العنف واستعمال فعل "ضرب"

العنف واستعمال فعل "ضرب"
الثلاثاء 20 أبريل 2021 - 23:50

مقدمة

أهدف من خلال هذا المقال أن أبين أن الاعتقاد السائد بين عوام الناس الذي مفاده “أن إكثار الدارجة المغربية من استعمال فعل “ضرب” هو علامة من علامات ميل متكلمي هاته اللغة إلى العنف اللفظي أو الجسدي أو كليهما”، هو اعتقاد غير صحيح مبني على سوء فهم لكيفية اشتغال اللغات الطبيعية، وهو أيضا نوع من جلد الذات بلومها على أمور عادية تشترك فيها اللغات الطبيعية لا علاقة لها بالعنف ولا ينبغي أن تستعمل دليلا على ميل مستعمل الدارجة إلى العنف.

فعل “ضرب” في الدارجة المغربية

كثيرا ما أسمع المغاربة يسخرون من لغتهم الدارجة (المعروفة بـ”الدارجة المغربية”) لأن المتكلمين بها يكثرون من استعمال التعابير المسكوكة التي تحتوي على فعل “ضرب” كقولهم “ضربها بنعسة”، أي “نام”، و”ضربها بجرية”، أي “ركض”، و”ضربني البرد”، أي “أصابني زكام”، و”ضربت التيليفون”، أي “هاتفت”، وغير ذلك. فيستنتجون من كثرة هذه التعابير التي تستعمل فعل “ضرب” أن مستعمل الدارجة المغربية إنسان “عنيف” أو “متساهل مع العنف” أو “ميال في سلوكه إلى العنف”.

سأبين في ما يلي أن استعمال فعل مثل “ضرب” في التعابير المسكوكة (idiomatic expressions) (أي التعابير الجامدة التي لا تكون منتجة سوى في مقولاتها الوظيفية كالزمن، وسمات التفريد والتجميع والجنس) لا تعكس أي خصائص نفسية (كالميل إلى العنف)، لأن لهذا الفعل وظيفتين لغويتين لا علاقة لهما أصلا بمعنى “العنف”، هما وظيفة “تحقيق التمام ” ووظيفة “تحقيق الزمن”. وهذا بيان الدعوى وتفصيلها.

فعل “ضرب” وتحقيق “التمام”

عندما تدرس التعابير المسكوكة التي تستعمل فعل “ضرب” في الدارجة المغربية ستجد أن هذا “الفعل” ليس “فعلا” بدلالة معجمية خاصة، ولكنه تحقيق صرفي لسمة “التمام”. فقولك “ضربتها بتجويجة”، الذي معناه “تزوجت”، يستلزم أن فعل الزواج قد شُرع فيه وتمّ، وقولك “ضربت ليه التيليفون”، الذي معناه “هاتفته”، يستلزم أن فعل المهاتفة قد شُرع فيه وتم، وقولك “ضربت الدنيا بركلة”، معناه “لقد صرت غير مكترث بالدنيا وهمومها”، يفيد تحقق المعنى النفسي وتمامه وما يحف بهذه الدلالة من معاني “الحسم” و”القطع”.

لذلك، يستخدم “ضرب” في التعابير المسكوكة التي تدل على التحقق القطعي للأفعال الشرعية كـ”الزواج” الذي يسمونه بـ”ضريب الصداق”، كناية على التحول الجذري من حالة “العازب” إلى حالة “المتزوج”، فلا تَدَرُّجَ في هذا التحول.

ومن الأدلة على ورود “ضرب” بمعنى “تمام” الحدث، أن استعماله ليس مقصورا على الدارجة المغربية وحدها، بل له ما يقابله في لغات أخرى، حيث يستعمل للتحقيق الصرفي لنفس المقولة الوظيفية (أي “التمام”).

من ذلك مثلا، فعل “strike” في الإنجليزية، صورته في الماضي “struck”، يستخدم بكثرة أيضا بمعنى “ضرب”. الشاهد على ذلك قولك “He struck the horse with a whip”، معناه “ضرب الحصان بالسوط”. لكن هذا الفعل يستعمل أيضا ليحقق سمة “التمام”، كما في قولك “They struck off into the woods”، معناه “ساروا، مجتازين الغابة”، عُبر فيها عن معنى تمام “الاجتياز” بالفعل “struck” ماضي فعل “strike”.

من ذلك أيضا، قولك “We struck a deal”، معناها “عقدنا اتفاقا”، يدل فيها فعل “struck” على اكتمال الفعل القانوني، وقولك “The answer struck me suddenly”، معناها “فاجأني الجواب”، وقولك “Miners struck gold”، معناها “اكتشف عمال المعادن الذهب”، وقولك “it struck that part of [the] contract”، بمعنى “حذف جزءا من العقد”، وقولك “Strike up a tune”، بمعنى “عزف لحنا باستعمال آلة موسيقية”، وقولك “The idea struck me as funny”، بمعنى “ولدت عندي أفكارك انطباعا ممتعا”.

