العلاقة الجنسية الرضائية في المغرب

العلاقة الجنسية الرضائية في المغرب
صورة : أرشيف
الإثنين 25 يناير 2021 - 17:12

بداية، أصرح بأنني لن أتحدث في هذا المقال بوصفي رجل دين يدعو الناس إلى التقوى أو ينهاهم عن الفحشاء والمنكر، أو رجل قانون يُسطر القوانين ويحكم بين الناس، أو فيلسوفا يقترح الحلول لواقع معين… بل سأتحدث بوصفي مصورا للواقع. سأحاول أن أضع أمامنا، نحن المغاربة، المرآة لنرى أنفسنا أمامها، لكن عراةً وبدون “مَاكْيَاج”.

بالجملة، سأصور الواقع كما هو، تاركا للفقيه مسألة التحليل والتحريم، وللقاضي الحُكم، وللفيلسوف اقتراح الحلول.

دعونا أولاً نستشكل قضيةَ تحريمِ العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، باعتبار أن الدين الإسلامي حرّم أي علاقة بين رجلٍ وامرأة خارج مؤسسة الزواج، لقولهِ تعالى “ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا” (الآية 32، سورة الإسراء). هنا، إذا ما أردنا استشكال هذا الأمر، يمكن أن نشيرَ إلى أن آيات القرآن نزلت في سياقٍ معين، واستجابةً لأحداثٍ معينة، ونظراً لتغيرِ نمطِ العيش وتداخل الأحداث، يمكن أن تأتي آية (حكم) وتَجُبَّ سابقتها. بالتالي، فإنه لفهمِ أحكام القرآن، يجب ربطها بسياقِ نزولها.

أخذاً بهذه القاعدة (ربط الحكم بسياقه التاريخي)، نشير إلى أن تحريم الدين الإسلامي ل”الزنا” جاء في وقتٍ كانت فيه الأمة الإسلامية تعيش في بيئةٍ بدوية، وفي شروطٍ غير الشروط التي نحياها اليوم؛ فقد كان الغلامُ وقتئذٍ، ما إن تستيقظ رغبته الجنسية، ويشعر بضرورةِ تلبية هذه الرغبة، حتى يأتيه والده بصبيةٍ من بناتِ جلدته، يُزوجها له دون عناء، ودون شروط، إنما بقراءة الفاتحة فقط.

هاهنا يُحل المشكل: صراع الهو(الغريزة) مع الأنا الأعلى (أحكام الدين).

لكن، هل واقعنا اليوم هو واقع أسلافنا؟ هل الزواج اليوم بتلك السهولة التي كان عليها عند السلف حتى لا يقع شبابنا في ما حرم الله؟

طبعاً لا.

اليوم لكي يتزوج شابٌ أو شابة، وجب عليهما أولا الدراسة، والتي قد تنتهي حين بلوغهما لسنٍّ يصل إلى 25 سنة، ثم عليهما ثانياً أن يبحثا عن عمل… وعليه، فإن الزواج قد يأتي – حسب المندوبية السامية للتخطيط – حين يصل الشاب إلى عقده الثالث أو أكثر، بمعنى أنه على الشاب أن يعيش أكثر من 30 سنة بدون ممارسة علاقة جنسية! أي ما يقارب 17 سنة (من البلوغ إلى الزواج) من الكبحِ لحاجةٍ طبيعية في الإنسان، كبح يتم في ظل ما يشهده واقعنا اليوم من مثيراتٍ يصعب مقاومتها.

إذا كان الدين الإسلامي قد حرم العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، أو قل “الزنا” بالمعنى الديني للكلمة، فإن الأخيرة تُعد فساداً يعاقب عليها القانون المغربي، بوصفه قانوناً يستند، في بعضِ بنودهِ، إلى الشريعة الإسلامية. في الفصلِ 490 من القانون الجنائي، نجد أن أي علاقة جنسية رضائية بين رجل وامرأة راشدين خارج مؤسسة الزواج، تعتبر “جريمة” يعاقب عليها القانون، وقد تصل عقوبة ذلك إلى عامٍ من السجن. من هنا، فإن القانون المغربي، باتكاله على الشريعة الإسلامية، يُجرم “الزنا”: العلاقة الجنسية الرضائية بين رجلٍ وامرأة راشدين، وفي سياقٍ، وظروفٍ، غيرها التي حُرّمت فيها “الزنا” بادئ الأمر.

هنا، عكس ما حصل عند السلف، يشتد الصراع بين الهو والأنا الأعلى…

في ظل هذا التحريم والتجريم، وفي ظل قوة الغريزة، هل يُمسك شبابنا اليوم عن الممارسة الجنسية؟

الواقع يقول لا. يمارس شبابنا اليوم علاقات جنسية رضائية رغم التحريم والتجريم، لكن يتم هذا بكيفية بئيسة جدا.

