الكتابة .. تأويلٌ للزمن

الكتابة .. تأويلٌ للزمن
الثلاثاء 7 أبريل 2026 - 22:04

ليست الكتابة انحيازاً إلى العدم، ولا هي مهنةٌ تُختبر بحظٍّ عابر أو فرصةٍ فائتة؛ إنها، في جوهرها، فعلُ امتلاءٍ لا يقبل الفراغ، ونداءُ حضورٍ يتجدد كلما توهّم العالم غيابه. ذلك أن الحرف، كما ألمح أبو حيان التوحيدي، لا يسكن صاحبه بقدر ما يستولي عليه، حتى يغدو الوجود نفسه مُعادَ ترتيبِه على إيقاع الكتابة، حيث قال: “لقد استولى عليّ الحرف وتمكن مني نكد الزمان”، وكأن الزمن، في قسوته، لا يُقاوَم إلا بالكتابة التي تعيد تأويله.

إنها، بتعبير رولان بارت، ليست مجرد نقلٍ للمعنى، بل “ولادةٌ دائمة للمعنى”، حيث لا يُكتب النص مرةً واحدة، بل يُولد في كل قراءة، ويُعاد خلقه في كل عينٍ تتأمله. ومن ثمّ، لا يمكن للكتابة أن تنتمي إلى الفشل، لأنها تُحوّل الهشاشة إلى أثر، والغياب إلى حضور، والخسارة إلى شكلٍ من أشكال الامتلاء الرمزي.

ولعل ما يجعل الكتابة عصيّةً على العدم هو هذا التوتر الخلّاق الذي أشار إليه موريس بلانشو حين رأى فيها اقتراباً من “الحيّز الذي يتكلم فيه الغياب”، حيث تصبح الكتابة مقاماً بين الوجود واللاوجود، لا لتستقرّ في العدم، بل لتفضح حدوده وتجاوزه. فهي لا تُنهي الفراغ، بل تكشفه، ولا تستسلم للصمت، بل تُعيد صياغته.

في هذا المعنى، يغدو الحرف كائناً مراوغاً، “ابناً ذلولاً” كما لو أنه يتخفّى في عتمة الليل، لا لينطفئ، بل ليصطاد من عمق الظلال ذلك “الغزال” الذي هو العمر نفسه، في شقائه ونشوته. وهنا تلتقي الكتابة بما أشار إليه محمود درويش حين قال إن الشاعر “يكتب كي لا يموت”، لا بمعنى النجاة البيولوجية، بل بوصف الكتابة شكلاً من أشكال مقاومة العدم الرمزي.

لا تعود الكتابة أثراً دنيوياً يُقاس بالحضور أو الغياب، ولا مقاماً يُختبر بالنجاح أو الإخفاق، بل تجربة وجودية تُعاد فيها صياغة الذات في مواجهة الزمن. فإذا كان الزمن نكداً كما قال التوحيدي، فإن الحرف ليس سوى طريقٍ آخر لمراوغته، أو لعلّه، في أعمق تجلياته، الشكل الوحيد الممكن للنجاة منه.

يمكن تعميق هذا التصور للكتابة بوصلها بسياقاتها السوسيولوجية التي تكشف عن موقعها في بنية السلطة وإكراهات العيش، حيث لا تنفصل القيمة الرمزية للكلمة عن شروط إنتاجها المادية. فالكتابة، وإن بدت فعلاً وجودياً متعالياً، فإنها تظل، في كثير من السياقات، مرهونة بميزان الاعتراف الاجتماعي الذي تحدده مؤسسات الثقافة والسلطة معاً، وهو ما أشار إليه بيير بورديو حين ربط الحقل الثقافي بمنطق “رأس المال الرمزي”، حيث لا تُمنح القيمة للنصوص إلا داخل شبكة من الاعترافات والمؤسسات التي تمنحها شرعيتها.

من ثمة، يمكن فهم هشاشة وضع الكاتب في مجتمعات عديدة، حيث تتجسد الفجوة بين القيمة المعنوية للكتابة وواقعها المادي، في ظل ما يمكن تسميته بـ“اقتصاد الحرمان الرمزي”، حيث لا يُكافأ الإبداع دائماً بما يستحقه من تقدير أو دعم. وهنا يتقاطع التحليل السوسيولوجي مع رؤية أنطونيو غرامشي حول الهيمنة الثقافية، إذ لا تقتصر السيطرة على البنية الاقتصادية، بل تمتد إلى التحكم في إنتاج المعنى ذاته، بما يجعل الكاتب في موقع مقاومة دائمة ضد أشكال التهميش.