فكل هاته التعابير المسكوكة في الإنجليزية تستعمل فعل “strike” (ضرب) لتحقيق وظيفة “التمام” دون أن تدفع كثرة استعماله متكلمي الإنجليزية إلى اتهام أنفسهم بـ”العنف” أو ما في معناه.

فعل “ضرب” وتحقيق “الزمن”

أما وظيفة “تحقيق سمة الزمن” فمعناها أن فعل “ضرب” ليس فعلا يدل على معنى “الضرب”، بل تحقيق للزمن (كالماضي والحاضر والمستقبل)، لأن الحدث اكتسب الصورة المورفولوجية للاسم ففقد بذلك القدرة على تحقيق الإسمية.

فعندما تقول مثلا: “ضربتها بنعسة”، فالمعنى هو “نعست”، أي “نمت”، تحول فيها فعل “نعس” إلى اسم (“نعسة”) فنتج عن هذا التحول أمران: أولهما أن الاسم أصبح محتاجا لإعراب الجر حتى لا يخرق ما يسميه علماء التركيب بـ”المصفاة الإعرابية” (“كل اسم ينبغي أن يكون له إعراب مورفولوجي ظاهر أو بنيوي يتحقق بحضور العامل”)، لذلك أدخلت عليه الدارجة المغربية الحرف “ب”، هو حرف مزيد وظيفته إسناد الإعراب للاسم. وثانيهما أن الحدث (“نعسة”) فقد قدرته على حمل الزمن بسبب إفراغه من الفعلية، أدى ذلك إلى إدخال “ضرب” ليحمل سمة الزمن.

لذلك، فزمن “النوم” في مثل هاته التعابير متعلق بزمن “ضرب”. فإذا نمت في الماضي قلت “ضربتها بنعسة”، مستعملا “ضرب” في الماضي. وإذا قلت “كنحاول نضربها بنعسة” فأنا أقصد أني أحاول أن أنام حاضرا، مستعملا “نضربها” في الحاضر. وإذا قلت “غادي نضربها بنعسة” فالقصد أن فعل النوم سيتحقق مستقبلا، مستعملا “غادي نضربها” في صيغة المستقبل. فزمن “النوم” هو دائما متعلق بزمن فعل “ضرب”، مما يعني أنه مجرد تحقيق للزمن لا معنى معجميا له.

وهذا ما يفسر إدخال الضمير المبهم “ها” الذي يجمع بين وظيفتين: وظيفة ترخيص إعراب النصب الذي يسنده الفعل “ضرب”، وهو متعدٍّ (وهذا ما يحفز إدخال “ب” لترخيص إعراب “نعسة” التي لا يستطيع الفعل ترخيصها بسبب إفراغ إعرابه في “ها”)، ووظيفة إفراغ فعل “ضرب” من معناه المعجمي الأصلي، يسمي العلماء عملية الإفراغ هاته بالـ “bleaching”.

خلاصة

خلاصة القول إن استعمال فعل “ضرب” في التعابير المسكوكة في الدارجة المغربية لا يعكس ميل متكلم الدارجة إلى العنف كما يعتقد العوام، بل إنه رأس فعلية ذات وظيفتين: وظيفة تحقيق “التمام” ووظيفة تحقيق الزمن.

‫تعليقات الزوار

8
  • KITAB
    الأربعاء 21 أبريل 2021 - 00:32

    شكرا للأستاذ على إثارة هذا الموضوع الشيق والذي يتداخل فيه السوسيولساني مع السيكولوجي، وقد تم التركيز على فعل”ضرب” وسياقاتها في العامية المغربية، علما بأن الأمثلة التي ساقها الأستاذ هي بنت زمانها فلم يكن معروفا عن المغربي مثلا في الماضي المتوسط أن يعبر عن خلوده للنوم بعبارة”نضربها بنعسة” ، وأعتقد ارتباطا بالسياقات التي جاءت في عرض الأستاذ أن أفعال”ضرب ؛ضربها” ترد كثيراً في صيغة المفرد المتكلم أو المخاطب مما يشي بوجود “تفرغ”الذات أو جلدها يعني أن القائل حينما يقول”ضربتها بتزويجة”يعني أقدم على فعل ليريح ذاته ويتخلص من عبء ثقيل كان يحمله، وكأنها نهاية المطاف ، كما أن البطن لها هي الأخرى ما يفيد بضربها بفعل”زنّد” فيقول”زندتها بواحد ازلافا دلبصارا”، أي سخنها أو جلدها ، سلمات

  • ضربها بشبعا .
    الأربعاء 21 أبريل 2021 - 08:40

    استعمال مفردة ضرب ياخد الكثير من الصيغ في المتداول اللسني المغربي ما يجعلها كلمة حمالة أوجه تقبل أكثر من تفسير . فنقول مثلا : ضربه في رزقه أي سرقه . ونقول : ضرب رمضان أي أنه لم يصم . كذالك نقول : ضرب … والناس صيام في إحالة على الجهاز التناسلي أي جامع زوجته نهار رمضان والناس صيام .

