أفرد المجلس الأعلى للحسابات في تقريره السنوي برسم 2024–2025، الصادر الأربعاء، قسما خاصا بـ”تقييم البرامج والمشاريع العمومية”، على رأسها “البرامج والمشاريع المندمجة للتنمية”، مثيرا ما وصفها “نقطا جديرة بالاهتمام”، حسب ما طالعته هسبريس.
تستند الخلاصات والتوصيات إلى نتائج مهام المراقبة والتقييم المنجزة من طرف المحاكم المالية بشأن برامج واتفاقيات التنمية الترابية المندمجة، بما في ذلك ورش الجهوية المتقدمة وبرنامج تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، والوظيفة العمومية الترابية وعقود الإطار بين الدولة والجهات، فضلا عن الأوراش ذات الصلة بـ”تحسين الحكامة الترابية ورفع مردودية الاستثمار العمومي”.
وقال المجلس: “تزداد راهنية هذه البرامج في ضوء التوجيهات الملكية الواردة في خطاب العرش لسنة 2025 بتاريخ 29 يوليوز 2025 وفي الخطاب الملكي بتاريخ 10 أكتوبر 2025 بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية الحادية عشرة، التي دعت إلى إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة يتسم بقدر أعلى من النجاعة والاستدامة والأثر الملموس على المواطن”.
ملاحظات “برامج التنمية المندمجة”
دعا المجلس الأعلى للحسابات إلى “تجويد التصور الأولي والتخطيط للبرامج التنموية المندمجة”، بوصفها محددا رئيسيا لمدى تحقيق الأثر الملموس على المواطن والمجال، مما يستوجب، وفقه، “إعداد تشخيص مجالي وقطاعي دقيق يستند إلى نظام معلومات ترابي محين ومتكامل، مع تحديد أهداف قابلة للقياس تواكبها مشاركة فعالة للأطراف ذات الصلة”.
وتابع ملاحظا أن “تنفيذ هذه المقاربة يواجه عدة إكراهات بنيوية”، عدّدها-أساسا-في “تعدد قواعد المعطيات بين المتدخلين الترابيين، ومدى صدقية المعلومات الجغرافية، ومحدودية استعمال المنصات الرقمية التشاركية الآمنة، مما يؤثر على فعالية التخطيط ويحد من دقة الاستهداف”.
وبشأن “البرمجة والتمويل”، نبّه التقرير السنوي المرفوع إلى الملك محمد السادس إلى “محدودية أداء عقود البرامج بين الدولة والجهات (2020-2022)، حيث لم تتجاوز نسبة المشاريع المكتملة 9% حتى أبريل 2024″، مثيرا في السياق “غيابَ تخطيط يستند إلى قدرات إنجاز فعلية، والاعتماد على مقاربة كمية في التتبع بدلا من قياس الأثر النوعي”.
كما لاحظ “مجلس العدوي” أن الحكامة والتنسيق يتخلّلهُما “ضعف اتساق برامج التنمية الجهوية مع الاستراتيجيات القطاعية على المستوى الترابي”، و”غياب تحديد واضح للمسؤوليات والأدوار داخل أجهزة الإشراف، وعدم تعيين مسؤول إداري مكلف بالإشراف الشامل”.
وفي شق “التنفيذ واستدامة الأثر”، لفتت نتائج مهام المراقبة والتقييم المنجزة من طرف المحاكم المالية إلى “تعثر المشاريع الموقعة أمام الملك”، ولاحظ المجلس، من خلال مهمة رقابية منجزة في سنة 2023، أن “من بين 78 اتفاقية موقعة أمام أنظار الملك لم يُستكمل تنفيذ الأشغال إلا في 32 برنامجا، أي ما يعادل 41%، رغم أن الفترات التوقعية لتنفيذها كانت تمتد بين 2010 و2019. كما أظهر تقييم 158 برنامجا للتنمية الترابية المندمجة أن نسبة البرامج التي اكتملت مشاريعها لا تتجاوز 41 برنامجا، أي ما يعادل 26%”.
هذا الوضع يؤكد “الحاجة إلى مقاربة تنفيذ أكثر تكاملا، تعزز التنسيق المسبق بين المتدخلين، وتضمن الربط الفعلي بين التمويل والنتائج، بما يسهم في تسريع وتيرة الإنجاز وتثمين الأثر التنموي للاستثمار العمومي”، بتعبير التقرير ذاته، الذي سجل أيضا ملاحظة “إغفال كُلَف الاستغلال والصيانة منذ مرحلة التصور، مما أدى لتعثر استغلال مشاريع منجزة لعدم تحديد الجهة المسؤولة عن التشغيل”.
“تقليص الفوارق”.. تعزيز الاستهداف والحكامة
رغم الإنجازات المحققة في برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية (2017-2023)، رصد المجلس ملاحظات دقيقة تتعلق بآليات الاستهداف والحكامة.
فقد تركزت أغلب التدخلات على “التأهيل والصيانة” بدلا من التوسع الفعلي للشبكات؛ ففي قطاع الطرق المصنفة، اقتصرت الأشغال على التهيئة دون توسيع الشبكة الطرقية، بحسب التقرير الذي خصّ قطاعي التعليم والصحة بقوله: “خُصصت أغلب المشاريع لتأهيل البنيات القائمة (مثل المدارس الابتدائية بنسبة 88% والمراكز الصحية بنسبة 63%)، بينما ظل إحداث بنيات جديدة محدودا”.
وعن آليات الاستهداف والتشخيص، خلُص المجلس الأعلى للحسابات إلى “ضعف شمولية الدراسات المعتمدة (2014-2019) وتأثر جودتها بسبب التسرع في الإنجاز”.
ولاحظ أن الانتقال من وحدة الاستهداف على مستوى “الدوار” إلى “الجماعة” دون تدقيق المعايير، قد حَدَّ من “دقة التوجيه المجالي نحو المناطق الأكثر هشاشة”، منبها الجهات الوصية إلى “عدم تفعيل التصنيف المعتمد في دراسة سنة 2019 بالشكل المطلوب لغياب إشراك فعلي للجهات والجماعات.
وذكر التقرير السنوي أن تقييم “الاستغلال والحكامة” أبان عن “وجود 8% من المشاريع المكتملة (625 مشروعا) غير مستغَلة حتى فبراير 2024، خاصة في قطاعيْ الماء والطرق، بسبب عدم تعيين هيئات التدبير أو نقص الموارد البشرية”.
ومن حيث حكامة البرنامج، نبه المصدر عينه إلى “غياب التمثيلية لمجالس الجهات داخل اللجنة الوطنية لتنمية المجال القروي والمناطق الجبلية رغم مساهمتها بـ 40% من التمويل”، مثيرا في السياق ذاته “توقف 100 مشروع عن التنفيذ حتى حدود يونيو 2025”.
المجلس الأعلى للحسابات ومجلس المنافسة مؤسستان عاجزتان عن وقف توغّل لوبيات الفساد وديناصورات اختلاس المال العام. يقوم المجلس برصد المخالافات، ويحيل ملفات التي تفوح منها رائحة الفساد على النيابة العامة. هذه الملفات تبيت تراوح مكانها في رفوف المحاكم. ولا أحد يقترب منها.
كما الشان لمجلس المنافسة، الكل عاين تدخّل المجلس في ملف المحروقات، اقتصر دوره في استعطاف أرباب المحروقات بخفض بعص السنتيمات من ثمن الكازوال. ولم يتخذ خطوات جريئة وفرض غرامات تناسب غلاء المحروقات التي تستهدف جيوب المواطنين.