العرب والعجز عن ولوج مجتمع المعرفة

العرب والعجز عن ولوج مجتمع المعرفة
الأحد 4 أكتوبر 2015 - 17:43

يعتبر مصطلح “مجتمع المعرفة” من المصطلحات الجديدة، التي ظهرت في غضون التحولات العلمية والفكرية والتكنولوجية والسياسية، التي بدأ يشهدها راهن الإنسانية انطلاقا من العشرية الأخيرة من القرن المنصرم، كمصطلحات العولمة والسوق الحرة والنظام العالمي الجديد والثورة الرقمية وحوار أو صدام الثقافات وغيرها، وعلى المستوى المفهومي يتخذ هذا المصطلح اتجاهين:

أولهما عادي، يطلق على جماعة من الناس توفق بينهم اهتمامات فكرية أو أدبية أو علمية أو سياسية موحدة، فيتكتلون في مجتمعات معرفية مصغرة، يجمعون فيها ما توصلوا إليه من معارف ومعلومات وإنجازات وغير ذلك.

أما الاتجاه الثاني، فهو أوسع وأعمق، حيث يشكل محورا أساسيا في العديد من الطروح السياسية والدراسات المستقبلية المتخصصة. وفي هذا الصدد يعد عالم السمتقبليات المغربي د. المهدي المنجرة، أهم مفكر ينحدر من العالم الثالث، أولى أهمية قصوى لمصطلح مجتمع المعرفة، حيث يرى أن العالم دخل منذ مدة ما يطلق عليه مجتمع المعرفة، والمعرفة كما يوضحها، هي مجموع المعلومات، والإشكال القائم هو كيفية الوصول إلى سر هذه المعلومات وسر هذه المعرفة. ثم إن المعرفة في العصر الحديث، الذي هو العصر الرقمي، أصبحت أكثر استجابة لمقتضيات التغيرات الصناعية والاقتصادية والسياسية والثقافية الجديدة، ما أكسبها خصائص مغايرة نوعا ما، لما كانت عليه الثقافة التقليدية، إن السمة الأساسية للمجتمع المعرفي “تتمثل في أن الحدود التي كانت، في الماضي، قائمة بين ميادين المعرفة المختلفة قد انتهت أو شارفت على النهاية”. وهكذا يتقرر أن ابتكار المعرفة أصبح يشكل ثروة حقيقية، تفوق قيمتها قيمة أي ثروة، كيفما كان مصدرها ونوعها، فـ “حضارة المستقبل تعتمد بشكل أساس على الإنسان وليس على المزرعة ولا على المصنع، إنها حضارة المعرفة، والبحث والمعلومات والتقنيات”. (المنجرة، عولمة العولمة، ص 36-40).

وعندما نربط مفهوم مجتمع المعرفة بالدول النامية عامة، والعربية خاصة، ومدى تحققه أو تحقق جانب منه في واقع تلك الدول، يمكن أن نستنبط جملة من الملاحظات، التي في ضوئها يمكن استيعاب موقع العالم العربي من المجتمع المعرفي؛ هل يتموقع ضمن هذا المجتمع الحديث الذي لا يؤمن إلا بقيم المعرفة والأفكار والابتكارات، أم أنه ما يزال يوجد على الهامش، لم يتمكن بعد من ولوج هذا المجتمع الجديد، ما دام أنه لم يتأهل بعد لامتلاك المفاتيح التي بها تشرع له أبواب ذلك العالم.

إن ما يدركه المتتبع لحركة المجتمعات العربية والإسلامية الفكرية والعلمية والثقافية، أنها بدأت في الآونة الأخيرة تعج بالمؤسسات الثقافية والأكاديمية الداعية إلى تأهيل الإنسان العربي، حتى يواكب التقلبات الفكرية والتكنولوجية العظيمة التي تشهدها الكرة الأرضية، وقد ساهمت الكثير من هذه المؤسسات في صياغة بحوث ودراسات وتقارير في هذا الشأن، وهي في الحقيقة، تتضمن أفكارا ورؤى واستراتيجيات قيمة، ومع ذلك تظل دار لقمان على حالها الأول! ما دام أن تأثير تلك البحوث والدراسات والتقارير لم يمس بعد البنية التحتية، ليس لأنها ناقصة أو مختلة، وإنما لأنها لا تترجم على أرض الواقع إلا بكيفيات نسبية ومحدودة.