تتجلى ممارستنا الجنسية البئيسة في شعور الذات بالذنب نتيجة صراعها الداخلي بين غريزة يصعب كبحها، بل لابد من تلبيتها حسب المختصين، وبين تعاليم دينية يجب احترامها لكن دون القدرة على ذلك. يمارس المغربي الجنس وهو على وعي بأنه يعصي الله: خالقه. ويظهر بؤسنا الجنسي في ظل أزمة “البَرْتُوشْ” ورقابة المجتمع، الأمر الذي يدفع الشباب إلى الهروب إلى الخلاء أو الغابة أو الشاطئ… وسرقة “لُحَيْظَة” من الزمن تتم فيها الأمور بسرعة البرق، لكن دون تحقيق الرِّضَا التام. ونعيش بؤسا جنسيا لأننا نمارسه تحت الخوف من أن يُكشف أمرنا من طرف الغير: جيران أو رجال الأمن. هذا الغير الذي “يزني” ويصلي ويلعب دور الحارسِ المحاربِ للفسق في الوقت نفسه!

في ظل هذا الشعور بالذنب، وأزمة “البرتوش”، ورقابة المجتمع ورجال الأمن، يعيش المغربي ما أسماه عالم الاجتماع عبد الصمد الديالمي ب”البريكولاج” الجنسي، أي أننا نمارس الجنس في الخفاء، وبسرعة، وفي أي مكان (غابة، سيارة، أسفل الدرج، مرحاض…)، ومع أي كان، وبأي طريقة، لكن دون تحقيق الرضا.

نُخمد نار الغريزة لكن دون أن نًطفئها تماما. لهذا فهو بؤس جنسي.

خاتمة القول، إننا نعيش اليوم هوة سحيقة بين معايير يُحددها الدين والقانون، وبين واقع بعيد عن هذه المعايير، الأمر الذي تمخض عنه صراع بين الغريزة وأحكام الدين والقانون، وشعور الذات بالذنب تارة، وعيشها للحرمان تارة أخرى، وللتناقض تارات عديدة.

‫تعليقات الزوار

7
  • ابوهاجوج الجاهلي
    الثلاثاء 26 يناير 2021 - 11:20

    اتفق معك في هذا الوصف لواقعنا الجنسي الذي يعيشه المغربي الغير المتزوج الذي يشبه من يحاول ان يقوم بسرقة ما. انه واقع بئيس في دولة الحق والقانون الجنائي الذي يسلط سيفه على رقاب الراغبين في ممارسة الجنس في اطار العلاقات الرضائية. ولهذا عواقب وخيمة على نفسية الشباب الذي لا يشعر بالامان والاطمئنان وكان محاكم التفتيش تتجسس عليه لتكتشف دينه الحقيقي. انه مشكل حقيقي يسبب الكثير من الاكتئاب والحرمان ويسبب في عدم التركيز سواء في الدراسة او العمل وعواقبه وخيمة على الانتاج بصفة عامة. لهذا نطالب المشرع المغربي ان لا يجرم العلاقات الرضائية كي لايحرم هذا الشريحة من حق طبيعي وغريزي في الانسان ولا يملك احدا السلطة والحق لمنع البشر من ممارسته وشكرا

  • معلق
    الثلاثاء 26 يناير 2021 - 12:16

    المشكل في القانون فقط، علينا أن توقف عن الكلام والتحليل..وأن نتكثل ونطالب بتغيير القوانين وآنذاك سيتغير كل شيء وستختفي القابة الاجتماعية تدريجيا ويحل الرخاء الجنسي بدل البؤس الجنسي

  • حمزة
    الثلاثاء 26 يناير 2021 - 12:43

    مع إحترامي للسيد الكاتب فقد وضعت شرطا في الاول ولم تحترمه. قلت أنك لن تتخذ دور المفتي وأغلب المقال تناقش فيه الموضوع من الناحية الدينية وأتيت بآية وتدعي انها لم تعد صالحة في متن حديثك.
    اولا في القديم كان أيضا الزواج مكلف وربما أكثر من الآن حيث كان المهر عشرات الجمال يعني عشرات الملايين لكن الناس تحترم الأعراف قبل الدين وكانت لاتزني الحرة بل كانت شتيمة.
    ثانيا الزنا لم يكن يوما حلا لما له من الأضرار النفسية قبل المادية. لكن وجب على الأسر ان يسهلوا شروط الزواج كي يصبح ميسور للجميع. في نفس الوقت يجب ان يتحلى الشباب بالمسؤولية التامة. ليس اليوم زواج وهذا طلاق.
    ثالثا الإسلام دعى الى تيسير الزواج وشجع عليه وحث الأسر ان لايثقلوا كاهن الزوج بالشروط وان لم يلتزم الناس بهذا فهذا يعيبهم ولايعيب الإسلام الرسول صلى الله عليه وسلم يقول« التمس ولو خاتما من حديد » متفق عليه
    وهناك من زوجه الرسول بسورة الفاتحة كمهر
    أهناك يسر أكثر من هذا؟
    رابعا انا تزوجت وعمري 21 سنة وكنا لازلنا في بداية الدراسة العليا وقد تعاونا في كل شيء في العمل و الدراسةو أشغال البيت والحمد لله نحن الأن أكثر من عشرين سنة زواج، مهندسين

