في أعالي شجرة ترتفع في وسط ضيعة فلاح، كان يعيش لقلاق أبيض رفقة فراخه، وكان عشه محاطا بحقول الخس ونبات الفصة.
وكان ذاك اللقلاق من أشد الطيور غرورا وتفاخرا بقامته الجميلة وأناقته الفائقة، إذ كثيرا ما كان يتباهى برجليه الطويلتين وبريشه الأبيض الناعم، وكثيرا ما كان يسخر من طيور النورس لقصر أرجلها، ومن الغربان لقبحها وسواد ريشها. وكان دائما يقول بأن عشه لابد أن يكون عاليا مثل مقامه العالي بين بني جنسه، ووصل به الحد إلى أنه تكبر وأقصى الدود والحشرات من حميته.
وبما أنه كان صيادا ماهرا، فإنه كان يغزو مياه البحيرة بمنقاره ويقتات بسمك طازج ولذيذ، ويغذي أبناءه الصغار الذين لم يكونوا يفارقون العش. وكان كبرياؤه يزداد يوما بعد يوم، حتى بدأ ينعزل عن أقرانه، ولم يعد يجالسهم أو يرافقهم.
في يوم من الأيام، وبعد أن نفذ مخزون غذائه وغذاء أبناءه، حلق كالعادة نحو البحيرة، وبدأ يناور بمنقاره تحت الماء ويجول طولا وعرضا، ولكن، ولأول مرة في تاريخه الحافل بالانتصارات، لم ينجح في اصطياد ولو سمكة صغيرة واحدة.
وعاد إلى عشه مطأطأ الرأس، خالي الوفاض منهك القزى، ليستسلم للنوم عند غروب الشمس، وأبناؤه يتضورون جوعا. وفي منامه زارته غربان حاولت تلطيخ ريشه بأرجلها، وحاول اللقلاق أن يدافع بكل ما أوتي من قوة، ويصرخ في وجوه الذين غاروا من ريشه الأبيض البراق، ثم استيقظ وهو يهوي نحو الأرض، ليرتطم بكومة من روث البقر، فغاص فيه؛ وبعد جهد كبير تخلص من تلك الورطة، وطار إلى أعلى شجرة قبالة عشه.
وعلى ضوء القمر عاين تلك القذارة التي التصقت بريشه الذي أصبح لونه يميل إلى السواد، كما تقزز من الرائحة الكريهة التي كانت تنبعث منه. وصب جام اللعنات على الغربان وأهلها، وحتى لا يكون عرضة للتهكم وشماتة الطيور قرر عدم تأجيل تنظيف ريشه إلى الصباح.
فحلق ورسا عند شط البحيرة، وبدأ يغطس في الماء ويتلوى حوله، لكنه لم ينجح في إعادة بياض ريشه ولمعانه، فتذكر كيف تخرج طيور النورس من المياه أثناء الصيد، وهي تلمع بياضا. وعزم تقليدها، فارتفع عاليا فوق المياه العميقة والداكنة، وارتمى بكل قوة نحو الأسفل فشق سطح الماء مثل طوربيد أطلق من السماء، وغاص، وفاهه مفتوح بحكم العادة، وكانت دهشته كبيرة عندما ارتفع من الماء، وسمكة وازنة تلتوي بين فكي منقاره. عندها حط في عشه، وريشه يعكس ضوء القمر، وأكل، وأطعم أبناءه، ووضع جزءا من الصيد جانبا، لعل الغربان تزوره ثانية.
ومنذ تلك الليلة، غدا اللقلاق الأبيض أكثر تواضعا، وأعاد إدراج الدود والحشرات في طعامه ، وأصبح من ألطف الطيور وأحبها إلى قلب البشر.