لذلك فإنه يمكن الحديث عن نشأة مجتمع المعرفة في العالم العربي والإسلامي، لكن في نطاق خاص وضيق يشمل النخبة السياسية والثقافية، وهو ما يطلق عليه (الأنتلجينسيا)، كما يشمل الباحثين والمثقفين ذوي التخصصات العلمية والفكرية والأكاديمية المشتركة، وهذا يعني أن مجتمع المعرفة لم يتحقق في العالم العربي إلا بمفهومه النخبوي الخاص، وليس بمفهومه الموسع، الذي تصبح فيه أغلب شرائج المجتمع مشاركة في هذا المجتمع، بتواصلها وتفاعلها وتثاقفها وإسهامها. فرغم الإقبال المكثف في العالم العربي والإسلامي على مختلف شبكات التواصل الاجتماعي، فإن ذلك يجعل من العرب والمسلمين مجرد مستهلكين لمنجزات العولمة والإعلام الجديد لا مشاركين في ابتكارها وتطويرها.

على هذا الأساس، وحتى نكون أكثر موضوعيين، يبدو أن تحقق مجتمع المعرفة على صعيد البنية التحتية في العالم العربي والإسلامي غير وارد، ليس لأنه من المستحيلات، وإنما لأن أسباب الانتقال إلى ذلك النمط من المجتمع غير متوفرة، وتشير مختلف التقارير الدولية والإقليمية إلى مدى شساعة الفجوة المعرفية، أولا بين دول الشمال ودول الجنوب، وثانيا بين المتعلمين والمثقفين في الجنوب وغير المتعلمين والأميين، ثم إن مجتمع المعرفة لا يعني محو الأمية وامتلاك الحاسوب وما إلى ذلك من الجوانب الشكلية، وإنما التمكن من أسباب المعرفة الحقيقية، من لغات ومفاهيم وتقنيات وآليات، تؤهل الإنسان لأن ينتج المعرفة ويبتكرها، لا أن يجمعها ويحفظها عن ظهر قلب!

ثم إن ما يصاغ من تقارير وبيانات، وما ينظم من مؤتمرات وندوات، تنظر لمجتمع معرفي عربي، لا يهم إلا النخبة، سياسية كانت أو ثقافية، أما المواطن العادي، فهو مغيب تماما، ليس لأنه لم يستفت في ذلك، أو لم يشارك، أو ما إلى ذلك، وإنما لأنه لا يفقه أصلا، ولو ذرة، مما تقوله أو تدعو إليه النخب، فهو منشغل بهمومه المعيشية والاقتصادية، ولا يحتل ما هو معرفي أي حيز في حياته اليومية، فالإحصائيات الرسمية تشير إلى أن الأمية تصل في الكثير من الدول العربية إلى أكثر من 60%، أما الدول التي تصل فيها إلى 20%، فهذا لا يعني أن الغالبية العظمى من شعوبها، مؤهلة لولوج مجتمع المعرفة، لأن نوعية تلك المعرفة أو مستواها يظل هزيلا، ما دام أنه يقتصر على محاربة الأمية اللغوية، ويحرم بعض الشرائح من متابعة تمدرسها، كسكان البوادي والنساء وغيرهما.

من هذا المنطلق، إن الحديث عن مجتمع معرفي شامل، تشارك فيه سائر طبقات المجتمع إنجازا وإبداعا لا استهلاكا واجترار، لا يتأتى إلا بالتوعية الحقيقية للإنسان العربي والمسلم، التى لن تتحقق إلا عندما ينال ذلك المجتمع حظه الكافي واللازم من التنمية، ومفهوم التنمية هو بالدرجة الأولى مفهوم اقتصادي، “استُخدم للدلالة على عملية إحداث مجموعة من التغيرات الجذرية في مجتمع معين؛ بهدف إكساب ذلك المجتمع القدرة على التطور الذاتي المستمر بمعدل يضمن التحسن المتزايد في نوعية الحياة لكل أفراده، بمعنى زيادة قدرة المجتمع على الاستجابة للحاجات الأساسية والحاجات المتزايدة لأعضائه”. (مفهوم التنمية، د.نصر عارف، إسلام أون لاين). وسوف يتسع هذا المفهوم لاحقا، ليشمل مختلف المجالات والحقول، فتنشأ مفاهيم جديدة مثل: التنمية السياسية، التنمية الاجتماعية، التنمية الثقافية، وغير ذلك. هكذا فإن هذا الارتباط التاريخي الوثيق لنشأة مفهوم التنمية بما هو اقتصادي، يعني أن ثمة نوعا من التراتبية في تنفيذه على أرض الواقع، فلا يمكن الحديث عن التنمية الثقافية في غياب التنمية الاقتصادية أو السياسية، لذلك فإن التنمية ثقافيا ولغويا ومعرفيا، لن تتأتى بالكامل إلا بتنمية الإنسان معيشيا واقتصاديا واجتماعيا وتربويا ونحو ذلك. ما سوف يمكنه لا محالة من ولوج مجتمع المعرفة والإسهام فيه.

