القراءة أرقى أشكال العصيان

القراءة أرقى أشكال العصيان
الإثنين 10 غشت 2026 - 10:53

لا أريد أن أعد الكتب التي قرأتها خلال عام كامل، حتى لو كان ذلك إنجازاً لم يكن متاحاً لي قبل سنوات، لكن هذا الإنجاز لا يمكن أن يبدد الشعور التاريخي المستمر بـ”المذلة” عندما أسمع بكتاب عظيم آخر لم اقرأه بعد! فمهما قرأ الإنسان يبقى يشعر بأنه لم يقرأ ما يكفي لجعلة مطمئنا على طريقة تفكيره.

ففي زمنٍ يتفتّت فيه الانتباه كما لو أن الوعي نفسه أصبح شاشة مكسورة، تعود القراءة كفعل مقاومة لا كعادة ثقافية. لم يعد القارئ المعاصر قارئاً بالمعنى التقليدي، بل ناجياً من طوفان الشاشات، يلتقط أنفاسه بين موجة وأخرى، ويصرّ على أن للإنسان حقاً في أن يبطئ الزمن ولو لصفحة واحدة. القراءة اليوم بغض النظر عن نوعها وطبيعتها رقمية كانت أم ورقية، ليست هواية، بل احتجاج على عالم يريد أن يحوّل كل شيء إلى سرعة، وكل معنى إلى موجز، وكل فكرة إلى “ريل” من عشر ثوانٍ على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب.

يشبه القارئ الآن من يشعل شمعة في غرفة مضاءة بالكهرباء، ضوءٌ صغير، لكنه يذكّر بأن الضوء الحقيقي ليس ما يسطع، بل ما يكشف. في الصحراء الرقمية التي نعيش فيها، يمشي القارئ كمن يبحث عن واحة ليست ماءً، بل معنى. ولأن هذا العطش للمعنى لم يعد خافياً، بدأت الثقافة الشعبية نفسها تعيد اكتشاف قيمة الذكاء وربما لهذا السبب تحديداً، كما تشير جيس كارتنر-مورلي في صحيفة الغارديان، أصبح الذكاء “الكول الجديد” في الثقافة الشعبية. ففي اللحظة التي تنحدر فيها السياسة إلى مستوى الثرثرة الشعبوية، وتتحول فيها الخطابات العامة إلى عروض بهلوانية، يعود الكتاب كعلامة على الجاذبية، وكأن العالم يكتشف فجأة أن العقل يمكن أن يكون مثيراً.

تتحدث مورلي في مقالها الرائع عن نجمات بوب يقرأن كامو ودوراس وفرجينيا وولف، وعن عارضات أزياء يحملن كتب ديديون ومارغريت آتوود خلف الكواليس، وعن منصات رقمية تتحول إلى ملاذ لمن يريد أن يفكر خارج ضجيج الخوارزميات.

هذا ليس مجرد تحول في الموضة، بل علامة على جوعٍ عميق للمعنى. فجيل وُلد في قلب العاصفة الرقمية، وتربّى على الشاشات، بدأ يشعر بأن العالم الذي صُمّم له لا يكفيه. يريد شيئاً آخر: عمقاً، فكرة، جملة تُبطئ نبضه قليلاً.

لكن المفارقة هنا لافتة، القراءة تعود في اللحظة نفسها التي ينهار فيها الخطاب العام تحت ثقل التفاهة. كأن الكتاب أصبح اللغة السرية لمن يرفضون أن تتحول حياتهم إلى موجز رقمي بلا ذاكرة. وكأن القارئ، في هذا الزمن، يمارس نوعاً من العصيان الهادئ: يفتح كتاباً بينما العالم يفتح هاتفه، يقرأ بينما الآخرون يمرّرون الشاشات بإصبع واحد، يختار أن يغوص بينما الجميع يطفو على السطح.

هذا التحول لا يمكن قراءته بوصفه “موضة ثقافية” فقط، بل بوصفه رد فعل وجودي على عالم يزدري البطء، ويخاف من العمق، ويعامل التفكير كترف غير ضروري. القراءة هنا ليست بحثاً عن المعرفة، بل بحثاً عن الذات. ليست محاولة لفهم العالم، بل محاولة لفهم ما تبقى من الإنسان داخل هذا العالم. وربما لهذا السبب تحديداً، كما تقول مورلي، أصبح حمل كتاب أكثر إثارة من حمل حقيبة باهضه الثمن أو ارتداء عقد ألماس، ليس لأن الكتاب أجمل، بل لأنه يعلن شيئاً، أن صاحبه ما زال يملك قدرة على التفكير، وأنه لم يستسلم بعد لسطوة الخوارزميات.

