لكلمة الخوف ثقل دلالي نفسي قوي. ذلك أن أقسى ما يتهددنا به الآخر، هو أن يُشهِر الخوف في وجهنا. الخوف يؤول، هنا، إلى معنى التصفية المادية والمعنوية. حين نخاف، نتضاءل لدرجة لا يكون لنا معها حركة، بل وجود. فقدان إرادة المبادرة، فقدان ردّ الفعل، من أفدح تجليات الإحساس بالخوف. في هذا الإطار، يكون الخوف قد تَحوَّل من تهديد خارجي إلى استيطان داخلي. كلما استوطن الداخل، كان الخوف بغير حاجة لأن يتمظهر في تهديد من قِبَل الآخر. بتدحرج الخوف إلى رقابة ذاتية، تصبح مؤسسة الخوف مكتملة الأجهزة والهياكل.
سيادة الخوف، ليس لها من معنى غير تأكيد سلطة القهر. حين تغيب الحرية، تنعدم كل مبادرة على الفعل بشكل تلقائي. مملكة الحرية والإبداع تتراجع، تاركة ما تتخلى عنه لتكتسحه مملكة الجمود والموت. لا يمكن للمرء أن يعيش في ظل الإحساس بالخوف: الخوف من الآخر، فردا أو مؤسسة. ذلك الإحساس يقض عليه مضجعه، باعتباره مُدمِّرا لأساس حريته.. شرط وجوده الأول. ولذلك، بات من معاني الخوف سلب الحرية. الخوف يشل حركة المرء، فكيف يصير الحال إن كان مثقفا؟
هل يشعر المثقفون المغاربة بأنفسهم أحرارا في ما يكتبون؟ لا يعتقد أحد ذلك على الإطلاق. إن كانت، هناك، حرية، فهي لا تخرج عن إطار استثمار الهوامش. وفي الغالب، لا يتم ذلك إلا عبر المناورة التخييلية. تسمية الأشياء، في مجتمع محافظ دينيا وسياسيا، ترادف فعل الفضيحة.
– الخوف، إذاً، ممَّن؟
– من السلط القاهرة، عبر مختلف أذرعها: الدينية، السياسية الاجتماعية، والاقتصادية حتّى. في اعتقادي، ليست للحرية دلالة مبدئية، بقدر ما لها دلالة واقعية ماديّة. ينبغي أن نتجاوز الحرية، بوصفها إحساسا، إلى ممارستها في الواقع، عبر التفكير الجريء والفعل المبادر. وإن كان، هناك، أكثر من سلطة قهر، فإن أشدها وطأة تلك التي تُلابِس النفس، من خلال هيمنة الرقابة الذاتية المستمرة. القهر يصبح لاشعوريا، بفعل التراكم القوي للخوف في المجتمع.السياق، سياق خوف منذ اللحظات الأولى للطفولة. غير أن ما يأخذ حجما أكبر، هو الخوف القاهر الذي تمارسه السلطة الدينية/ السياسية، إزاء كل ممارسة للحرية إلى أقصى الحدود. فهي تغل التفكير الحر، ومن ثمَّ تصادر الرأي الجريء. وفوق ذلك، قد يبلغ العنف بها حدَّ الإكراه، أي الاعتقال الماديّ.
في المغرب، لا يعيش المثقف الحرية بوصفها بداهة. ففي بلد مثل بلدنا، حيث ترادف السلطة الخوف، تتخذ الحرية معنى المواجهة الشرسة.. على حدود الخطر. الحرية لا نُحَصِّلها تحصيل حاصل، مثلما هو الحال عليه لدى المجتمعات الغربية. ولو افترضنا غير ذلك، لكان من الممكن مواجهة العديد من الطابوهات. هل مثقفو المغرب واجهوا أية طابوهات؟ الأمثلة محدودة جدا، لا تخرج عن إطار ما نهض به قلة، من أمثال محمد شكري في بعض محكياته الشهيرة. الحرية في المغرب، توازي الإحساس بالخطر تحديدا. ولأنها كذلك، فإن أغلب مثقفينا لم يقيموا عند حافة الخطر. الأمثلة محدودة جدا، على امتداد التاريخ المغربي، عبر الحقب والعصور.
