"القرعة" تحسم صفقات عمومية وتعيد الجدل حول احترام مبدأ التنافسية

"القرعة" تحسم صفقات عمومية وتعيد الجدل حول احترام مبدأ التنافسية
صورة: و.م.ع
الأحد 6 شتنبر 2026 - 10:00

أعادت حالات لجوء إلى “القرعة” لحسم صفقات عمومية النقاش حول مدى احترام مبدأ التنافسية في تدبير الطلبيات العمومية، بعدما تحولت هذه الآلية، التي يفترض أن تظل وسيلة استثنائية للفصل بين العروض المتساوية، إلى مخرج تكرر في بعض صفقات الحراسة والتنظيف وصيانة المساحات الخضراء.

وجددت هذه الحالات، في الوقت نفسه، التساؤلات حول فعالية قواعد تقييم العروض المعمول بها منذ دخول المرسوم رقم 2.22.431 حيز التنفيذ، خصوصاً عندما تنتهي المنافسة بين عدد كبير من المقاولات إلى عروض مالية متطابقة أو متقاربة بشكل لا يتيح للجان طلب العروض تمييز عرض عن آخر، فتنتقل عملية الاختيار من المفاضلة بين المتنافسين إلى سحب اسم الفائز.

وأثار هذا الوضع انتباه الفاعلين في مجال الصفقات العمومية، بالنظر إلى أن المنافسة يفترض قيامها على إبراز الفوارق بين المقاولات من حيث الكفاءة والخبرة والقدرة التقنية وجودة الخدمات، وليس فقط على الوصول إلى أقل نسبة مالية ممكنة. غير أن اعتماد معيار السعر في بعض هذه الصفقات دفع المتنافسين عملياً إلى الاقتراب من القيمة نفسها، ما زاد فرص الوصول إلى مرحلة القرعة.

معادلة غير مريحة

أكد الدكتور محمد شعبو، المتخصص في الصفقات العمومية والحكامة الحضرية، بروز الإشكالية بشكل خاص في الصفقات التي تم فيها اعتماد أقل نسبة زيادة مقارنة بالكلفة التقديرية التي حددتها الجهات صاحبة المشاريع؛ فبمجرد معرفة المتنافسين أن هذه النسبة تمنح العرض الأفضلية يتجه عدد منهم إلى تقديم النسبة نفسها أو نسب متقاربة جداً، ما يجعل الفارق بين العروض ينكمش إلى درجة قد يستحيل معها ترتيبها على أساس السعر.

واستدل شعبو، في تصريح لهسبريس، بحالة افتراضية بسيطة لكشف حجم المفارقة، موضحاً أنه إذا حددت الإدارة الكلفة التقديرية لصفقة تنظيف في 500 ألف درهم، وتقدمت عدة مقاولات بنسبة زيادة لا تتجاوز 0.01 في المائة، فإن قيمة العرض ستصل إلى 500 ألف و50 درهماً، ما يعني إمكانية حصول عدد كبير من المتنافسين على السعر نفسه، وعندها تصبح “القرعة” الأداة التي تحسم اسم صاحب الصفقة.

وأضاف المتخصص في الصفقات العمومية أن هذه الوضعية وضعت المقاولات الجادة أمام معادلة غير مريحة، بعدما وجدت شركات استثمرت في مواردها البشرية وتجهيزاتها وتكوين عمالها وتحسين آليات مراقبة الجودة نفسها في المستوى ذاته مع متنافسين آخرين لحظة الحسم، ما دام العامل المالي انتهى إلى نتيجة متطابقة.

رهان المفاضلة بين العروض

لم يعد الإشكال مرتبطاً بمبدأ “القرعة” في حد ذاته، وإنما بتكرار اللجوء إليها نتيجة طريقة تقييم دفعت العروض نحو التطابق، ما يجعل استمرار هذا الوضع سبباً مباشراً في إضعاف حافز المقاولات على الاستثمار في الجودة والكفاءة، ما دام الحسم النهائي خاضعاً لـ”الحظ”.

وأعاد هذا الوضع أيضاً طرح سؤال جوهري حول طبيعة التنافسية التي يفترض أن تحكم الطلبيات العمومية؛ فإذا كان الهدف من فتح المنافسة هو اختيار العرض الأفضل والأكثر قدرة على تنفيذ الالتزامات التعاقدية فإن الوصول إلى مرحلة تتساوى فيها عروض عشرات المقاولات ثم حسمها بالقرعة يجعل العملية التنافسية عاجزة عن أداء وظيفتها كاملة.