وفي السياق ذاته، يذهب ميشيل فوكو إلى أن الخطاب ليس بريئاً، بل محكوم بشبكات من السلطة والمعرفة، ما يعني أن الكتابة نفسها تدخل في لعبة القوة، حيث تُحدَّد حدود القول ومجالات الصمت وفقاً لتوازنات دقيقة بين ما يُسمح بكتابته وما يُقصى. ومن هنا، فإن معاناة الكاتب ليست فقط مع الزمن، بل مع نظامٍ رمزي يحدد قيمة الكلمة وجدواها.

أما على المستوى الفلسفي، فإن استحضار جان بول سارتر يفتح أفقاً آخر لفهم الكتابة بوصفها التزاماً وجودياً، حيث لا ينفصل الفعل الكتابي عن المسؤولية الأخلاقية للكاتب تجاه العالم. فالكتابة، بهذا المعنى، موقف من العالم، وفعل يتجاوز حدود الذات نحو مساءلة الواقع وإعادة تشكيله.

غير أن هذا الامتلاء المعنوي للكتابة يتناقض، في كثير من الأحيان، مع واقعها المعيشي القاسي، حيث يُترك الكاتب في مواجهة هشاشته الخاصة، محاصراً بين سموّ المعنى وضيق العيش. وهنا تتبدى المفارقة المؤلمة. فبينما تمنح الكتابة صاحبها خلوداً رمزياً، قد تعجز المجتمعات عن منحه الحد الأدنى من الكرامة المادية، في تعبير صارخ عن اختلال العلاقة بين الثقافة والسلطة.

إن الكتابة تتجلى كفعل مقاومة مزدوج. مقاومة للعدم من جهة، عبر تحويل الغياب إلى حضور، ومقاومة لواقع اجتماعي يسعى أحياناً إلى تهميشها أو تقزيمها من جهة أخرى. إنها، في نهاية المطاف، ليست فقط حروفاً تُنقش على الورق، بل معركة وجودية يخوضها الكاتب في مواجهة الزمن، والسلطة، وهشاشة الحياة، بحثاً عن معنى يليق بكرامة الكلمة والإنسان معاً.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • MC
    الأربعاء 8 أبريل 2026 - 06:57

    “Sheer egoism. Desire to seem clever, to be talked about, to be remembered after death، it is humbug to pretend this is not a motive”

    “الأنانية البحتة؛ الرغبة في أن تبدو ذكياً، وأن يتحدث الناس عنك، وأن يتذكروك بعد الموت، من الزيف التظاهر بأن هذا ليس دافعاً (للكتابة).”
    (George Orwell)

    “I write so that my friends will love me more”
    “أنا أكتب لكي يحبني أصدقائي أكثر”
    (Gabriel García Márquez)
    (حول الكتابة كوسيلة لتبديد العزلة)

    “إن الكتابة هي الرهان الأخير ضد النسيان، حيث يرمي الكاتب بكلماته في وجه الزمن ليوقف تآكل الذاكرة”
    أستاذ غلمان،
    لقد استنطقتَ في مقالك ألمًا دفيناً يجمع بين سمو الفكر وهشاشة الوجود، فالحرف فعلاً هو تلك المقاومة التي تجعل من عذاباتنا نصاً جمالياً متجاوزاً. وأرى أن معاناتك مع “نكد الزمان” ليست قدراً بائساً، بل هي وقود الوعي الذي يجعل للكلمة وزناً في ميزان الحقيقة مقابل زيف المؤسسات المادية. إنك بمراوغتك للعدم، تبرهن على أن القيمة الرمزية تظل عصية على التدجين مهما اشتدت الضغوط السوسيولوجية، فالمعنى الذي تولده القراءة هو حياة متجددة لا تملكها سلطة.

    ALHOCEIMA

  • Ahm Ben
    الخميس 9 أبريل 2026 - 08:42

    -انما الكلام لفي الفؤاد وانما جعل اللسان على الفؤاد دليلا.

    -انما الكلم(وليس الكلام) لفي الخيال
    وانما جعل الحرف على الخيال سبيلا.

    الحرف تقييد والخيال اطلاق.
    الحرف بيان والخيال برهان.
    الحرف مبنى والخيال معنى.
    الحرف ناسوت والخيال لاهوت.
    الحرف صراط والخيال بلاط.
    ……..
    الخيال محيط الحرف شاطءه.

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 2

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 2

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 4

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان