النخب والديمقراطية

النخب والديمقراطية
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 12:56

في الديمقراطيات، تُحسم الأسئلة الكبرى في صناديق الاقتراع. أما عندنا، فيبدو أن بعضها يُعاد فتحه في الصالونات بعد أن تُغلق الصناديق. لم يكد المغاربة يفرغون من التصويت حتى تعالت أصوات وتحليلات تتداول أسماء بديلة لرئاسة الحكومة من داخل الحزب المتصدر: فوزي لقجع، عبد اللطيف وهبي، حكيم بنشماش. وكأن السؤال لم يعد: ماذا تقول القواعد؟ بل: من نراه نحن الأنسب؟

كل هذه الأسماء لها وزنها ومسارها، ولا يتعلق النقاش بأيٍّ منها. فالحزب الذي يضم كفاءات متعددة حزبٌ غني، لا حزب في أزمة. لكن اللافت هو المنطق الذي يؤطر هذا التداول. فهو يعامل القيادة الحالية للحزب، ممثلة في فاطمة الزهراء المنصوري، كأنها تفصيل قابل للاستبدال، ويطرح سؤالاً أعمق: هل نؤمن فعلاً بالديمقراطية، أم نؤمن فقط بالنتيجة التي نراها الأفضل؟

لنبدأ من النص. يجعل الفصل 42 من الدستور الملك ساهراً على «صيانة الاختيار الديمقراطي». ويقضي الفصل 47 بأن يعيّن رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدّر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. هذه ليست تفاصيل بروتوكولية، بل قاعدة تربط الاختيار بالحزب. والحزب قيادةٌ شرعية ومؤسساتٌ تتكلم باسمه، لا تحليلاتٌ تُصاغ خارجها.

غير أن النص ليس وحده ما يحمي هذا الاختيار. فمنذ 2011، كرّس الملك عرفاً دستورياً ديمقراطياً واضحاً: تعيين رئيس الحزب المتصدر للانتخابات، لا من يراه هو شخصياً مناسباً. هكذا عُيّن عبد الإله بنكيران سنة 2011 ثم سنة 2016، وعزيز أخنوش سنة 2021. وحتى حين تعذّر تشكيل الحكومة سنة 2017، لم يخرج الاختيار عن منطق الحزب ومؤسساته، إذ عُيّن سعد الدين العثماني، الرجل الثاني في هرم الحزب ورئيس مجلسه الوطني آنذاك. ثم ما لبث المؤتمر الوطني للحزب أن انتخبه أميناً عاماً في دجنبر من السنة نفسها، فالتقت رئاسة الحكومة بقيادة الحزب من جديد.

كان في وسع الملك، بمنطق النص وحده، أن ينتقي من الحزب المتصدر أي شخصية يقدّر كفاءتها. لكنه اختار أن يقيّد سلطته التقديرية باحترام القيادات التي أفرزتها الأحزاب نفسها. وفي ذلك رسالة بليغة: صيانة الاختيار الديمقراطي تعني تحصينه من التقديرات الذاتية، مهما بدت وجيهة، ومن الحسابات التي تصوغها النخب في تحليلاتها.

ومن هنا تبدو هشاشة المعايير المتداولة. فهناك من يحتج بالفضل في جلب الأصوات، وهناك من يحتج بالأقدمية، وهناك من يحتج بالخبرة التقنية. لكن المغاربة لم يجروا انتخابات رئاسية، بل صوّتوا في انتخابات تشريعية لاختيار ممثليهم، وبعدها فقط تبدأ الآليات الدستورية لتشكيل الحكومة. ولو فتحنا باب «من يستحق أكثر»، فمن سيقيس الاستحقاق؟ وبأي مقياس؟ حينها نكون قد استبدلنا قاعدة دستورية وعرفاً راسخاً بمعايير غامضة تصنعها التأويلات.

والأغرب أن تُختزل المنصوري في صفة «منسقة»، كأنها مسؤولة تنظيمية عابرة. الوقائع تقول غير ذلك. فهي منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، و التي ترأست المجلس الوطني للحزب مرتين و تدرجت في دروب مؤسسات الحزب و فاوضت على موقعها مع جهابدة السياسة و أمناء عامين من طينة إلياس العمري و عبد اللطيف وهبي و ما أدراك ما إلياس و وهبي. هي عمدة مراكش، ووزيرة سابقة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. وقد حافظت على مقعدها في دائرة مراكش المدينة–سيدي يوسف بن علي، في الانتخابات نفسها و قادت الجهة كاملة إلى صدارة نتائج الانتخابات وطنيا. فكيف تتحول القيادة التي خاضت المعركة وربحتها إلى مجرد محطة انتظار، إلى حين ظهور «الاسم المناسب»؟

السؤال هنا يتعلق بمفهومنا للحزب نفسه. فالأحزاب ليست شركات تبحث عن أفضل مدير تنفيذي، بل مؤسسات لها قيادات وبرامج وهياكل. من حق أي قيادي أن يطمح، ومن حق الحزب أن يناقش داخلياً من يراه الأصلح، وتلك حيوية مطلوبة. أما أن يتحول النقاش العام إلى ما يشبه الاستفتاء الموازي على قيادة انتخبها الحزب، فذلك أمر آخر. الكفاءة مهمة، لكنها ليست الشرعية. والأقدمية محترمة، لكنها ليست تفويضاً.

