اللويزي: "كورونا" غيرت البراديغمات الأساسية .. والشائعات منتوج عادي

اللويزي: "كورونا" غيرت البراديغمات الأساسية .. والشائعات منتوج عادي
صورة: أرشيف
الخميس 9 شتنبر 2021 - 09:00

مع بداية تفشي فيروس كورونا المستجد نهاية 2019، تزايدت الحاجة إلى تكثيف التواصل لمواجهة الأخبار غير الصحيحة الذي كانت تبث الذعر والخوف في نفوس الناس عبر العالم؛ وهو ما دفع إلى الحديث عن المصطلح الجديد “الوباء الإعلامي”، في إشارة إلى الشائعات حول كورونا.

حول هذا الموضوع، نحاور مصطفى اللويزي، الأستاذ بجامعة محمد بن عبد الله، بمناسبة صدور كتابه “تواصل الأزمة وأزمة التواصل.. من الجائحة الصحية إلى الوباء الإعلامي” باللغة الفرنسية، وهو المشتغل أيضا في مجال الصحافة منذ سنوات طويلة.

يفكك المؤلف عبر كتابه مفهوم وآليات التواصل زمن الأزمة انطلاقا من خلفيات نظرية تمتد من الدراسات اللسانية والفلسفية وصولا إلى الدراسات الاستشراقية، كما يتحدث عن الاتجاه نحو تبني آليات جديدة للتواصل بعد الأزمة الصحية العالمية بغية تجاوز أزمة التواصل.

والكتاب صادر عن مؤسسة “باحثون للدراسات والأبحاث والنشر والإستراتيجيات الثقافية” التي تعنى بكل مجالات الخبرة والدراسات الميدانية، وحظي بتقديم الدكتور جمال الدين ناجي، المدير العام السابق للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري.

لنبدأ بعنوان الكتاب، هل عشنا في زمن كورونا تواصل أزمة أم أزمة تواصل؟

في اللحظات العصيبة، يكون المطلوب هو أن يغير المسؤولون نمط الاشتغال على المستوى التواصلي والتحرك بسرعة أخرى تناسب اللحظة وتحاول طمأنة الناس عبر جعلهم أقل ارتباكا وأقل خوفا وأقل حيرة. يجب أن تكون عملية الإخبار والمد بالمعلومات محترمة للأسئلة المطروحة وسط العموم بلغة مفهومة وجد بسيطة ويستحسن أن تغيب عنها التأويلات والقراءات الخاصة، كما يجب التخلي عن ردود الفعل الصحافية التقليدية التي تبحث أكثر عن السبق والإثارة وعنصر الغرابة.

أعتقد أنه وقع بعض التأخر في تبني منهج تواصل الأزمة الذي يعالج الأزمة على مستوى المعلومات والشروحات المطلوبة في الزمان والمكان. في البداية، حاول السياسي والإعلامي متابعة حدث غير معروف وغير متوقع وغير واضح المعالم بطرق وآليات تقليدية، بحيث لم يتوقعا ما يحدث ولم يستشرفا الحلول؛ وهو الأمر الذي يثبته تناول الأزمة كخبر دولي فقط إلى حدود 10 مارس 2020، وهو ما أثر على المنتوج الإعلامي المقدم للعموم.. لا يمكن إغفال أن بعض المؤسسات الإعلامية كما بعض المؤسسات العمومية تعلمت مع مرور الوقت وتأقلمت مع الواقع الجديد؛ فيما البعض الآخر بقي يتخبط في أزمة تواصل واضحة لم يخرج منها إلى حدود الآن.

ماذا غيرت أزمة فيروس كورونا المستجد في عالم اليوم؟

وباء “كوفيد-19” غير الكثير من البراديغمات التي كانت إلى حدود الآن أساسية بل ضرورية؛ أولها على المستوى العالمي، ويتعلق بانحباس أفق الرأسمالية العالمية كنمط إنتاج ومنظور “ضروري” للعيش يعتمد على خلق الكثير من الفوارق بين البشر والاستثمار في مجالات لا تهم بالضرورة عيش الناس بل تضرب البنى الاجتماعية الأصلية في العمق، في ضرب لمبدأ أساسي في كل المواثيق الدولية؛ وهو ضرورة احترام كرامة البشر ومساواتهم في الحقوق. وعندما نتحدث عن الرأسمالية فنحن نشير إلى كل ترسانتها المفاهيمية، من قبيل أولويات معدل النمو ومعدل التضخم والميزان التجاري… يجب أن تظهر قوى صاعدة تدافع عن مفاهيم الاقتصاد الموجه والاقتصاد الاجتماعي والتضامني والدولة الاجتماعية.

