المغرب من المفهوم الجديد للسلطة إلى مفهومها المتجدد

المغرب من المفهوم الجديد للسلطة إلى مفهومها المتجدد
الثلاثاء 8 مارس 2011 - 09:53

يُجمع جميع المراقبين على أن العهد الجديد أحدث نقلة نوعية في تدبير الشأن العام واستبشر المغاربة خيرا وهم يرون تغييرات جذرية في بعض القطاعات، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر المجال الاجتماعي كالاهتمام بالفئات المعوزة من خلال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أو المجال الحقوقي من باب جلسات هيئة الإنصاف والمصالحة التي نبشت بشجاعة في ملفات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ثم أيضا من خلال الحياد- وإن كان سلبيا- في الانتخابات التشريعية والبلدية، وغير ذلك أمور أخرى قد تعَوَّد المغاربة سماعها وحفظوها عن ظهر قلب.


لكن هذا المفهوم الجديد الذي جاء بفضل الإرادة الملكية توقفت حركته، بل عرف تراجعات وانتكاسات لا غبار عليها في مجال ترسيخ دولة الحق والقانون، والحريات وحقوق الإنسان ، والحكامة الجيدة وتدبير سياسة القرب ، وأخيرا في التدبير البعدي لنتائج الانتخابات خاصة البلدية منها، دون أن ننسى أن بعض توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة وتقرير الخمسينية لم تر النور بعد، وقد لا تراه أبدا.


إن تشخيص المرض يكون للعلاج والتداوي، وإلا فما الفائدة من التشخيص إن لم نطبق الحلول، وهل يكفي أن نشكل مجالس وهيئات ومؤسسات دون إعطائها السلط الحقيقية وإبقاءها رهينة رغبات أناس يعرف الجميع أنهم يريدون الاحتفاظ بامتيازاتهم في السلطة وجمع المال بالطرق المحرمة شرعا وقانونا وعُرفا، فهل يصدق عاقل أنهم سيطبقون ما يَحرمهم من كل هذا ويجعلهم كغالبية الشعب، مواطنين عاديين كغيرهم، يُطَبق عليم ما يطبق على غيرهم، أي أنهم سيصبحون أفرادا مثل كل الناس في الواجبات والحقوق دون تمييز أو امتيازات.


أيجوز أن نتبجح بنزاهة الانتخابات والحياد اتجاهها، واستعمال المال لشراء الذمم يتم على مرأى ومسمع من السلطة إن لم يكن بمباركتها في بعض الأحيان؟ أيجوز أن نترك حزبا يحتل الدرجة الأولى ثم نحرمه من تولي المهام التي اختاره أغلبية الشعب لها ونكسر تحالفاته ونهدد المتحالفين معه ونسجن بعض منتخبيه؟ أم الانتخابات غاية في حد ذاتها لتلميع الوجه الخارجي وللتسويق؟


أومن الطبيعي أن يُؤسَّس حزب جديد ويصبح بين عشية وضحاها الأكثر عددا في الغرفتين ويهرول إليه كل باحث عن حظه مثل لعبة “عجلة الحظ” المشهورة؟ ألم يكن حري بزعيم الحزب الحقيقي أن يطبق القانون الذي كان هو الأصل في إحداثه لمنع الترحال السياسي؟ هل من الديموقراطية ابتزاز المنتَخَبين لمنعهم من وضع أيديهم في أيدي من يظنون أنهم الأكثر صدقا ومصداقية للعمل سويا وللتعاون معهم في تحالف ضد الفساد والرشوة والبيروقراطية؟ هل من الديموقراطية أن تكون الحكومة مرتهنة بحزب يصنف نفسه في المعارضة بيد أن له وزير إن لم أقل وزراء إذا عددنا من ينتمي إلى “حركة لكل الديموقراطيين” أمِّ هذا الوليد المترعرع والذي أنجبته وهي لم تبلغ الحلم بعد؟


إن ما وقع بعد الانتخابات البلدية الأخيرة والتي من بعض تداعياتها ما نراه الآن في طنجة هو العبث عينه، عبث باختيار المواطنين وعدم احترام لاختياراتهم ، إذ كيف يعقل للناس أن نقول للمواطنين “هلموا للمشاركة وصوتوا على مَن شئتم فهذا من حقكم لكننا (أي الإدارة) سننصب من نشاء وهذا من حقنا” ثم نأتي للتباكي ونتساءل لم هذا العزوف السياسي؟، إن المغاربة لحق رجال ولا يليق الضحك على ذقونهم ومن يفعل هذا فليعلم أن من أراد زرع الريح سيحصد لا محالة العاصفة لا قدر الله.


