بعث الملك محمد السادس برقيتين إلى الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وإلى ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، إثر الاعتداءات المتكررة التي تشنها ميليشيات الحوثي على الأراضي السعودية، والتي بلغت، وفق بلاغ للديوان الملكي أمس السبت، حدّ “محاولات يائسة وآثمة لاستهداف أطهر بقاع الأرض وأقدسها في وجدان كل مسلم”، في إشارة صريحة إلى محاولات طالت مناطق الحرمَين: مكة المكرمة والمدينة المنورة.
وتأتي البرقيتان في سياق تصعيد حوثي متسارع تشهده المملكة العربية السعودية منذ مطلع شتنبر الجاري، بعدما نجحت الدفاعات الجوية السعودية، قبل أيام قليلة، في اعتراض صاروخ باليستي استهدف العاصمة الرياض، في تطور دراماتيكي ومتسارع وُصف بأنه “الأول من نوعه” الذي يطال العاصمة مباشرة منذ يوليوز الماضي.
البرقيتان تعدَّتَا ألفاظ “التنديد بالهجمات” لتَستحضِرَا المرجعية التي يقوم عليها الموقف المغربي الثابت من أمن الخليج، وذلك في أعقاب الخطاب الشهير الذي ألقاه الملك محمد السادس أمام القمة المغربية الخليجية في أبريل 2016 بالرياض، فضلا عن زياراته المتعددة إلى أكثر من بلد خليجي لدعم تسريع العلاقات الثنائية والأخوية.
وأكد الملك أن “أمن واستقرار المملكة العربية السعودية… جزء لا يتجزأ من أمن المملكة المغربية”، معتبرا أن هذه الاعتداءات تمثل “اعتداء سافرا على مشاعر أكثر من مليار وثمانمائة مليون مسلم” حول العالم، فضلا عن كونها “خرقا صارخا للقانون الدولي” ولقرارَيْ مجلس الأمن 2216 و2722.
ثابتٍ دبلوماسي
هذا الموقف لا ينفصل عن سياقه وإنما يتأطر ضمن “نسق متكرر” من البلاغات التي دأب عليها الديوان الملكي ووزارة الخارجية المغربية كلما تعرضت دول الخليج لاعتداءات، أيا كان مصدرها.
في أواخر فبراير الماضي، حين طالت صواريخ إيرانية أراضي الإمارات والبحرين وقطر والكويت والأردن (في خضمّ الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران)، أصدرت الخارجية المغربية بلاغا اعتبرت فيه الهجوم “انتهاكا صارخا للسيادة الوطنية لهذه الدول”، مؤكدة تضامنها التام معها، فيما أجرى الملك محمد السادس اتصالا هاتفيا مباشرا مع رئيس دولة الإمارات، الشيخ محمد بن زايد، تضامنا معه إثر الاعتداء الذي طال أراضي بلاده.
المشهد أعاد نفسَه نهاية يوليوز الماضي، إثر استهداف هجمات إيرانية منشآت بترولية سعودية، حين بادرت وزارة الشؤون الخارجية المغربية إلى إصدار بلاغ اعتبرت فيه الهجوم “انتهاكا صارخا لسيادة المملكة العربية السعودية ومساسا خطيرا بأمنها القومي”، مجددة وقوفها المطلق إلى جانب الرياض في مواجهة ما وصفته بتهديد لاستقرار منطقة الخليج والشرق الأوسط برمته.
هذا الثابت الدبلوماسي ليس وليد اللحظة، بل تمتد جذوره إلى عقد كامل مضى، حين بادرت وزارة الخارجية المغربية، في بلاغها الأول ليوم 25 مارس 2015، ساعات قليلة بعد انطلاق عملية “عاصفة الحزم”، إلى الإعلان عن “التضامن مع العربية السعودية”، قبل أن يعلن بلاغ ثانٍ عزم الرباط تقديم كل أشكال الدعم للتحالف، تُوّج بمشاركة رسمية بست مقاتلات جوية مغربية إلى جانب تسع دول أخرى في التحالف العربي المساند للشرعية باليمن.
قاسمان مشتركان
بقراءة هذه المحطات مجتمعة، يتضح أن الخطاب الرسمي المغربي إزاء أمن الخليج يقوم على قاسمَيْن مشتركين لا يتغيران بتغير الجهة المعتدية؛ حوثية كانت أم إيرانية مباشرة. أوّلهما استراتيجي-سيادي، يختزل أمن دول الخليج باعتباره امتدادا عضويا لأمن المغرب ذاته.
وثانيهما ديني-رمزي، يستحضر حرمة المقدسات الإسلامية ومشاعر الأمة، مما يحيل ضمنيا إلى موقع العاهل المغربي بصفته أميرا للمؤمنين.
وبذلك، فإن توالي هذه البلاغات، من “عاصفة الحزم” سنة 2015 إلى برقيتَيْ نهاية الأسبوع الأخير ضد الهجمات الحوثية، لا يعكس مجرد ردود فعل ظرفية على أحداث أمنية متلاحقة، بل يؤسس لخطاب دبلوماسي ثابت يضع المغرب في موقع استراتيجي داخل محيط الأمن الخليجي، من دون أن يكون طرفا رسميا في هياكل “مجلس التعاون”.
ويندرج كل ذلك، في نهاية المطاف، ضمن سلسلة الاتصالات والبرقيات الرسمية التي دأب الديوان الملكي على توجيهها لتأكيد متانة الشراكة الاستراتيجية والروابط الأخوية التاريخية التي تضمن استمرارية الصلة بين الرباط بدول مجلس التعاون الخليجي.
حتى لين غادي نبقاو متسامحين شكون دعمنا حنا ضد إسبانيا شكون يحكلك ضهرك من غير ضفارك