على مستوى المغرب، لطالما سمعنا في الثلاثين سنة الماضية أن التنمية في البلد لا يمكن أن تمر إلا عبر التوازنات الماكرو اقتصادية؛ وهي فكرة ثبت عدم صحتها، لأن القطاعات الاجتماعية تحتل مكانة رئيسية في البنية الاجتماعية، كما تضمن تمتع الناس بحقوقهم الأساسية، وتسمح لهم بالمشاركة في تدبير الأمور العامة والتفكير في مسارات الجماعة، بدل البقاء كحطب لنار اللحظات الانتخابية.

لحظة كورونا غيرت نظرتنا إلى بعض الأولويات الخادعة وفتحت أعيننا على مسارات جديدة يحتل فيها الإنسان مكانة مركزية؛ مثل الدولة الاجتماعية، والاقتصاد الاجتماعي، ودور المجتمع المدني في تثبيت الوعي الجماعي بضرورة التضامن بين المواطنين، وضرورة إعادة النظر في طريقة توزيع الثروة في البلاد. كما أثبتت الأزمة الحالية أن العامل الثقافي يلعب دورا أساسيا في التعبئة، وفي عملية التحسيس أو ما يعرف بالتواصل الاجتماعي.

كيف تقيمون تواصل السلطات العمومية خلال أزمة كورونا؟

الدولة كقوة عمومية لديها مسؤولية كبيرة في التواصل مع الناس، وهي الأخرى وجدت نفسها أمام مستجد حاولت مجاراته بميكانيزمات تقليدية تبين سريعا فشلها وعدم قدرتها على الإحاطة بكل ما يمور في عالم اندهش وتفاجأ بانتشار واسع للوباء أكثر مما كان يتوقعه.

في كل لحظة غاب فيها تواصل الأزمة، مثل قضية المغاربة العالقين بالخارج، حضرت أزمة التواصل كتعبير عن مشاكل بنيوية في النسق السياسي؛ ومن ضمنها مسألة أخذ القرار. هكذا، تبين أنه مع تطور الأحداث حاول البعض تطويع عملية التواصل لخدمة أهدافه السياسية الضيقة وجعل الإعلام وسيلة لتلميع الصورة والتذكير بالمناقب والإنجازات دون حضور للآراء المختلفة والنقاش العمومي الحقيقي. هكذا، وفي غياب أجوبة حقيقية على أسئلة المواطن تخلى السياسي على مبدأ «Impratoria Brevitas» (قوة تكثيف الكلام) وراح يتواصل أكثر ويتكلم لمدة أطول حتى أثبت مقولة التخمة في التواصل تؤدي إلى قتل التواصل نفسه.

هل يمكن القول إن الوباء الإعلامي هو الفكرة نفسها التي تعبر عنها الشائعات؟

طبعا، الشائعات تشكل جزءا من الوباء الإعلامي؛ لأنها منتوج اجتماعي أو لنقل مجتمعي عادي يساهم في خلقها الجميع، مسؤولين ومواطنين عاديين، وبدرجات متفاوتة أيضا من حيث المسؤولية.

الشائعات هي ليست فقط أخبار كاذبة بل عبارة عن معتقدات وهلوسات، ويمكن أن تكون تعبيرا عن ثقافة محلية أو شعبية بعيدة عن العلم والمعرفة بشكل عام. أما مفهوم الوباء الإعلامي فيرتبط حسب فهمنا بطريقة تدبير الأزمة من الزاوية الإعلامية، بالإجابة عن أسئلة ترتبط بما نريد قوله وكيف نقوله للناس في لحظة غير عادية يسودها الخوف والتوجس.