إن القارئ اليوم يشبه من يزرع شجرة في زمن يفضّل البلاستيك. يشبه من يصرّ على أن للمعنى وزناً، وللكلمات حياة، وللوقت قيمة لا تُقاس بعدد الإشعارات وعدد المتابعين على أكس وفيسبوك.

القراءة ليست عودة إلى الماضي، بل محاولة لإنقاذ المستقبل من السطحية التي تبتلعه. هي فعل مقاومة ضد عالم يريد أن يجعل الإنسان مجرد مستهلك، لا كائناً يفكر ويشك ويبحث.

ولعل أجمل ما في هذا التحول أنه يعيد الاعتبار لفكرة بسيطة، أن الإنسان لا يُعرّف بما يملك، بل بما يقرأ. وأن الكتاب، مهما بدا قديماً، يظل قادراً على أن يفتح نافذة في جدار العالم. وأن القارئ، مهما بدا وحيداً، يظل آخر من يذكّرنا بأن العقل ليس رفاهية، بل ضرورة للبقاء.

في النهاية، ليست القراءة مجرد فعل ثقافي، بل فعل نجاة. نجاة من الضجيج، من التفاهة، من السرعة، من العالم الذي يريد أن يختصر الإنسان في شاشة. القراءة هي ذلك العصيان الهادئ الذي يمارسه القارئ ضد زمنٍ يكره الهدوء. وهي، في جوهرها، محاولة لاستعادة ما فقدناه: القدرة على أن نفكر ببطء، وأن نشعر بعمق، وأن نرى ما وراء السطح.

ولعل هذا وحده يكفي ليجعل القراءة اليوم أكثر الأفعال ثورية. فلا توجد سعادة أكثر من أن يمتلك المرء اطمئنانا معيشيا، يجعله يقرأ ويقرأ ويفكر بما لم يقرأه بعد كي يستعد له في الغد!.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    الأربعاء 12 غشت 2026 - 07:22

    “You don’t have to burn books to destroy a culture. Just get people to stop reading them”
    “ليس عليك حرق الكتب لتدمير ثقافة ما، يكفي أن تجعل الناس يتوقفون عن قراءتها”
    Ray Bradbury
    (1920-2012)

    “Les livres restent, en définitive, avec le feu, la seule façon de combattre les ténèbres”
    ” تظل الكتب في النهاية، إلى جانب النار، الطريقة الوحيدة لمحاربة الظلام”
    Mathias Énard

    أبدعت يا كرم في وصف هذا الاغتراب الرقمي، فصدقت حين جعلت القراءة طوق نجاة، لكنني أتشوق لتلك الأيام الخوالي حين كانت رائحة الورق وصفحات الكتب تمنحنا سكينة لا تعوضها شاشات العصر الحديث. ليتنا نعود لذلك الزمن الجميل والبطيء الذي كان فيه الكتاب أنيساً حقيقياً يربطنا بجوهرنا الإنساني الأصيل دون صخب الخوارزميات. ومع ذلك، فإن النضال الفكري اليوم يتطلب منا ألا ننكفئ على الماضي وحده، بل أن نتأقلم بذكاء مع واقعنا الرقمي الجديد لنصنع لأنفسنا واحة من المعنى وسط هذا الطوفان. إن إشعال الشمعة في عتمة الشاشات لا يكون بالبكاء على الأطلال، بل باتخاذ القول والفكر سلاحاً لنضيء به عقول جيل كامل كاد يغرق في السطحية والسرعة.

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
ميطا 3 | فوز "الأسود" على الغابون
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 21:43 3

ميطا 3 | فوز "الأسود" على الغابون

صوت وصورة
بنعبد الله وعزوف "شعب اليسار"
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 20:19 6

بنعبد الله وعزوف "شعب اليسار"

صوت وصورة
نتائج الانتخابات ومرشحو رئاسة الحكومة
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 17:54 8

نتائج الانتخابات ومرشحو رئاسة الحكومة

صوت وصورة
البطالة تُهجّر شباب تيفلت
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 14:42 5

البطالة تُهجّر شباب تيفلت

صوت وصورة
أسعار اللحوم تواصل الارتفاع
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 10:48 12

أسعار اللحوم تواصل الارتفاع

صوت وصورة
خصاص الكتب يرهق الأسر
الخميس 24 شتنبر 2026 - 23:48

خصاص الكتب يرهق الأسر