ثم هناك الجانب الأكثر حساسية. فحين تصل امرأة إلى موقع متقدم، يُنتظر منها دائماً أن تثبت أنها غير متمسكة بالسلطة: أن تتنازل، وأن تفسح المجال، وأن تقبل بأن هناك من هو «أنسب». يكفي أن نتأمل كيف تُقترح أسماء رجال متعددة بديلاً لامرأة تقود الحزب المتصدر، دون أن يبدو ذلك غريباً لأحد. ليس المطلوب أن تُمنح المنصوري امتيازاً لأنها امرأة. المطلوب هو العكس تماماً: ألا يُطلب منها التنازل عن حق سياسي لأنها امرأة. فالمساواة لا تعني أن نوصل المرأة إلى الباب، ثم نطلب منها أن تفسح الطريق.

يمكن الاختلاف مع المنصوري، ونقد حصيلتها، ومساءلتها عن تجربتها الحكومية والمحلية والحزبية. ذلك حق، بل واجب. لكن تصويرها سياسية بلا خبرة لا يصمد أمام مسارها. وقد أظهرت، في الندوة الصحافية التي أعقبت تصدّر حزبها، حذراً مؤسساتياً لافتاً حين سُئلت عن رئاسة الحكومة، فأكدت أن الأمر من اختصاص الملك وأنها تحترم قراره. وتلك لغة من يعرف حدود الدور، لا لغة من يتشبث بالمنصب.

وهنا تبلغ المفارقة ذروتها. فالملك، الذي يملك دستورياً هامشاً للاختيار، آثر أن يحتكم إلى القاعدة الديمقراطية بدل التقدير الذاتي. والمعنية بالأمر نفسها تحيل القرار على المؤسسة الملكية. ومع ذلك، تمنح بعض النخب نفسها ما لم يمنحه الملك لنفسه: أن تقرر من هو «الأنسب»، ثم تبحث للقواعد عن تأويل يلائمه. لطالما قلنا إن الدولة لا تمنحنا ما يكفي من الديمقراطية. فماذا لو كان جزء من المشكلة فينا نحن: نرفع الديمقراطية شعاراً، ثم نبحث عن الاستثناء حين تظهر نتائجها؟

الديمقراطية لا تضمن أن يصل من نراه الأفضل، ولا أن تنسجم النتائج مع حسابات النخب. وهذا ليس عيباً فيها، بل جوهرها. فمن يقبل بها فقط حين تأتي بمن يريد، لا يؤمن بالديمقراطية، بل يؤمن باختياره. أما هي فتقول شيئاً أصعب: قد لا تحصل على ما تريد، لكنك تحترم القواعد التي قبلتها مسبقاً.

لذلك فالدفاع عن موقع المنصوري ليس دفاعاً عن شخص، ولا موقفاً ضد أحد. إنه دفاع عن مبدأ يقول إن الحزب ليس ملكاً لأحد، وإن الانتخابات ليست مسابقة فردية، وإن الكفاءة لا تلغي الشرعية، وإن الدستور ليس نصاً نحتفي به حين يخدم حساباتنا ونلتف عليه حين لا يفعل.

فأخطر ما يتهدد الديمقراطية ليس أن يعارضها خصومها، بل أن يقول أبناؤها: نعم للديمقراطية… ولكن ليس هذه المرة.

والسؤال في النهاية بسيط: هل نريد مؤسسات تختار، أم نخباً تختار أولاً ثم تطلب من المؤسسات تبرير اختيارها؟

إن كان الجواب هو الأول، فعلينا أن نثق في القواعد التي كرّسها الدستور ورسّخها العرف الملكي. وإن كان الثاني، فلنعترف بالحقيقة المزعجة: المشكلة ليست أن الديمقراطية لم تنضج بعد… بل أن بعض النخب لم تتعلم بعد كيف تؤمن بها.

-خبيرة في السياسة والسياسات العامة

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
توقف أشغال يعرقل السير بطنجة
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 15:42

توقف أشغال يعرقل السير بطنجة

صوت وصورة
حريق سوق المسيرة بالبيضاء
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 13:09

حريق سوق المسيرة بالبيضاء

صوت وصورة
دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 12:13

دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي

صوت وصورة
رالي المغرب يخترق الصحراء
الأحد 27 شتنبر 2026 - 23:36

رالي المغرب يخترق الصحراء

صوت وصورة
مستشفى تيفلت بلا تجهيزات
الأحد 27 شتنبر 2026 - 22:03

مستشفى تيفلت بلا تجهيزات

صوت وصورة
البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"
الأحد 27 شتنبر 2026 - 21:30

البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"