أليس خطاب “الحداثة والديموقراطية” قد مر عليه عقد من الزمن؟،أم أننا ما زلنا في حاجة ماسة لترديد ما أصبح عامة الناس يرددونه أحيانا كالببغوات؟ ألا يليق رفع شعار آخر يراعي المرحلة الراهنة وتحدياتها؟،هل طبقنا حقا ما تقصده الكلمتان من معاني رفيعة؟


إن كثيرين من مستعملي الكلمتين الرنانتين يفهمونهما فَهما ماضويا إقصائيا، ولسان حالهم يقول لنا من أراد الديموقراطية فلينضو تحت “حركة لكل الديموقراطيين”رغم أنها أصبحت في سبات عميق وإلا فهو مارق عنها؛ أما الحداثة فهي القيام بنوع من رقصة البطن أو ما يسمى بالدارجة “التلواز” ومنه السياسي أيضا- وأعتذر عن استعمال هاته الكلمة لكنها تعبر أكثر من غيرها عما يقوم به بعض السياسيين-، ولابد منها أي رقصة البطن للحصول على شهادة الحداثي المتجذر الذي لا شك فيه، وكأنَّ الحداثة مِلك لصنف من الناس بل نخبة منهم يوزعونها صكوكا لمن يستحقها ويحرمونها (بالمعنى الكنسي المسيحي) لمن لا يستحقها، وكلما ازداد البطن التفافا بحركاته وأكثر طواعية ومرونة كلما كان الحداثة أكثر تأصلا، ومالنا لا نأخذ من الحداثة جوهرها المتلائم مع بيئتنا وأصالتنا كعصرنة أسلوب الحكامة والانتقال من الظلم إلى العدل ومن الجهل إلى العلم ومن التبعية إلى الإبداع، لماذا لا نعرف الحداثة مثل ما يقدمها جابر عصفور المفكر المصري حيث يرى فيها: ” الصياغة المتجددة للمبادئ والأنظمة التي تنتقل بعلاقات المجتمع من مستوى الضرورة إلى الحرية، من الاستغلال إلى العدالة، ومن التبعية إلى الاستقلال و ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن سطوة القبيلة أو العائلة أو الطائفة إلى الدولة الحديثة ومن الدولة التسلطية إلى الديمقراطية” وهو تعريف جدير بالتطبيق.


إن جلالة الملك لم يرفع شعارات فارغة بل قام بكل الجهد لتحقيق نكهها وغاياتها، وقام بكل المجهود لإبلاغ رسالتها بل وقام فوق طاقته وجاب البلاد غربا وشرقا ،شمالا وجنوبا، سهولا وجبالا وهو يعطي الانطلاقة ويدشن، ثُم وهو يتابع ويراقب وأحيانا أخرى ليُباغت ويُحاسِب ، والدليل أن وتيرة عمله وانشغاله بتحقيق العدالة الاجتماعية لفئات عريضة من المجتمع لا تعادلها أية وتيرة، لكن البعض ممن يدعون أنهم دعاة الديموقراطية وحماة الحداثة لم يفهموا من الشعارات سوى ترديدها ومن المشاريع سوى تسويقها، وبقت أيديهم منغمسة في تحقيق مشاريعهم لا مشاريع الشعب وجاؤوا ليُخدموا لا ليخدموا، ليَأخذوا لا ليعطوا، ليُصرف لهم وليتصرفوا ويُسرفوا لا ليصرفوا ويبذلوا.


إن التجديد في “المفهوم الجديد للسلطة” يحتم على الفئة المقصودة من كلامي أن تعتبر مما يقع في البلدان الأخرى، ولا تخاطر بمستقبل بلد حباه الله من الخصوصية ما لم يهب لغيره، فالتاريخ علمنا أن الاستثناء إنما هو استثناء فعلا، فلا يغترن القوم وليعلموا أننا إن كنا فرحين بخصوصيتنا فلنحافظ عليها بتقديم مصلحة البلد فوق أي اعتبار وإعطاء الشعب حقه في المواطنة الكاملة التي من مقتضياتها الحق في العيش الكريم، والعدالة الحقة والقضاء غير الجائر، والمساواة في الحقوق والواجبات، إننا في مرحلة تفرض القيام بإصلاحات حقيقية وجذرية، تشفي غليل المطالبين بها وتمص غضب الشارع الدفين وما عداه لن يكون إلا رافعا لسقف المطالب التي ستطلع فوق السطح كلما تأخرت الاستجابة لها، وخاب الظن فيما سيُقترَح لتلبيتها.