الحديث المسهب عن الأزمة وحيثياتها لا يجيب الناس عن كل أسئلتهم، ولا عن تخوفهم؛ بل يزيد من خلق الضبابية لديهم انطلاقا من الحديث الطويل بدون معنى مركز، وهذا ما انتقده عدد من المفكرين مثل ريجيس دوبري ويورغن هابرماس، إذ رؤوا في ذلك عملية تواصلية سياسية تحاول التحكم بالموقف لأطول مدة ممكنة مثل ما قام به الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أو الرئيس البرازيلي بولسونارو أو حتى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

أشرتم، في إحدى فقرات الكتاب، إلى أن أزمة كورونا أكدت الحاجة إلى تواصل ممتد في الزمن والتأثير.. كيف ذلك؟

بالفعل، فالتواصل القائم حاليا يرتبط فقط بالجانب اللحظي العابر دون التفكير في مفهوم الإيصال “transmission” الأكثر قدرة على التواصل المستدام، أي الممتد عبر الزمن؛ فلا جدوى من تواصل يتم نسيان محتواه مباشرة بعد مرور المادة الإعلامية، بحيث لا يترسخ في أذهان الناس ولا يشكل جزءا من ثقافتهم وذاكرتهم الجمعية.. بينما المطلوب هو تواصل يرسخ لدى الناس ثقافة تحميهم وتحمي الأجيال اللاحقة، عبر أشكال إيصالية تلعب فيها المؤسسات الاجتماعية الوسيطة دورا أساسيا؛ مثل المدرسة والمساجد والجمعيات والنقابات والأحزاب والأندية. ومن جهتها، يمكن لوسائل الإعلام أن تساهم بشكل فعال في الإيصال، وليس فقط في التواصل عبر مواد وبرامج مستمرة تعتمد الخبر؛ لكنها تعمل على تحويله إلى آلية إنتاج أفكار ترسخ ثقافة التضامن والتعاون والتآخي وعدم التهور في نشر الشائعات والالتزام المجتمعي بتعليمات المسؤولين.

ما هي الدروس التي يمكن استخلاصها من أزمة كورونا فيما يخص التواصل؟

أول الدروس التي بدأت تبرز للعيان هو اعتماد نوع من التواصل الاجتماعي الذي يعمل على التوعية والتعبئة، عبر لغة بسيطة وواضحة يفهمها الناس بدل اتباع لغة يصعب للمتلقي الافتراضي تشفيرها. وفي هذا الصدد، لا يمكن إهمال اللغات الشعبية “linguas francas” المستعملة على نطاق واسع في الإعلام السمعي البصري. كما يمكن الإشارة كذلك إلى عملية إعداد الخبراء قبل بث حواراتهم وتحليلاتهم وحثهم على الحديث بلغة سهلة يفهمها المتلقي البسيط؛ ففي الأخير، هذا هو هدف الإعلام عامة، أي الوصول إلى أغلبية الناس. ويمكن أن نشير هنا إلى الغياب الملحوظ للغة الأمازيغية عن الإعلامين العمومي والخصومي، خلال أزمة كورونا. كما يمكن لوسائل الإعلام الابتعاد ما أمكن عن أسلوب الإثارة والسبق الصحافي “scoop” في لحظة الأزمات المجتمعية، وتبني ما أمكن نهج التروي والتحفظ عبر الاتزان والتوازن وعدم استعمال ألفاظ تثير الخوف والقلق لدى الجمهور العريض.

في موضوع آخر، كيف تقيمون حضور المعطى الإعلامي والتواصلي في النموذج التنموي الجديد؟

بعيدا عن خلفيات هذا المشروع وأهدافه كسردية جديدة في خدمة القرار السياسي، لا أخفيكم أنني تفاجأت كثيرا بالمساحة الضيقة المخصصة للإعلام بهذا العمل الذي يفترض فيه رهن مستقبل المغرب لمدة خمس عشرة سنة؛ فليس هناك أي باب خاص بالإعلام ودوره في التنمية، اللهم بعض الجمل القصيرة العابرة والتي تعبر عن مدى استسهال محرري هذا المشروع لدور الإعلام في التنمية. وتبين كذلك الفهم الذي يقدمه أصحاب المشروع لمفهوم التنمية نفسه، خصوصا عبر التركيز على المعطيات الماكرو اقتصادية ومعدلات النمو… وهو لعمري فهم بعيد عن النظريات التنموية الجديدة التي تدمج كل المعطيات المجتمعية من قبيل الولوج للصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية. لهذا، ستجد أن المغرب يحتل مراكز بعد المائة والعشرين؛ حتى بعد تقارير الإنصاف والمصالحة والخمسينية والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي على مرتين !!

