العُزلة إرادةً وقسراً في زمن الوباء .. رحلة ذهاب وإياب بين الألم والسّقم

العُزلة إرادةً وقسراً في زمن الوباء .. رحلة ذهاب وإياب بين الألم والسّقم
صورة: أرشيف
الخميس 8 أبريل 2021 - 06:00

أثّر الوباء في اليد الخفيّة التي كانت ترشد الناس إلى طُرق المشاركة الوجدانية مع الآخرين، وبالتالي ازدادت طبيعة الإنسان تعقيداً، وتضاعفت المسافة بينه وبين السعادة والمتعة في ظل حرية طبيعية مهدّدة تمسّ سلامة سلوكه البشري ونظامه الاجتماعي والاقتصادي. باعتبار الفرد كائناً اجتماعياً فلقد وهبه الخالق تعاطفاً تجاه الآخرين مما يجعله يسعى باستمرار إلى مشاركتهم المشاعر والتواصل معهم وجدانياً وهذا نابع من طبيعته الاجتماعية. عندما لا نشارك الآخرين عواطفهم وأفعالهم فإنّ التعاسة تصيب الجميع، الأمر الذي أكده آدم سميث في كتابه “نظرية المشاعر الأخلاقية” حيث ناقش كيف تتكامل الطبيعة البشرية عندما يزداد شعور الفرد بالآخرين ويقلّ تمركزه حول نفسه، وحين يكبح أنانيته ويتناغم معهم شعوريا تبرز قوته الأخلاقية التي تلعب دوراً فعالاً في انتاج نظام اجتماعي ناجح، وإذا طبعت هذا الأخير قواعد السلوك تتعزّز السعادة البشرية.

تأمّل المفكرون طويلاً حياة الإنسان في علاقتها مع طبيعته المعقّدة ومصيره المُقلق، وشغلهم ما تفرضه من حدود يعيشها تعيسا يتخبط في مشاكل تجعل عالمه جحيماً. لقد أصبح الوعي بهذه المشاكل هو السبيل إلى تجاوزها والتخلّص منها، وإلاّ غدت حياته عذاباً أو كما يقول أرتور شوبنهاور: “رحلة ذهاب وإياب بين الألم والسّقم”.

يستطيع الإنسان وحده أن يستحضر في الوعي المجرّد والتَفكّري بأن العالم هو ما يتصوّره، حسب شوبنهاور هذه حقيقة صالحة بالإحالة إلى كلّ وجود حيّ وعارف، فالعالم كتصوّر له نصفان جوهريان، الأول هو الموضوع وصوره المكان والزمان، والثاني هو الذات ولا يكمن في المكان أو الزمان. نقرأ في كتاب “العالم كإرادة وتصوّر” لشوبنهاور: “لا الشرور الكثيرة المألوفة لنا المتعذّر تجنبها، ولا النعم المتعذّر بلوغها، هي ما يقلقنا ويكدرنا، وإنما فقط الشأن التافه بدرجة أو بأخرى لما هو ممكن التجنّب والنّيل معا. في الواقع، ما يدعنا في سكينة ليس ما لا يمكن تجنّبه أو نيله إطلاقا فحسب، وإنما نسبياً أيضا”.

لقد مال أبو العلاء المعرّي إلى العزلة وتطلّع فيها إلى ايجاد ملجأ يقيه شرور البشر، فقال في خلوته: “بعدي من الناس بُرْءٌ من سقامهم / وقربهم للحجى والدين أدواء”، ويقول أيضا: “تمنّيت أنّي بين روض ومنهل / مع الوحش لا مِصراً أحُلُّ ولا كَفراً”. وجد المعري في بعده من البشر أمانا من العيش معهم في مجتمع يضج بالنفاق وسوء الأخلاق، ونقرأ له في ذلك: “إذا انفرد الفتى أُمنت عليه / دنايا ليس يؤمنها الخِلاط..فلا كذبٌ يقال ولا نميمٌ / ولا غلط يُخاف ولا غِلاط”.

كما طغى الشعور بالعزلة على نفس أبي حيان التوحيدي، فكان رغم حضوره يحس بالغياب وتلاحقه الغربة بين أهله، ومن كتاب “الإشارات الإلهية” نقرأ للتوحيدي: “..أبعدُ البُعَداء من كان بعيداً في محل قُربه، لأنّ غاية المجهود أن يسلو عن الموجود، ويُغمض عن المشهود، ويغضي عن المعهود، ليجد من يغنيه عن هذا كله بعطاء ممدود، ورفد مرفود، وركن موطود، وحدّ غير محدود”.

يؤمن إيريك فروم بأن الإنسان هو نتاج التطور الطبيعي الناشئ عن الصراع بين كونه سجين للطبيعة ومنعزل عنها، وبين حاجته لإيجاد وحدة وتناغم معها. ويؤمن فروم أيضا بأن طبيعة الإنسان هي تناقض متأصّل في ظروف الوجود الإنساني، وهذا التناقض يتطلب البحث عن حلول تخلق متناقضات جديدة، والحلول الخاصة بهذه المتناقضات يمكنها بالفعل أن تفي بالشروط اللازمة لمساعدة الإنسان، في قهر إحساسه بالعزلة.

جاء في رسالة كتبها مارتين هيدغر إلى حنة آرندت في عشرينيات القرن الماضي، ما يلي: “ألا يجب عليّ قريبا تحيّة الجبال في تجوّلي وحيداً في ربوعها، والتي ستلتقين مرة بسكينتها الصخرية، والتي يعود لك من خلال خطوطها ما خفي لك في وجودك. وسأختار بحيرة الجبل لكي أرى من الأعلى، من أوعر جانب له، عمقه الساكن”. عزل هيدجر نفسه بتوتناوبرغ، بادن، الغابة السوداء في جنوب ألمانيا، محاولا الإجابة من داخل وحدته وكوخه البسيط ، عن سؤال الكينونة، ليتمخّض تأمّله عن كتاب عنونه ب “الكينونة والزمان”. في رسالة أخرى إلى حنة يقول هيدغر: “عزيزتي، أعرف بأنك دائما هنا معي في طريقي المعزول، حيث وكما في الجبال أمام صخرة عريضة هناك وردة تنتظر. أكثر من هذا: توجد هنا فقط. أعتقد بأنها (الأزلية)، لا أجدها بطريقة أخرى”.

*كاتبة وإعلامية مغربية

الطبيعة البشرية العزلة الوباء

‫تعليقات الزوار

5
  • المذغري
    الخميس 8 أبريل 2021 - 06:27

    المشاكل والمطبات هي على نوعان:نوع ياتيك من نفسك وهو نتاج تصرفاتك أما النوع الثاني فيكون طرف خارجي عنك هو مسببه لك وكمثال على هذا النحو من المشاكل هو قيام الحكومة باءلغاء جميع الرحلات واءقفال الحدود ولكن قد اتفهم ذلك بالنسبة للرحلات الاءتية من دول بها حالات كرونا كثيرة(بالرغم من ضرورة ءاجراء تحليلpcr)ولكن الذي لا اتفهمه هو ءالغاء الرحلات وغلق الحدود في وجه من يريد الخروج؟؟؟؟؟!!!! أين سيضر المغرب في شيء لماذا الاءصرار على الغباء؟؟؟؟!!!!وخلق المشاكل للغير بالرغم من ان الاءمر يتعلق باءخراج كرونا وليس ءادخالها فرضا؟؟؟؟؟؟!!!!،(مع شرط pcr،)؟؟؟؟؟؟!!!!

  • Ali can
    الخميس 8 أبريل 2021 - 06:30

    نحن و لله الحمد مؤمنون و مسلمون و نحمد آلله على نعمة الإسلام . المسؤولون منا هم من سيحاسبون عند الله. هدا الوباء اللدي جعلوا منه سبب لكي يحاربوا الدين و الأمر أصبح واضح و جد واضح . و آلله العظيم لو أن لم يكن إحراج لإغلقت المساجد و فتحت المقاهي . الفيروس موجود ولكن يصيب من له مناعة 0% .أما الإحصائيات كلها مبالغ فيها. ودلك لأسباب لا أريد أن أدخل في التفاصيل.
    اللهم لا تحاسبنا و لا تأخدنا بما فعل السفهاء منا.
    خلاص إنها أدل حكومة عرفها المغاربة و عرفها المغاربة. من مهرج إلى طبيب نفسي.
    شكرا هسبريس

  • مغربي
    الخميس 8 أبريل 2021 - 07:01

    هدا اللي لينا على الحكومة اللي كتب علينا الله هي أسوأ من الوباء.
    السعي وراء المناصب و الامتيازات و انعدام الكفاءة و إخراج العينين و القرارات العشوائية………الخ.
    المهم امام ربكم تختصمون.

  • عبدو
    الخميس 8 أبريل 2021 - 08:52

    مرضنا و كدنا نموت و تشافينا، و الله لا حكومة و لا دولة نفعتتا ردّونا طردونا، و هنا سؤال الجدوى من وظيفتهما
    عطيونا تيساع كيفما طردتونا لمّا طلبنا حقّنا في الاستشفاء، وقرونا لعفووو منكم

  • %%%%
    الخميس 8 أبريل 2021 - 10:50

    la pendemie est devenue le pandoire sur le quel le gouvernement pose tous ces problème et ces échecs .

صوت وصورة
مسابقة لتعزيز قيم التعايش
الجمعة 23 أبريل 2021 - 12:10 5

مسابقة لتعزيز قيم التعايش

صوت وصورة
أوجار  يرد على وهبي
الخميس 22 أبريل 2021 - 23:21 144

أوجار يرد على وهبي

صوت وصورة
طريقة الانخراط في التغطية الصحية
الخميس 22 أبريل 2021 - 22:30 6

طريقة الانخراط في التغطية الصحية

صوت وصورة
لقمة العيش بكرامة
الخميس 22 أبريل 2021 - 20:11

لقمة العيش بكرامة

صوت وصورة
علاش تسمات حلوى الغريبة
الخميس 22 أبريل 2021 - 18:00 9

علاش تسمات حلوى الغريبة

صوت وصورة
منازل الروح: علاقة التوكل على الله بالهمة
الخميس 22 أبريل 2021 - 17:00 1

منازل الروح: علاقة التوكل على الله بالهمة