المثقف المغربي لم يطرح سؤال الحرية بشكل جدي. ولعل ما يحول دون ذلك، هو تردده في تحمُّل تبعات ذلك الطرح المُكلفة. الحرية، لشد ما تظهر في الإبداع الكبير. حين يَندر هذا الإبداع، ندرك مدى حجم طلب الحرية من قِبَل مثقفينا. الإبداع الكبير، مؤشر جيد لتمثل الحرية وممارستها. الحرية مهمة، في مجتمع محافظ يُضيِّق من مساحة الرأي والتعبير. المثقف المغربي، لم ينخرط في اصطدام مع سلط القهر في بلادنا.. إلا في ما ندر كما قلنا. ولذلك، فهو ليس بِحُرّ إطلاقا: إما نتيجة جبن مُستحكِم، أو نتيجة وعي مؤجل بمفهوم الإبداع. ففي الوقت الذي يتخلف المجتمع، لا نجد أدنى رد فعل من المثقف، مفكرا كان أو أديبا فنانا. أين هي الحرية، المطلوب ممارستها بحس نقدي، اتجاه ما يعتور أحوالنا من أعطاب؟
المثقف المغربي، مُمَثّلا في الأديب والمفكر والفنان، يتخلف عن طلب دم الحرية القاني. إن كان من مثقف، فهو ذاك الذي يتماهى مع الصحافي بشكل عام. لا ندري، ألحاجة مهنية يتواجد أغلب الصحافيين في منطقة الخطر؟ الخطر، يولد الإحساس بقيمة الحرية، ومن ثم بتكلفة ممارستها. الصحافيون، اليوم، غدوا في طليعة مثقفي المغرب بكل تأكيد. والملاحظ أن انبثاق ما يسمى الصحافة المستقلة، كان موازيا لطرح كثير من الأسئلة الساخنة: في الفساد السياسي والإداري، في الدعارة وأسواقها ، في الدين وأصولية قراءاته، في التاريخ ومكر صفحاته، الخ. وحتى المبدعون، أنفسُهم، تحولوا إلى طلب المغامرة الصحافية، خارج كتاباتهم الإبداعية بالمعنى الضيق.
الصحافة صارت توفر المجال لممارسة الحرية، أكثر مما يوفرها أي مجال كتابي آخر. مؤشر ذلك، عدد الصحف التي أغلقت في العقدين الأخيرين، إضافة إلى عدد الصحافيين الذين تم اعتقالهم. الجرأة في طلب الخبر، زيادة على الجرأة النقدية في التحليل، من أهم ما بات يطبع المشهد الثقافي العام بالمغرب. المشهد، بات يتشكل من الصحافيين وكتاب الأعمدة من المبدعين أساسا. لولا أولئك، ما وجدنا صوتا يعلو ولا قلما يرتفع.. في سماء المغرب التي ما تزال تتلاطم فيها أمواج من الغبار والظلام. نحن بعيدون عن دولة الحداثة، لأننا لم نستوطن الحق في الرأي والتعبير بعدُ. في كل مرة، نلفي ضحية هنا أوهناك.. من ضحايا الرأي والتعبير. إنه المغرب الذي يأبى أن يتخلق من رحم الغبار والنقع. كل ضحية، تعيدنا إلى الأصل عند نقطة البداية. القضية ليست مزاجية، مترتبة عن مزاجية من هذا أو ذاك داخل السلطة.
المثقف الشريف يجب أن تكون له الجرأة بالاقتناع المستقل بأفكاره أولا و تبليغها ثانيا.
المثقف هو ذاك الذي يتماها مع المعرفة في منطقة الخطر بشكل عام فهو يتواجد في منطقة يتولد فيها الإحساس بقيمة الحرية، و تكلفتها الإحساس بعدم الخوف ممارسة و منهجا.
يجب أن تكون له رؤيته الثاقبة للفساد و الدعارة السياسية والإدارية و الأصولية الفكرية و له قراءته الخاصة للتاريخ والإلمام بالمكر في طياته…..
وتبقى الكتابة هي أصل المغامرة تتويجا لما سلف بإبداعاتها بالمعنى الواسع، أي اللعب في مجال الحظر مع تجنب الوقوع في فخه.
فالرقص مع الأفاعي له طعم لا يعرفه إلا القلة، فالانتشاء القوي لا يكتمل إلا عندما ينتهي الراقص مع الأفعى و هو على قيد الحياة.
A great and insightful piece of work. Thank You for sharing it with us.