وحتى يكتمل المشروع التنموي الشمولي المؤدي إلى مجتمع المعرفة، كما هو متداول في الغرب واليابان وبعض دول جنوب شرق آسيا وغيرها، يتحتم، من جهة أولى، تعميم الديمقراطية وثقافة المساواة والحريات العامة واقتسام الثروات، ومن جهة أخرى إلغاء العقلية التقليدية، التي كانت مجبولة على سيادة الشعوب بمنطق العصا الغليظة، وإحكام القبضة عليها سعيا إلى تدجينها وتكميم أفواهها، لأن مجتمع المعرفة يستكره مثل هذه القيم والطرائق، التي تقف سدا منيعا في وجه العطاء والتجدد وخلق المعارف.

خلاصة القول، إن تفسيرنا لموقع العالم العربي والإسلامي من مجتمع المعرفة، ينبغي أن ينطلق من واقع ذلك العالم، بكل مكوناته البشرية، وما يتضمنه من معطيات وإمكانيات ومؤهلات، لا من واقع بعض النخب السياسية والثقافية والأكاديمية، التي لا تمثل إلا حوالي 5% أو أقل من ذلك الواقع، وهذا لا يعني أن فهمنا ينحو منحى تشاؤميا أو تشكيكيا، في قدرة المجتمعات العربية والإسلامية على النهوض وولوج مجتمع المعرفة، وإنما يتحرى أكبر قدر من الموضوعية، التي على أساسها يتحتم على الباحثين والمنظرين والمحللين صياغة موقع العالم العربي والإسلامي من مجتمع المعرفة، وإلا فإن ما نضعه من توقعات واستراتيجيات لا تعدو أن تكون إلا حبرا على ورق!

* باحث مغربي مقيم ببلجيكا

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • الولوج الى المعرفة
    الأحد 4 أكتوبر 2015 - 20:25

    لازلنا لم نلج بعد الى مجتمع المعرفة،ذلك المجتمع المطلع على الانتاج الفكري والتكنولوجي،فأحرى أن نطمح الى مجتمع ينتج المعرفة.
    هناك العديد من الخزانات لا يرتادها الا عددا قليلا من القراء والباحثين، وهناك العديد من دور الشباب المعطلة في غياب الجمعيات التي من المفروض أن تنشط بها، ونفس الشيء بالنبة لدور الثقافة اذ منها ما هو مغاق وينتظر التدشين منذ سنوات!
    أما التعليم فيحتاج الى اعادة النظر فيه على كل المستويات كيفا ومضمونا، وهذا هو سبب تخلف العرب الذين يتلقون تعليما ردئيا مبني على الحشو والاستظهار دون مراقبة مستوى التلاميذ والطلبة وحثهم غلى التحصيل وغياب الوسائل الديداكتيكية المناسبة للمجتمعات العربية وكذا المختبرات ….
    النخبة من الطلبة تدرس بالخارج ولا يرجع منهم الا نسبة قليلة مما يترك فراغا لدى جيل بأكمله…ومن يرجع يكتفي بمناصب الريع البعيدة عن تخصصه كأن تجد المهندسين يشتغلون كاداريين ولاة وعمالا ضاربين مجهودهم الفكري خلال سنوات التحصيل في المدارس العليا عرض الحائط.
    وفي غياب سياسة تعليمية تأخذ بعين الاعتبار مستقبل الانسان العربي وسط الشعوب فان دار لقمان ستتأزم أكثر (الشرق الأوسط ملتهب)

  • محا
    الأحد 4 أكتوبر 2015 - 20:31

    من ولج عالم الفقه لا يكمنه ولوج عالم العلم والمعرفة. العجز بنيوي في عقول العرب.