  • انحراف الفطرة .
    الثلاثاء 26 يناير 2021 - 12:46

    يمكن القبول بتقنين الجوع رغم أنه فطرة وذالك بالقبول بالامتناع عن الأكل لفترة تدوم لفترة محدودة في الساعات ومحدودة في الزمان ولكن الحرمان من الجنس لسنوات طوال خصوصا في ظل العزوف القهري عن الزواج أمر مستحيل ومن يقوم به يعيش وضعا نفسيا صعبا ويستعيض عنه بالإستمناء رغم أن المداومة عليه تجعل المدمن متى ما توفرت له شروط الزواج غير قادر على إرضاء الشريك ولا يستهويه الجماع الكامل مع الشريك فيزاوح بين المواقعة مرغما لإرضاء الشريك وانحاب الخلف والإستمناء لإرضاء النفس وهذا ينطبق على النساء والرجال على السواء .

  • العلم نور و الجهل عار
    الثلاثاء 26 يناير 2021 - 16:03

    فقط كيلومترات بالقرب منا تحقق المجتمعات هناك ثورة في مفهوم الأسرة بعد أن تجاوزوا هذا الإشكال الذي نخوض فيه اليوم بسنوات و كأن اللجوء إلى الدين لتبرير هذا البؤس الجنسي لا يدل سوى على بؤس أكبر؟ حتى لا ننسى بأن القوانين “المستمدة من الشريعة الإسلامية” هي في الحقيقة قوانين مررتها فرنسا لأسباب سياسية وحتى لا يأتي جاهل ليقول أن السلف كانوا كذا و كذا يفعلون كذا و كذا . على الأقل نتعلم من جيراننا الأوروبيين فهم سبقونا إلى هذه المسائل بأشواط

  • عبيده
    الأربعاء 27 يناير 2021 - 15:32

    اللوم يجب أن يوجه لمن صنع وما زال يصنع العراقيل والمصاعب والمشاكل في وجه الزواج والحلال الذي كان سهلا جدا في السابق وبأيسر التكاليف، ولكن في العصور الأخيرة صار وكأنه بناء جبال الهملايا! ناهيك عن القوانين التي أصبحت تمارس الظلم الصارخ ضد الرجل في شتى أنحاء العالم وتحطم صورته ومكانته وتجعله مجرد جهاز إخصاب ثم تجرده من كل حق وتضع عليه كل مسؤولية وتجعله (عبدا) يكدح لغيره! بالتأكيد مع مثل هذه الظروف وغيرها مما لم أذكره سيصبح الزواج وكأنه جحيم ولا يوجد عاقل سيقترب أصلا من الجحيم! وبعضهم يظن أن الجحيم يداوى بجحيم ما يسمونه “العلاقات الجنسية الرضائية” ولكن لا يمكن أبدا معالجة داء بداء آخر! الزنا بدايته قد تكون ممتعة ولكن تبعاته جحيم دنيوي وأخروي (إن لم يغفر الله) وليست القضية بحاجة إلى وعظ وإيمانيات لأن أي عاقل ينظر إلى الواقع يشاهد كيف يكتوي الكل (وخاصة الرجل) بنار الزنا.

    الحل؟! العودة لما كان عليه أسلافنا!

  • مراجعة الاتهام والإدانة
    الجمعة 29 يناير 2021 - 15:00

    مجتمعنا يعيش إزدواجية الإيمان بالتحريم وضرورة الممارسة. لذا ينبغي تحريره من عقدة الذنب خاصة وكما جاء في المقال فإن ظروف عصرنا مغاير تماما لما كان عليه الأسلاف. من جهة أخرى فإن الإدانة غير مبنية حتى على الشرع الذي يتطلب شروطا معروفة لاتهام رجل وامرأة أنهما مارسا الجنس، وليس كما هو حاصل الآن إذ يكفي تواجد المرأة والرجل معا للاتهام والإدانة.

صوت وصورة
مغربيات يتألقن في الطيران الحربي
السبت 6 مارس 2021 - 14:30 4

مغربيات يتألقن في الطيران الحربي

صوت وصورة
مدينة فوق الكهوف
السبت 6 مارس 2021 - 12:52 4

مدينة فوق الكهوف

صوت وصورة
بالأمازيغية: خدمة الأداء عبر الهاتف
السبت 6 مارس 2021 - 11:47 19

بالأمازيغية: خدمة الأداء عبر الهاتف

صوت وصورة
مدينة آسفي تغرق
السبت 6 مارس 2021 - 11:16 18

مدينة آسفي تغرق

صوت وصورة
جديد الزبير  هلال
السبت 6 مارس 2021 - 10:15

جديد الزبير هلال

صوت وصورة
استغاثة دوار الشياظمة
السبت 6 مارس 2021 - 00:31 7

استغاثة دوار الشياظمة