مع بدء العد العكسي لولاية السيد بان كي مون على رأس الأمانة العامة للأمم المتحدة، يجمع كل المحللين السياسيين و المتابعين للشأن السياسي الدولي، أن الرجل راكم فشلا ذريعا في تدبير كل الملفات الدولية الساخنة منها والباردة. وربما سأكون رأيا نشازا حينما أعتبر أن المسؤول الأممي الحالي، وعلى عكس ما يعتقده الجميع، قد نجح بالفعل في تحقيق الأهداف الإستراتيجية التي أوكلت إليه على رأس المنظمة الأممية.
طبيعة الخلاف بين التقييم الذي اعتبره إيجابيا لفترة السيد بان كي مون، وبين الاتجاه العام الذي يعتبر التقييم كارثيا، يكمن أساسا في التحديد الدقيق لطبيعة الأهداف موضوع الخلاف. فإذا اعتبرنا أن مهام المسؤول الأممي تكمن في حفظ السلم و الأمن الدوليين، وكذا إنهاء الصراعات المسلحة بين الدول، بالإضافة إلى منع الدول من التدخل في شؤون بعضها البعض و حماية وحدتها الترابية، فإنني أعتبر أن التقييم الذي يجمع عليه الكثيرون منطقي إلى أبعد الحدود.
أما إذا اعتبرنا في المقابل، أن الأهداف التي تم تسطيرها في إطار العقيدة البانكيمونية، تكمن أساسا في توسيع رقعة الفوضى الخلاقة داخل المنطقة العربية، وإذكاء النزاعات الدموية وكذا محاولة تقسيم دول و إضافة أخرى إلى مصاف الدول الفاشلة، فإن التقييم الإيجابي الذي قدمته عن فترة بان كي هو أيضا منطقي إلى أبعد الحدود.
وفي المقابل، أتفق تمام الاتفاق مع المؤشرات التي ترسخت لدى المتابعين طيلة فترة تربع السيد بان كي مون على رأس الأمانة العامة، والتي تدل على أن الرجل مجرد واجهة لجهات نافذة، حيث يوقع باسمها على مشاريع القرارات التي تصاغ خارج دهاليز المنظمة الأممية، ويعمل على اقتراحها إلى مجلس الأمن قصد المصادقة عليها في إخراج مسرحي مل الجميع من متابعته، ودفعت ثمنه غاليا بعض شعوب العالم ومازالت أخرى تدفع.
ومع صدور القرار الأممي الأخير الذي أدرج التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن في اللائحة السوداء للدول والجماعات المسلحة التي تنتهك حقوق الأطفال في النزاعات والحروب، بدا و كأن كل أوراق التوت قد سقطت عن الرجل وصار وكأنه يسارع الزمن لتنفيذ أجندات جهات بعينها مهما كانت خطورة نتائجها على المنظومة الدولية.
وإذا كان مضمون القرار قد شكل مفاجأة للجميع، فإن المصادر التي أسس عليها شكلت المفاجأة الأكبر، حيث استند المسؤول الأممي إلى المعلومات التي تروج لها المجموعات الإنفصالية باليمن، وأغفلت في المقابل، المصادر الرسمية التي أدلت بها الحكومة الشرعية لليمن. وبالتالي، فبالإضافة إلى الأسس الثلاثة المشار إليها سابقا، فالأساس الآخر للعقيدة البانكيمونية هو مخالفة كل ما له صلة بالشرعية الدولية.
فإذا كان التقرير رقم 2216 الصادر عن المنظمة نفسها، قد أكد أن هدف التحالف يكمن بحماية الشعب اليمني بمن فيه الأطفال من ممارسات الميليشيات الحوثية، في ظل وجود حكومة شرعية معترف بها دولياً، وإذا كان التحالف نفسه قد وقع مع اليونيسيف برنامجا بتكلفة كبيرة دفعت من قبل مركز الملك سلمان للأعمال الإغاثية والإنسانية، فما هي مصداقية التقرير الأممي الذي يساوي بين دول تضع إمكانيات هائلة لٍإرساء الشرعية داخل المنطقة، مع منظمات إرهابية تدعو لتمزيق أوصال الدول. ولعل هذه المقاربة السكيزوفرينية تدخل أيضا في تصور العقيدة البانكيمونية.