تقرير ما سمي بالنموذج التنموي الجديد (النسخة الفرنسية) لا يخصص للإعلام سوى فقرة كبيرة في الصفحة 125، يطلب من خلالها الدولة مساعدة القطاع من أجل الاندماج في عالم التكنولوجيا الحديثة، وهي قراءة قاصرة على واقع تعاني فيه حرية التعبير الأمرين أمام الخروقات المستمرة ومحاولة فرض الرأي الوحيد والأوحد عبر إعلام دولتي لا يترك أي حظ للآراء المختلفة والمتناقضة ولم يصل بعد إلى مرحلة الإعلام العمومي كما تنظر اليونيسكو لذلك. ولا يمكننا إلا أن نكرر مع المفكر الاقتصادي وصاحب جائزة نوبل في الاقتصاد أمارتيا صين قوله: “لا تنمية بدون سيادة الحريات عامة”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • مجرد ترجمة
    الخميس 9 شتنبر 2021 - 09:12

    ورد في عنوان المقال كلمة “باراديغمات” التي يمكن ترجمتها إلى العربية بكلمة ” أنماط” أو “نماذج” لكن يبدو أن كاتب العنوان من الذين يريدون التباهي باللغة الفرنسية وهذا دليل آخر على الهزيمة النفسية واللغوية لبعض المواطنين من بني جلدتنا.

  • Hamouda
    الخميس 9 شتنبر 2021 - 10:57

    موضوع علماني و غير واقعي، كفانا استهتارا بالحقيقة حول ازمة كرونا و كرونا كفيروس نفسه ، لانه في الاصل هذا ليس وباء لكن حرب بيولوجية اقتصادية مربحة في البشر.
    اين حقيقة حقوق الانسان في عالمنا عندما نستخدم مثل انواع هذه الهجمات للاتجار فيه؟
    عالم جديد مملوء بالمفاجاءات الوبائية و العياذ بالله من صانعيه و المتاجرين فيه

  • نظرية بوزندگة
    الخميس 9 شتنبر 2021 - 12:00

    نظرية المؤامرة ضد التخلف المكتسب و نظرية قداسة لغة أهل الجنة ستقضيان على كوفيد وما شابهها وستجدان جلولا لكل مشاكل العالم

  • empire
    الخميس 9 شتنبر 2021 - 13:29

    كورونا عرت الوجه الحقيقي للفساد من أعلاه لأسفله حتى أصبحنا نرى موظفين يشترون تحاليل إجابية للخلود للراحة و السفر. الكل شفار و هذا هو الواقع. شكرا كورونا لي فظح كلشي…

  • عبدالله
    الخميس 9 شتنبر 2021 - 19:28

    الجائحة كشفت القناع عن هشاشة انماط التدبير لدينا فكرا وممارسة
    ازمة التواصل ترجع كما يؤكد الكاتب الى غياب تفكير استراتيجي من بين محاوره التواصل الاستراتيجي وتواصل الازمات على الرغم من تبني اجهزة الحكومة في ادبياتها وفي مخططاتها لهذا المجال الا انه وكعادة اجهزتنا غالبا ما تسبقها المفاجأة وتربك حساباتها فيتأخر الرد او ردة الفعل وفي مثل حالات الارتباك هذه تسود الشائعات ويطل علينا بعض المسؤولين الذين يفتقدون للمعلومة الصحيحة ليطلقوا العنان لالسنتهم بالشروحات والتحاليل التي يكذبها العلم او الاعلام الدولي بعد حين
    وهذا ما حصل مع رئيس الحكومة حينما كان يخرج في تصريحاته الشهيرة ليقول للمغاربة الكمامة ليست ضرورية ولا تحمي من الفيروس

صوت وصورة
انطلاق أشغال ملعب تيسيما
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 23:12

انطلاق أشغال ملعب تيسيما

صوت وصورة
طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:19 5

طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | عصام الشرعي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | عصام الشرعي

صوت وصورة
توقف أشغال يعرقل السير بطنجة
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 15:42 3

توقف أشغال يعرقل السير بطنجة

صوت وصورة
حريق سوق المسيرة بالبيضاء
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 13:09 6

حريق سوق المسيرة بالبيضاء

صوت وصورة
دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 12:13 5

دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي