المعارضة البرلمانية المقبلة تُسائل القوة العددية ورهان الفاعلية السياسية

المعارضة البرلمانية المقبلة تُسائل القوة العددية ورهان الفاعلية السياسية
صورة: و.م.ع
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 22:47

مع اتضاح الملامح الأولى للمعارضة البرلمانية، عقب إعلان حزب العدالة والتنمية وفيدرالية اليسار مبكرا عدم المشاركة في الحكومة الجديدة، يتسع النقاش السياسي ليشمل، إلى جانب تركيبة الأغلبية المقبلة، طبيعة المعارضة التي ستتشكل خلال الولاية التشريعية الجديدة، ومدى قدرتها على الاضطلاع بأدوارها داخل المؤسسة التشريعية، في ظل تفاوت التمثيلية البرلمانية للأحزاب واختلاف مواقفها وقدرتها على التنسيق والتحرك المشترك.

وبين الحديث عن معارضة قوية وأخرى ضعيفة، يطرح واقع الخريطة البرلمانية الجديدة سؤالا حول المعايير التي يمكن من خلالها قياس قوة المعارضة وفاعليتها، وما إذا كان حجمها يقاس بعدد المقاعد التي تتوفر عليها، أم بمدى قدرتها على ممارسة الرقابة والتشريع، وتقديم البدائل، وتنسيق مواقفها، والتأثير في النقاش العمومي.
القوة والضعف

عبد الرحيم العلام، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش، قال إنه “لا يمكن تحديد قوة المعارضة السياسية أو ضعفها بالاعتماد الحصري على المعيار العددي الحسابي المتمثل في حجم المقاعد البرلمانية؛ فالقوة الفعلية تُقاس بالثقل السياسي ونوعية ‘البروفايلات’ والقيادات النيابية التي تتوفر عليها”، مضيفا أن “المعارضة قد تكون موسعة عدديا لكنها ضعيفة سياسيا بسبب تواضع أداء نخبها، والعكس صحيح تماما؛ إذ قد تفتقر المعارضة إلى الكثرة العددية لكن قوتها التأثيرية والرقابية تكون أضعاف حجمها النيابي”.

وأكد الأستاذ ذاته، في تصريح لهسبريس، على أن “التاريخ السياسي المغربي يزخر بشواهد دالة على ذلك؛ فقد استطاع علي يعتة بمفرده، في معارضة الحزب الشيوعي، أن يعكس صوتا مدويا وحضورا رقابيا تحت قبة البرلمان. كما حققت معارضة رفاق بنسعيد أيت إيدر سابقا تأثيرا سياسيا ومجتمعيا تجاوَز بكثير محدودية مقاعدها بفضل التزام ونوعية نخبها”.

وسجّل عبد الرحيم العلام أن “هذه الدينامية تتواصل في المشهد الراهن؛ حيث أظهر نواب مثل نبيلة منيب وفاطمة التامني، إلى جانب أعضاء حزب العدالة والتنمية، قوة بارزة وفاعلية رقابية واستجوابية لافتة في مجلس النواب رغم ضعفهم العددي، محركين النقاش العمومي بكفاءة عالية. وفي المقابل، غاب هذا التوهج والتأثير السياسي المفترض عن أحزاب عريقة الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، باستثناء حالات فردية معدودة”.

وأفاد أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بأن “هذه المعطيات تؤكد أن الحجم العددي للمعارضة يظل مكسبا شكليا إذا لم يقترن بنوعية البروفايلات القادرة على الترافع المؤسساتي، وتقديم البدائل التشريعية، واستغلال اللجان، والتجسير مع المجتمع؛ إذ يبقى الفاعل المباشر والنوعي هو المحدد الحاسم لقوة المعارضة وجدوى وجودها الديمقراطي”.

وقال عبد الرحيم العلام: “لكي يتحول الوزن العددي للمعارضة إلى تحول سياسي حقيقي يربك الأغلبية ويفرض توازنات جديدة في القرار السياسي، يتوجب استيفاء ثلاثة شروط على الأقل: تجاوز الحسابات الحزبية الضيقة والتنافس الفردي لصالح بناء ائتلاف سياسي وبرامجي موحد يقدم عرضا سياسيا وبديلا تنمويا مشتركا؛ ثم الانتقال من النقد الشفاهي إلى تقديم المقترحات التشريعية والبدائل المالية المتكاملة، مع استغلال اللجان البرلمانية بكفاءة عالية لممارسة الرقابة والمحاسبة؛ إضافة إلى إعادة بناء الجسور والروابط الوثيقة مع المجتمع عبر التواصل المباشر مع الحركات الاجتماعية والقواعد الشبابية والجامعية والنقابات”.

وختم أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية تصريحه بالإشارة إلى أنه “في حالِ عجز المعارضة عن تحقيق هذه الشروط واستمرارها ككيانات مشتتة تعتمد على الشفاهية والخطابة الفردية، فإن الأغلبية الحكومية ستستمر في التغول والسيطرة دون وجود رادع مؤسساتي وسياسي كفء”.

أسئلة مهمة

مصطفى صغيري، دكتور في القانون العام والعلوم السياسية باحث في الحكامة والسياسات العمومية وقضايا الشباب والاقتصاد الجديد والتنمية، قال: “في تقديري، لا يمكن اختزال قوة المعارضة في عدد المقاعد التي تتوفر عليها، رغم أن الوزن العددي يظل محددا أساسيا في الحياة البرلمانية”، موضحا أن “القوة الحقيقية للمعارضة تقاس بمدى قدرتها على تحويل موقعها المؤسساتي إلى فعل رقابي وتشريعي وسياسي مؤثر”.

وأضاف المتحدث، في تصريح لهسبريس، أن “المعارضة الفاعلة هي التي لا تكتفي بتتبع أداء الحكومة وانتقاد اختياراتها، وإنما تمتلك القدرة على إنتاج البدائل، واقتراح السياسات العمومية، والتأثير في أجندة النقاش الوطني، كما أن قدرتها على التنسيق وتوحيد المواقف في القضايا الاستراتيجية تشكل عاملا مهما في تحويل التعدد الحزبي إلى تأثير مؤسساتي ملموس”.

ومن منظور الحكامة الديمقراطية، أكد صغيري على أن “المعارضة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مجرد قوة ضد الحكومة، وإنما باعتبارها قوة اقتراح ورقابة وتوازن”، منبّها في الوقت ذاته إلى أن “قياس قوة المعارضة يستوجب النظر إلى أربعة أبعاد مترابطة تتمثل في الوزن العددي، والفعالية الرقابية، والقدرة على إنتاج البدائل، ثم التأثير في النقاش العمومي”.

وقال مصطفى صغيري: “السؤال الأهم ليس: كم مقعدا تملك المعارضة؟، وإنما: ماذا تفعل بهذه المقاعد؟ وإلى أي حد تستطيع تحويل حضورها البرلماني إلى تأثير فعلي في السياسات العمومية وفي جودة القرار العمومي؟”، موردًا في السياق ذاته أن “هنا تحديدا يظهر الفرق بين الحضور العددي والقوة المؤسساتية”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • فلاح
    الأحد 4 أكتوبر 2026 - 22:58

    الشعب راه مكشكش ومفقوص مابغيش الاحرار فالحكومة نقطة رجع لسطر

  • سامي
    الأحد 4 أكتوبر 2026 - 22:59

    واو نعيش في دولة ديمقراطية هناك حكومة و معرضة للحكومة

  • ع الجوهري
    الأحد 4 أكتوبر 2026 - 23:10

    البام بسبب غبائه أهدى في الحملة الإنتخابية هدايا للمعارضة هدايا على شكل ملفات فساد ستفتحها المعارضة من الاسبوع الاول والجميل الخطير في نفس الوقت لا يمكن للحكومة إنكارها ما دامت هي التي اخرجتها للعلن مثل موضوع. 280 مليار هذا موضوع خطير ويجب على النيابة العامة الدخول على خطه لهذا السبب قال بنكيران ستسقط هذه الحكومة

صوت وصورة
ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 21:17 6

ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي

صوت وصورة
ضيوف من الفضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 20:36 1

ضيوف من الفضاء

صوت وصورة
أزمة المواقف مستمرة وسط البيضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 15:32 5

أزمة المواقف مستمرة وسط البيضاء

صوت وصورة
أبي رقراق ينبض بالحياة
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 13:32 1

أبي رقراق ينبض بالحياة

صوت وصورة
طرق مدمرة وخدمات غائبة
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 11:18 4

طرق مدمرة وخدمات غائبة

صوت وصورة
ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟
السبت 3 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