  • لغتي هويتي
    الأربعاء 21 أبريل 2021 - 08:52

    شي وحدين العقل الباطن ديالهم تعوَّدْ ينسج ليهم أفكار تروم فقط لجلد الذات… لا علاقة لها بالفكر والعلم في شئ.

  • حذف الطاء .
    الأربعاء 21 أبريل 2021 - 11:01

    نقول ايضا ضربها بسكرة واعرة لكل شخص شرب حتى أضحى لايعرف يمينه من شماله ، ونقول ضربها بنكرة للشفار لي حصل حي وباقي تيتجبه ، وتقال ضرب عليا لمن لم نعد نريد معاشرته . ونقول ضربها ب …. والناس صيام للشخص الذي يستمني قبل آدان الإفطار .

  • Ibn Tumert
    الأربعاء 21 أبريل 2021 - 12:18

    لايمكن فهم تعبيرات الدّارجة دون العودة للأمازيغية. وهذا مثال اخر.

  • la pensée libre
    الأربعاء 21 أبريل 2021 - 15:58

    إلى العلق الكريم “5 ـ Ibn Tumert”

    وشهد شاهد من أهلها البربريست:
    جاء في مقال “الأمازيغية.. من الاقتراض إلى الانقراض؟” للدكتور ميمون أمسبريذ ما فحواه: الأمازيغية تقترض وتقترض وتقترض من العربية الدارجة بشكل مفرط يجعلها من كثرة آقتراضها، يجعلها مهددة بالإنقراض.

    وما عليك إلا أن تحرك الفأرة إلى أسفل وستجد المقال في هذا الركن “كُتّاب وآراء “.

    لتكون صادقا مع واقع الحال عليك أن تعيد ترتيب كلمات جملتك تلك لتصبح:
    “لايمكن فهم تعبيرات الأمازيغية دون العودة للدّارجة”.

    مع مودتي

  • OUKHOUYA ELHOUSSEINE
    الخميس 22 أبريل 2021 - 15:55

    لا أعرف كيف لم ينتبه اللساني العملاق و خبير و مهندس اللسانيات السيد عبد الحلوي، إلى أن الفعل “ضرب” الذي يفرط استعماله في الدراجة المغربية قد انتقل إليها من اللغة الأمازيغية، أنت تعلم علما معمقا أن الدارجة المغربية ما هي إلا ترجمة حرفية للغة الامازيغية، حيث تبنت كل القواعد النحوية و الصرفية و التركيبية و الاشتقاقية الخاصة بالأمازيغية، لأن كل هذه القواعد التي تروجها الدارجة المغربية لا معنى لها في اللغة العربية إلا بإرجاعها إلى تركيبها الأصلي الأمازيغي: لأن عبارة ” ضربت الطريق” أصلها ” وتخ أبريد” و عبارة ” ضربت واحد الطاجين” أصلها أمازيغي ” وتخ يان الطاجين” و عبارة ” ضرب إدو” أصلها أمازيغي ” إوت أفوس نس” و عبارة ” ضرب ليه الراي” أصلها أمازيغي ” إوتاس الراي” و عبارة ” ضرب الشتا و الشمس” أصلها أمازيغي” إوت أنزار د تافويت” و اللائحة طويلة.

  • khaldoun
    الخميس 22 أبريل 2021 - 18:59

    7- OUKHOUYA ELHOUSSEINE

    الشلحة هي التي تنقل من العربية الدارجة وليس العكس. وقد قالها ابن خلدون قديما “المغلوب يقلد الغالب” وبما أن العربية الدارجة هي الغالبة والمسيطرة فالشلحة هي التي تقلدها وتنقل تعابيرها.
    والعربية الدارجة مختلفة عن العربية الفصحى، لذا منطق “هذه القواعد التي تروجها الدارجة المغربية لا معنى لها في اللغة العربية ” دليل فقط على أن الدارجة ليست طبق الأصل للفصحى. ولو كانت الدارجة طبق الأصل للفصحى لما كان وجود للدارجة. لكان المغاربة هم الشعب الوحيد في هذا العصر يتكلم العربية الفصحى فقط.

صوت وصورة
آش كيدير كاع: رئيس الجماعة
السبت 8 ماي 2021 - 23:00 21

آش كيدير كاع: رئيس الجماعة

صوت وصورة
باختصار: مساعدة بطعم مرّ
السبت 8 ماي 2021 - 20:00 12

باختصار: مساعدة بطعم مرّ

صوت وصورة
منازل الروح: سر ليلة القدر
السبت 8 ماي 2021 - 18:00

منازل الروح: سر ليلة القدر

صوت وصورة
نقاش في السياسة مع شكيب الخياري
السبت 8 ماي 2021 - 17:02 1

نقاش في السياسة مع شكيب الخياري

صوت وصورة
منابع الإيمان: قصة ذي القرنين
السبت 8 ماي 2021 - 14:00 8

منابع الإيمان: قصة ذي القرنين

صوت وصورة
تبرع أفراد البحرية الملكية بالدم
السبت 8 ماي 2021 - 02:06 4

تبرع أفراد البحرية الملكية بالدم