إن الشمولية من الميزات التي وجب أخذها بعين الاعتبار في التجديد لمفهوم السلطة كي يشمل المفهوم جميع القطاعات وجميع المصالح، بل وجميع الهيآت والمجالس، فمن التجديد مثلا تجديد النخب الحاكمة والمسيرة والمؤطرة، وفتح المجال للكفاءات لولوج باب التسيير والتدبير دون محسوبية أو رشوة أو وساطة، وأتذكر أنني مرة كنت داخلا للمغرب في الطائرة وكان حظي السعيد أن أُعطيت مقعدا في الدرجة الأولى لانعدام المكان في الدرجة الثانية وجزاء قبولي بتأخير سفري، وكانت أول مرة أجلس في هذا المكان الذي كنت أمر به مر الكرام باحثا عن مقعدي في الخلف، جلست إذن مثل “العروبي في الشماعين” كما نقول في مدينة فاس، واختفيت وراء جريدتي التي أخذتها عند باب الطائرة ، وبالمناسبة لم أكن أدري أن الصحف والمجلات ستوزع علينا بشتى أنواعها في الدرجة الأولى فدخلت متأبطا عدة جرائد ، الشاهد عندنا أنني جلست بجانب فتاة عمرها في العشرينات، وبعد حديث مقتضب قدمت لي فيه نفسها علمت أن لها منصب كبير جدا في إحدى الإدارات العمومية لا الخصوصية أي أنها معينة في منصبها، فواجهتها كيف فعلت للوصول لهذا المنصب مع صغر سنها، لعلي أحذو حذوها وأسلك سبيلها وأتبع خطواتها خاصة وأن لي من الشهادات والخبرة ما يفوق خبرتها وشهادتها، وقد مللت الغربة لأكثر من عشرين سنة لا أدرك لقمة إلا بشق النفس، أجابتني الفتاة بصراحة وجرأة غير معهودة جعلتني أنطوي مرة أخرى في كرسيي الوفير، وأخبرتني أنها وصلت لهذا المنصب لكون والدها ذا رتبة جد كبيرة في الجيش الملكي، وأترك لكم التعليق.


أختم وأقول أن تجديد “المفهوم الجديد للسلطة” لجعله متجددا وفي حركية دائمة هو من الحداثة والديموقراطية، فأعتى الديموقراطيات الغربية لا ترى حرجا في تغيير دساتيرها بله قوانينها كي تساير العصر وتُجاريه، لكن في بلدنا الحبيب يمكن أن أقول أن هذا قد لا يكفي، إذ أن أكبر إشكالية هي في تجديد الساهرين على التطبيق، ولهذا كل إشارة في الاتجاه الصحيح ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار لا فقط مطالب الإصلاح ولكن أيضا القائمين على تطبيقه استجابة لانتظارات الشعب وآماله، وأن تأخذ في الحسبان أيضا أن بين أبناء الشعب في الداخل والخارج رجالا ونساء أكفاء وذوي قدرات عالية يريدون خدمة بلدهم، ويضعون أنفسهم رهن إشارة أصحاب القرار حبا لبلدهم وتفانيا في إخلاصهم لوطنهم، ولو قلصنا .


إن من شأن التجديد الحقيقي تقاسم السلطة بين جميع تيارات الشعب وتقنين ذلك كمنع الجمع بين بعض المناصب والمسؤوليات والمهمات في آن واحد، كي يحس الكل أنه مشارك فعلا في التدبير الجماعي التشاركي الذي لزم أن يُقنن للمراقبة والمحاسبة إن اقتضى الحال، وعندما أتحدث عن السلطة لا أقصد الحكومة حيث أن التداول مطلوب ومفروض، بل المناصبَ العليا في الإدارات والأجهزة والمعاهد والمؤسسات والمجالس التي تقوم بالعمل المباشر، فإذا كان تعيين بعض الراجعين من إخواننا الصحراويين أو من المعارضين السابقين –وللغريب أن ما كان يجمعهم هو عدم الاعتراف بمغربية الصحراء- كسفراء وولاة وغير ذلك من مواقع المسؤولية أمرا محمودا حيث أثبت بعضهم كفاءته ، فجدير وحري ومطلوب أن نفعل الشيء عينه مع بعض أبناء البلد الأوفياء من الجمعيات والهيآت والأحزاب القانونية وضعا المنبوذة واقعا، مع جعل الكفاءة والقوة والأمانة والتمثيلية المعايير الأساسية للاختيار لا مبدأ الطاعة والولاء فقط الذي ورثناه عن مرحلة الاستعمار الفرنسي و هو المبدأ الذي يقول:” الولاء قبل الكفاءة “.