  • عبد الله ـ روتردام
    الأحد 4 أكتوبر 2015 - 21:11

    تحدث الكاتب عن الاغلبية الساحقة من العرب الذين صاروا يبتعدون عن (مجتمع المعرفة ) بسنوات ضوئية. لكن مارأيكم سيدي في من يدعي الانتماء الى هذه النخبة المتنورة وكل شواهده الجامعية قرصنها من اشباه جامعات هنا باروبا وصار يتعالم ويدعي الموسوعية العلمية فتارة يسمي نفسه اكاديميا و احايين اخرى اعلاميا وشاعرا واستاذا جامعيا وناقدا ادبيا وخبيرا في علاقة الاسلام بالغرب وشؤون الجالية المسلمة..وهلم جرا ؟

  • مسلم
    الأحد 4 أكتوبر 2015 - 21:34

    لدي تساؤل بسيط ما دام الأمر يتعلق بالمعرفة
    هل العرب مسلمون أم كفار أي غير مسلمون؟
    لماذا دائما تفرقون بين العرب و المسلمون ؟!!!!!!!!!!
    هل لا يشرف العربي أن تكون مسلما ؟ هل هو عربي قبل أن يكون مسلما!!!
    الأزمة المعرفية التي تتحدث عنها هي أزمة ثقافية إثنية عند شعوب تمجد الجهل المقدس
    تحياتي و شكرا

  • Ahmed52
    الأحد 4 أكتوبر 2015 - 23:57

    حاء في مقالكم:

    هذا لا يعني أن فهمنا ينحو منحى تشاؤميا أو تشكيكيا، في قدرة المجتمعات """""""العربية والإسلامية"""""""" على النهوض وولوج مجتمع المعرفة.

    من الافظل ان تقول :

    المجتمعات العربية الإسلامية

    وليس والاسلامية

    لان المجتمعات العربية الإسلامية هي المعنية بهده المسالة.

    وشكرا

  • je pense donc je suis
    الأحد 4 أكتوبر 2015 - 23:59

    لقد كان د. المنجرة رحمه الله مرحبا بفكره في اي مكان الا في بلده المغرب. و هو القائل :"ان ما يخشاه النظام, هو الوعي"… ها العجز منين جاي.

  • تركهم العجم فبان عوارهم
    الإثنين 5 أكتوبر 2015 - 02:13

    لايوجد شيء اسمه"عرب"هذا المصطلح او الكلمة اخترعت بعد الاستعمار الغربي الكافر للشرق الاوسط والخليج وشمال افريقيا / هناك اقلية اعرابية في الخليج واليمن واغلبية من مختلف الاعراق والاجناس واللهجات واللغات كانت متحدة بالاسلام وكونوا امبراطورية وثقافة اسلامية و يسمون انفسهم بالمسلمون وسماهم الله المسلمون واعزهم الله بالاسلام فلما تحالف "ال الخليج" مع "الغرب "وشتتوا اخر "خلافة اسلامية "اخترع لهم بخبث ومكر "الحزب المسمى "(الجامعة العار بية) ليفصلنا عن اكثر من مليار مسلم اعجمي (حاليا) اللذين هم من بنوا اللامبراطورية والثقافة الاسلامية فتركوا راية الاسلام ورفعوا راية "العروبة" المخترعة وارادوا بها الانتصارات فنالوا الهزائم والدل وذالك بلباسهم عبائة التخلف والغباء الاعرابي المكتسب الذي كبلهم وغاص بهم في مستنقع الجهل
    تركهم العجم المسلمون فبان عوارهم

  • جواد
    الثلاثاء 6 أكتوبر 2015 - 01:02

    ولوج مجتمع المعرفة رهين بانجاز براديكم فكري ومعرفي شامل من يالطبقة الفكرية المتنورة فى المجتمع يبتدء بنقد منظومة التفكير السلفي والقطيعة مع التراث والدفاع عن الحداثة للخروج من الانحطاط وتقويظ ثقافة التحريم الديني عن طريق دراسةالدين دراسة موظوعية ووتحرير الذهنيات السائدة من التجريم السياسي كدراسة السياسة كاداة للتحول الاجتماعى

صوت وصورة
حزب الاستقلال والحكومة المقبلة
السبت 3 أكتوبر 2026 - 16:30

حزب الاستقلال والحكومة المقبلة

صوت وصورة
مغربيات وتعيين المنصوري
السبت 3 أكتوبر 2026 - 15:12

مغربيات وتعيين المنصوري

صوت وصورة
شوكي: مصلحة الوطن أولا
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:49

شوكي: مصلحة الوطن أولا

صوت وصورة
المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:29

المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء

صوت وصورة
دورة استثنائية للأحرار
السبت 3 أكتوبر 2026 - 12:44

دورة استثنائية للأحرار

صوت وصورة
غلاء الخضر مع بداية الخريف
السبت 3 أكتوبر 2026 - 11:54

غلاء الخضر مع بداية الخريف