوا مرحلة جديدة في العلاقات بينهم وأن يغضبوا خصومهم بدل أن يغضبوا بعضهم؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • عرائشي
    السبت 19 نونبر 2011 - 15:14

    مقال جميل,أصبت في كل كلمة كتبتها.لقد ضرب الإخوة بتصلبهم هذا مسمارا غليظا في نعش الحزب بالمدينة,و المستفيذ الأكبر طبعا هم المفسدون الذين خلا لهم المجال الآن لكي يجهزوا على ما بقي في المدينة.و كأن الأقدار شاءت أن لا تقوم قائمة هذه المدينة أبدا. لك الله يا عرائش.

  • الجلخة
    الثلاثاء 22 نونبر 2011 - 19:21

    مع كامل الاسف يا استاذ احمد انتم كحركة تصحيحية كان لزاما عليكم ان تبقوا في صف الحياد خصوصا والمرحلة جد حساسة وحاسمة بالنسبة لحزبكم . كان عليكم ان لا تنشروا غسيلكم في هذا الظرف العسير وان تنتظروا الانتخابات الجماعية وذاك الساعة آرا ماعندكوم .
    حق عليكم قوله سبحانه وتعالى : يخربون بيوتهم بايديهم …….
    انا واحد منكم ومع الحركة التصحيحية لكن بالتي هي احسن حتى اذا ما تبين ان الطرف الآخر مصر على عناده ومتشبت ب ولو طارت معزة فلاخيار الا فركعة الرمانة .
    وليس لنا الا قول قدر الله وماشاء فعل حتى اسي عبد الاله بنكيران راسو قاصح وغدي مع التيار العنيف المحب للكراسى وخلود المناصب

  • قصراوي
    الأربعاء 23 نونبر 2011 - 13:31

    أصبت في مقالك هذا، والعيب كل العيب على أولئك المتعطشين للجلوس على الكراسي، لماذا يصر خيرون وجلاوزته على تصدر اللائحة؟ هذه هي المرة الثالثة، أيريد الخلود في البرلمان؟ لقد صنعنا ديكتاتورا وبدل أن يفسح المجال للشباب تراه متشبتا بالترشح كما أنه لم يخلق إلا لها! وأما من يسمون بشيوخ الحكمة من المجلببين فهم من يدافع عن خلود خيرون في البرلمان، بدل أن ينصحوا يزكون الاستبداد، كما زكى رهبان النصارى استبداد الإقطاعيين، سيلفظهم التاريخ وأهل القصر لفظا فظيعا جزاء صنائعهم الردية، فالذي يخرب بيته بيده من يسكت عن الظلم ويرضى بالذل، ومن عاش سيرى. ‏‎ ‎

صوت وصورة
"بنك أوف أفريكا" يحقق حلم سلمى
الخميس 24 شتنبر 2026 - 09:00

"بنك أوف أفريكا" يحقق حلم سلمى

صوت وصورة
وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:31 7

وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات

صوت وصورة
النتائج  في دائرتي فاس
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:25

النتائج في دائرتي فاس

صوت وصورة
الفرز الانتخابي في الجديدة
الخميس 24 شتنبر 2026 - 02:27

الفرز الانتخابي في الجديدة

صوت وصورة
شوكي: النتائج تخلف الارتياح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:24 2

شوكي: النتائج تخلف الارتياح

صوت وصورة
النتائج المؤقتة في بني ملال
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:02

النتائج المؤقتة في بني ملال