لقد شكلت القمة المغربية الخليجية التي انعقدت مؤخرا بالرياض مناسبة لفضح العقيدة البانكيمونية بشكل واضح ودون مساحيق تجميل، وذلك بعد أن وصلت تبعات العقيدة البانكيمونية إلى ملف الصحراء المغربية وبالتالي تهديد الوحدة الترابية لبلد عربي آخر. وبالتالي شكلت هذه العقيدة أيضا آلية لنقل الفوضى الخلاقة من المشرق المثخن بالجراح إلى المغرب الكبير الذي يحمل بين ثناياه ألغاما قد تمكن من يعنيهم الأمر من تفجير الوضع بين الحين و الآخر.
وفي هذا السياق، فقد صرح العاهل المغربي بكل وضوح، بوجود شخصيات في محيط الأمين العام للأمم المتحدة الحالي تؤثر في استقلالية هذا الأخير وتخضعه لمنطق آخر، وأجندات أخرى غير إقامة السلم والاستقرار في المنطقة.هذا التحليل العميق و الجرئ في نفس الآن للعاهل المغربي، تعكسه الوقائع على الأرض. فالملف السوري مازال يراوح مكانه في ظل غياب تصور واضح للأمم المتحدة لاقتراح حلول واقعية، وإذا ما بادرت عبر مبعوثها الأممي للتدخل في الملف، فإن الصورة تزداد تعقيدا.
الغموض نفسه يلف الوضع داخل ليبيا، ورغم أن المنتظم الدولي في شخص دول بعينها حاولت الدفع بحل المشكل لتفادى تبعات الانفلات الأمني بالمنطقة عبر اتفاق الصخيرات بالمغرب، فإن الأمم المتحدة في ظل العقيدة البانكيمونية ظلت تلعب دور الحاضر الغائب. الحاضر في كل ما له علاقة بإذكاء النزاعات وتوسيع رقعة الفوضى الخلاقة، و الغائب في إيجاد حلول سريعة للنزاعات الدموية. ولحسن الحظ، فإن العقيدة البانكيمونية لم تستطع التغلغل إلى كل من مصر وتونس، وإلا فإن الوضع سيكون كارثيا.
المفارقة الكبيرة التي وقفنا عليها من خلال دراستنا للعقيدة البانكيمونية، يكمن في أن هذه العقيدة لا تحمل أهداف ومضامين حسب ما هو متعارف عليه داخل كل العقائد ، بل هي فقط مجرد أداة للتنفيذ في انتظار تلقي التعليمات و الأوامر، وإيجاد الآليات والبدائل الضرورية لتنفيذ أجندات الجهات الخفية التي شارفت هي الأخرى على نهايتها كما هو الشأن للسيد بان كي مون، خاصة إذا كانت الأجندات الموكولة لها تتسم بالقذارة والدناءة، وفي غالب الأحيان، تتسم بالعنف و الدموية.
بعيدا عن نظرية المؤامرة التي طبعت التفكير العربي في تعامله مع الغرب، يمكننا التأكيد في الوقت الراهن، أن منظمة الأمم المتحدة تعيش مأزقا عميقا على مستوى مصداقيتها لدى شعوب العالم، و إذا ما حاولت بعض هذه الشعوب النقاش والتنديد ببعض من قرارتها التي أصبحت حقا تهدد السلم العالمي، كما هو الحال مع الشعب المغربي في قضية صحرائه، تشهر العقيدة البانكيمونية ورقة الشرعية ومخالفة الأعراف الدولية، وربما تصنف هؤلاء الشعوب في خانة الشعوب المارقة.
الغريب أن هذه العقيدة تتراجع عن قراراتها بعدها تحقق الجهات المعنية أهدافها وتتأكد أن الرسالة وصلت إلى الأطراف المعنية، هنا تضطر صاغرة إلى التنازل عما قررته كما وقع خلال التقرير الأخير حول اليمن، وربما هنا تكمن خطورة هذه العقيدة البانكيمونية…حيث تعطي مقاربة مستدامة لكل نزاعات العالم ومآسيه خاصة ما يصطلح عليه في الوقت الحالي بالفوضى الخلاقة…
أضم صوتي لصوت الكاتب، فقد أصبحت الأمم المتحدة مجرد واجهة لتنفيذ مقررات الدول العظمى. المقال أبرز هذه الحقيقية ببراهين دامغة. شكرا هيسبريس.
بعد مرور فترة طويلة على الخطاب الملكي الصارم بالقمة الخليجية، أعتقد أن هذا
المقال يقدم توضيحات أكثر حول مضامين الخطاب. أصبح العالم في عهد بان كي مون يعيش قانون الغاب لكن وفق مظلة القوانين و القرارات.
أنا مع الإتجاه الذي ذهب إليه الكاتب، الأمين العام نجح فعلا في مهمته على رأس الأمم المتحدة، لكن وفق الأهداف التي حددها كاتب المقال.
شكرا لجريدتنا هيسبرس.