‫تعليقات الزوار

4
  • عادل النعيمي
    الثلاثاء 8 مارس 2011 - 09:59

    قلت الكثير واوضحت واقترحت لكن مع الاسف مع الاسف مع الاسف يعرفون ولايريدون ولايهمهم الا جيوبهم وتكديس الاموال وزيادة الاغتناء ، والبطش والقهر والضرائب هؤلاء هم حكام المغرب خصوصا والعرب عموما . لو ارادوا ان يريحونا من انفسهم لغادروا وتركوا الشعب يرتب اوراقه .
    ما لدينا نحن العرب عموما الاعربون ونمودج الفساد والكدب والزور والبهتان واكل الاموال بالباطل عصابات منظمة تحمي نفسها بالقانون الجائر الظالم .وسيبقى الامر على ماهو عليه دون تحديد زمن ولاموعد.قدافيون كلهم المتبقون في السلطة سواء كانت احزابا او وزارات .بلد ادفع واشك كل سنة خلص واشك وهكدا ولا من يهتم بالمشتكي .الفقراء والمساكين يؤدون الضرائب على كل شيء في كل شيء في الالبسة وفي الانارة وفي استهلاك الماء وفي مواد البناء وفي الافرشة وفي كل شيء في التلفزة وفي وسائل النقل وفي الادوية . والاغنياء واصحاب النفود ينهبون الثروات ويعفون من اداء الواجبات ويوظفين نسائهم وابنائهم وتريد منهم ان يتنازلوا او يتراجعوا .من ياخد لايعطي ومن يامر لايستمع لمن ينصح كبرياء وغرور.ظلام وظلم واستبداد .وعود واغراءات وتفاؤل تروج له الاداعة والصحف مقابل انتكاس وتراجع وتفقير ممنهج

  • عبدالرزاق
    الثلاثاء 8 مارس 2011 - 09:55

    كلام منطقي
    الله يحفظ لينا صاحب الجلالة الملك محمد السادس

  • yahya khomri
    الثلاثاء 8 مارس 2011 - 09:57

    تبارك الله على السي عمر الله يحفظك أتمنى أن يكون الإخوة بباريس كلهم بخير، موضوع جميل ولكن المشكل في الارادة غير الموجودة للتغيير
    عند النخب الحاكمة.

  • patroid
    الثلاثاء 8 مارس 2011 - 10:01

    لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
    لقد شبع الشعب من الشكايات الى جميع الموسسات المخزنية منها الوزارة الولى .وزارة الداخلية. ديوان المضالم , و لا نعلم ماذا سيسمون
    المؤسسات التي سيؤسسونها فيما بعد لألهائهم عن الغضب
    كل هذه المؤسسات تتحد في الترامي على
    . أموال الفقراء و لاأراضيهم باسم ضهير 02 مارس 1973 ثم تفويتها لأصدقائهم أو تقسيمها فيمل بينهم
    اقد حان الوقت لنتساءل لتكوين لجنة بعد اسقاد الحكومة في العقار في بلادنا

صوت وصورة
مع بطل مسلسل "داير البوز"
الأربعاء 27 يناير 2021 - 10:17 4

مع بطل مسلسل "داير البوز"

صوت وصورة
كفاح بائعة خضر
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 21:46 11

كفاح بائعة خضر

صوت وصورة
هوية رابطة العالم الإسلامي
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 19:40 2

هوية رابطة العالم الإسلامي

صوت وصورة
تأجيل مجلس الاتحاد الدستوري
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 17:16 3

تأجيل مجلس الاتحاد الدستوري

صوت وصورة
منع احتجاج أساتذة التعاقد
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 16:41 33

منع احتجاج أساتذة التعاقد

صوت وصورة
البوليساريو تقترب من الاندثار
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 11:59 22

البوليساريو تقترب من الاندثار