و لمادا لا يحب البشر اللقلاق الا و هو ياكل الحشرات ، لمادا لا يحبونه و هو جميل راق دو دوق و انفة؟ لمادا لا يحبونه الا و هو خاضع لقانون الغربان؟ لمادا لا يرضون عنه و هو في سموه و عليائه؟ لمادا لا يرضى عنه البشر الا و هو في اسمال التواضع و الوضاعة و المسكنة ؟ و لمادا يكون استبداله العظمة بالحشرات محمودا؟ لمادا لا تحب الجماعات الافراد المتميزين الساعين الى الاحسن و لمادا يعاندون فطرة الانسان التي تتوق الى الافضل و التميز و لمادا تحرص الجماعات على ثقافة الافول و الانكماش و تغضب عن كل من يشرئب براسه الى سماوات اكثر نقاء ؟الجماعات تعيق انطلاق المتميزين بقيود الاخلاق الزائفة مثل التواضع الدي هو قناع الفاشلين الوجلين ،و لا ترضى عنك الجماعة الا و انت خاضع للاغربان تتمرغ في روث البهائم، ساعتها يتنفسون الصعداء و يعودون الى بهيميتهم و سلمهم الحيواني الروتيني ،كل من يضع عشه في العلا يكون في مرمى احقادهم و شكواهم، التواضع و القناعة و البساطة هي قانون الجادبية التي تهوي بالبشرية الى القاع و العصا التي يرفعها الهانئون في بهيميتهم على الارواح الهادرة التي لا تقنع الا بالسماوات
إلى المعلق كاره الضلام
تعليقك جميل وصائب إلا أن أخلاق التواضع والقناعة لا تتنافى مع العلو وألعظمة والسمو إلى الأعلى أبدا
كيفما كان اللقلاق متميزا،لا بد له ان يخضع لسوط النقد حتى لا يتحول،وهو في غمرة الانتشاء بالذات،الى ديكتاتور يخال اليه انه خُلق ليُعبَد
لا نريد ان نعبد الطريق لللقلاق نحو الاستبداد.نعترف بجماله وقدرته على الابداع اكثر من غيره لكننا لا نريد ان نجعل منه زعيما مقدسا ونخلي له الطريق ليسقط الى الهاويه.لابد ان نقوم اخطاءه حتى لا يجرنا معه الى السقوط
لا تحرص على ان يبقى ريشك ابيضا ناصعا و لا تبد انيقا لكي لا تغيظ الغربان، لا تسع الى السمو و الفضاءات العلوية و لا تحرص على صورتك و لا تجعل كرامتك و كبريائك فوق الخبز و لا تترفع عن الحشرات ، اياك ان ترفرف فتستفز المقعد الكسيح المتشبث بالغبار،لا تقترف الجمال فتصيب بالسعار كل دميم كريه،اياك ان تتقزز من البشاعة و الندالة و الوضاعة و الذلة و المسكنة لانك حين ستقع سيصيح الفاشلون بتنهيدة واحدة :اوف ،اخيرا وقعت، لقد كدت ان تزعج منامنا يرفرفة اجنحتك و تنكا جراحنا يتفردك،هيا كل الحشرات لنحبك،هدا خطاب الفاشلين سليلة ثقافة النهايات و الافول و الانحطاط،يضبطون الحياة على ايقاع نعيقهم و رقصتهم الجنائزية،و لا خلاص الا بان ينقرضوا او ينقص عددهم ، ستتقدم البشرية يوم تتخلص من الفاشلين الدين يلبسون الفشل و الخيبة و العجز اقنعة التواضع و القناعة و البساطة، ستتقدم الشبيرة فقط حينما يكون المقياس هو النجاح و الاقتدار و الجمال و حينما تنتصر القيم الانسانية على الاخلاق المرضية و الاديان مروضة المبدعين الخلاقين،حينما تنتصر قيم الجمال و الخير و الفن و الكرامة على اخلاق التواضع و القبح و الانكماش
لاشك أن كاره الظلام لم يفهم القصة، فالعبرة في التولضع، ومهما كان مستوانا الاجتماعي والكفاءات التي نملكها، فيجب أن يكون التواضع مكان في حياتنا. من عاش وسط العظماء في العلم والمعرفه يفهم جيدا معنى التواضع. التواضع ليس هو الإنحناء!!!
لكم أحرص على تتبع تعاليقك البعيدة المرام والرصينة واللاذعة أحيانا، كما تشي عباراتها ولغتها بأن صاحبها ضليع في لغة الضاد حيث لا يشق له غبار، وأحيانا نختلف ولكن هناك الكثير مما يجمعنا على وئام، منها ردودك المتحضرة والبعيدة عن العنجهية ولغة الفانتازية كما هو دأب بعضهم، تحياتي KITAB