وفتحت “القرعة”، في هذا السياق، نقاشاً يتجاوز الجانب الإجرائي إلى فلسفة إسناد الصفقات العمومية؛ فالمساواة بين عروض متطابقة لا تعني بالضرورة تحقيق منافسة فعلية، خصوصاً أن المقاولات المشاركة قد تختلف في خبراتها وإمكاناتها البشرية والتقنية وقدرتها على ضمان استمرارية الخدمات.

وأثارت صفقات الحراسة والتنظيف وصيانة المساحات الخضراء حساسية خاصة، لأنها تعتمد بدرجة كبيرة على اليد العاملة وتتطلب تعبئة موارد بشرية ومعدات وتنظيماً مستمراً، وبالتالي لا يعكس اختزال المنافسة في الفارق المالي بالضرورة قدرة المقاولة الفائزة على تقديم أفضل خدمة مقابل المال العام.

وتتجه الأنظار، في ظل هذا النقاش، إلى الحاجة إلى إعادة تقييم وزن السعر في مثل هذه الصفقات، واعتماد معايير أكثر قدرة على إظهار الفوارق بين المتنافسين قبل الوصول إلى مرحلة التعادل. ويمكن أن تشمل هذه المعايير الخبرة السابقة، والكفاءة التقنية، ومؤهلات الموارد البشرية، والوسائل والمعدات، ومنهجية العمل، وجودة الخدمات المنجزة، ومدى احترام الالتزامات الاجتماعية والقانونية.

جودة الإنفاق العمومي

أعاد تكرار “القرعة” أيضاً تسليط الضوء على أحد التحديات التي تواجه إصلاح منظومة الصفقات العمومية بعد سنة 2023، الذي استهدف تعزيز الشفافية وتوسيع قاعدة الولوج إلى الطلب العمومي وتحسين فعالية الإنفاق العام؛ فالشفافية، وفق هذه القراءة، لا تقتصر على رقمنة المساطر ونشر المعطيات، وإنما تشمل أيضاً ضمان أن تؤدي قواعد التقييم إلى اختيار العرض الأفضل وفق معايير موضوعية.

وتزداد أهمية هذا النقاش عندما يتعلق الأمر بصفقات ممولة من المال العام، لأن الحسم بالقرعة لا يجيب بالضرورة عن السؤال المتعلق بأفضلية المقاولة الفائزة من حيث جودة التنفيذ. وقد يكون العرضان متساويين من الناحية المالية لكنهما غير متساويين بالضرورة من حيث الخبرة والموارد والقدرة على تنفيذ الالتزامات.

وتطرح هذه المفارقة نفسها بحدة أكبر عندما تتكرر القرعة في القطاع نفسه والصفقات نفسها، إذ يصبح الأمر مؤشراً يستدعي البحث في أصل المشكلة، بدل الاكتفاء باعتبار القرعة مجرد إجراء نهائي للفصل بين المتعادلين؛ فكلما ارتفع عدد حالات التعادل ارتفع في المقابل السؤال حول مدى قدرة نظام التنقيط على صناعة فروق حقيقية بين العروض.

وتفرض هذه المعطيات إعادة فتح النقاش حول العلاقة بين السعر والمنافسة وجودة الإنفاق العمومي، خصوصاً أن تخفيض قيمة الصفقة لا يعني بالضرورة تحقيق أفضل مردودية للمال العام. وقد يؤدي الضغط المفرط على الأسعار، في بعض الحالات، إلى انعكاسات مباشرة على جودة الخدمات وعلى ظروف اشتغال آلاف العاملين في قطاعات الحراسة والتنظيف والمساحات الخضراء.

وتبرز هنا أيضاً مسؤولية أصحاب المشاريع في مراقبة مرحلة التنفيذ، لأن اختيار المقاولة، سواء بالمفاضلة أو “القرعة”، لا ينهي مسؤولية الإدارة، بل يتعين أن تتأكد خلال التنفيذ من احترام الشركة التزاماتها التعاقدية والاجتماعية، ومن توفير الموارد البشرية والمعدات اللازمة، ومن ضمان جودة الخدمة وفق الشروط المحددة في دفتر التحملات.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • *مناضل حر *
    الأحد 6 شتنبر 2026 - 10:28

    خاص الدولة تعيد النظر في شروط الاستفادة من الصفقات العمومية وما تبقاش الصفقة العمومية مجرد مشروع تربح فيه الشركات.
    أي شركة بغات تدخل غمار الصفقات العمومية وتستافد من مشروع عمومي خاصها تكون ملزمة بشروط اجتماعية واضحة من بينها أن يكون على الأقل 70% من العمال ديالها لي غادي يشتغلو في المشروع مرسمين مع الشركة وأن يكون 100% من العمال اللي غادي يشتغلو في المشروع مصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
    خاص الشركة تكون ملزمة بالتوفر على تأمين ساري المفعول يغطي العمال والورش والمخاطر المرتبطة بالمشروع.
    هاد الشروط كون منصوص عليها بوضوح في دفتر التحملات وتكون مراقبتها مستمرة طيلة مدة تنفيذ المشروع.
    إلى كانت الشركة باغية تستافد من المال العام خاصها بالمقابل تلتزم بالتشغيل.ماشي جيب عمال بعقود عمل 6 أشهر ضرب بهم تمارة تربح فلوس صيفطهم فحالهم.لي باغي يدخل للصفقات العمومية “إما يدخل صحيح أو يخوي الطريق”.
    يا دولة الحماية الاجتماعية.

  • samili abdelaali
    الأحد 6 شتنبر 2026 - 10:55

    للتوضيح جميع الشركات المتنافسة تقدم نفس الثمن ، وبدل اأن تضع ثمن البيع prix de vente هو ثمن الفوز بالصفقة .تضع ثمن التكلفة prix de revein , ثم تضع هامش ربح يساوس 0.01% فتصبح جميع العروض متساوية ، أي أن نسبة الربح المفروضة تكون قريبة من درهم ، وعند الحصول على الصفقة تبدأ الطرق الملتوية وأكبر متضرر العامل البشري ومن خلاله الجودة

  • اللهم اني قد بلغت
    الأحد 6 شتنبر 2026 - 12:04

    هناك تقصير واضح من اللجنه المركزيه
    حيث تجد كل اداره تعمل قانونها لوحدها وشروطها لوحدها وتجد الاختلاف بين النفس الوزاره وفي نفس المدينه
    هناك من يضع شروط المواد الاساسيه ان تكون خارجيه اي ان تاتي من خارج المغرب
    هناك من يضع شروط تعجيزيه غير قابله للتنفيذ
    لغرض في النفس يعقوب

  • عيد سعيد
    الأحد 6 شتنبر 2026 - 12:34

    المشكل في كلمة “عروض متطابقة” التي تفتح التاأويلات حيث يعتبرها البعض التي بينها تفاوت بسيط و البعض الآخر الدي يحدد نسبة التفاوت لدالك. بينما الأصل أن التطابق يعني التساوي.

  • مان
    الأحد 6 شتنبر 2026 - 12:41

    القرعة هي مدخل لخواض … بالنسبة لتقديم الاسعار من طرف المتنافسين، الاحتمال أن تكون أسعارهم متقاربة ، بعيد جدا ، اللهم إذا كانت أيادي خفية تعطي جميع المعطيات السرية للمتنافسين

  • Hassan Aitsibaha
    الأحد 6 شتنبر 2026 - 12:52

    يجب منح الصفقة لمن يؤدي ضراءب اكتر مقارنة بحجم المعاملات والسلام. هل قد استفادت الدولة ةاستفادت الشركة الرابحة الصفقة.

  • اجير
    الإثنين 7 شتنبر 2026 - 13:28

    هذا الوضع من بين الأسباب التي نحتج عليها منذ عقود صفقات عمومية لا تحترم حقوق عشرات الآلاف من اعوان الحراسة والنظافة والطبخ في مؤسسات عمومية رغم ما تقدمه هذه الفئة من خدمات جليلة اجور لا تصل الحد الادنى للاجور وغياب التصريح الكامل لنساء النظافة والطبخ والكثير من الاعوان أليس هذا عبثا بحقوقنا الاجتماعية في ظل الغلاء المعيشي والتزامات مادية كبيرة للاسر …

صوت وصورة
جلسة عمل | جمال العسري
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 23:45

جلسة عمل | جمال العسري

صوت وصورة
خريجو أوكرانيا ينتظرون الحل
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 23:36

خريجو أوكرانيا ينتظرون الحل

صوت وصورة
أكتوبر الوردي.. بين الإعلانات والمعاناة
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 22:00 1

أكتوبر الوردي.. بين الإعلانات والمعاناة

صوت وصورة
تعقيبات على البرنامج الحكومي
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 21:30

تعقيبات على البرنامج الحكومي

صوت وصورة
المنصوري: إجراءات واقعية وأرقام محددة
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 19:09 8

المنصوري: إجراءات واقعية وأرقام محددة

صوت وصورة
تحيين الرسوم العقارية لحماية الملكية
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 18:00 1

تحيين الرسوم العقارية لحماية الملكية