بدأ الأمرُ بحكايةٍ عابرةٍ رَواها لي صَديقٌ نبيلٌ وهو يبتسمُ تلك الابتسامة التي لا تعرف أهي من الطرافة أم من فرط الأسَى. كان يتحدث عن مسؤولٍ مرّ بالمؤسسة، فترك وراءه أثاثاً أجمل، وسيارة أفخم، وهواءً أكثر عطراً، وموظفين أكثر تمرّساً في حمل الدَّفاتر.
كلما مضى في الحكاية، أخذ الرجل الذي يَصفُه لِي يفقدُ ملامحه الفردية شيئاً فشيئاً، حتى لم يعد شخصاً بعينه، وصار نموذجاً لمسؤولٍ له لغته وطقُوسه ومفْهومه الخاصّ جِدّاً للإدارة. انتهى حديثنا وبقيت الصّورة عالقة في ذهني: مسؤولٌ يزداد بروزًا كلما تراجع الإنجاز، ومؤسسةٌ تُجيد، في هدوء، إظهارَ قدرٍ هائل من الحركة من دون أن تُحرز أيَّ تقدُّمٍ.
كائن إداري عجيبٌ
يتعلّقُ الأمرُ بكائن عجيب يمشي على قدمين، يرتدي ربطة عنق، يحملُ هاتفين، ويعتقد أن الكونَ كله يحتاجُ إلى إعادة ترتيب فور جلوسه على كرسي المسؤولية. لا يأكل الملفات ولا يلتهم القرارات يتغذى أساساً على المظاهر، وينتعش كلما لمع مكتبه أكثر، واتسعت سيارته، وفاحت في المكان رائحة توحي بأن شخصاً مهماً مرّ من هنا. ح
ين يتولى مهمة، لا يسأل أولاً: ماذا يحتاج الناس؟ يسأل: ماذا يحتاج مَكتبي؟ لا يُقلقه تأخر مشروع بقدر ما يقلقه لون الأريكة، ولا يزعجه خلل الإدارة بقدر ما يزعجه موظف دخل عليه من دون دفتر. كائنٌ يعيش بيننا، نراه كل يوم، نسمع لغته، نعرف طقوسه، ونكتشف بعد قليل أن المؤسسة التي جاء ليُديرها بدأت، بهدوء مُدهِش، تَدُور حوْله هو. ما إن تسلّم سعادتُه المهمة حتى اكتشف، بعبقريته الإدارية الفذّة، أن المؤسسة لا تُعاني من تراكم الملفات ولا من بطء القرارات ولا من اختناق المساطر؛ المشكلة الحقيقية كانت في لَوْن السَّتائر!
الهيبة أولاً… والعمل لاحقاً
جلسَ خلف مكتبه أوّل صباح، تأمّل الجدران طويلاً، ثم هزّ رأسه بأسَى رجُلٍ يحملُ همَّ الوطن فوق كتفيه: كيف يمكنُ للإدارة أن تنهض وهذا المكتب ما زال يحتفظ بنفس السَّجاد منذ ثلاث سنوات؟ وكيف تنتظرون منه قرارات تاريخية وهو يجلس على كرسي لا يدور ثلاثمائة وستين درجة؟
بدأ الإصلاح فوراً. غيّر المكتب لأن المكتب القديم لا “يعكس الرؤية الجديدة”. غيّر الأريكة لأن لونها يبعث رسالة سلبية إلى الشركاء؛ غيّر السّتائر لأن أشعة الشمس كانت تتسلَّلُ إلى الغرفة من غير احترام للتسلسل الإداري؛ طلب طاولة اجتماعات أكبر، فالقرارات العظيمة تحتاجُ إلى مساحة كافية لتمديد الذراعين أثناء شرحها.
ثم جاء دور سيارة الخدمة. نظر سعادته إلى السيارة القديمة نظرة خبير استراتيجي، تنهد وقال في نفسه: كيف سيحترم المواطن الإدارة إذا لمح مسؤولها ينزل من سيارة لا تحتوي على مقاعد جلدية؟ تحتاج الهيبة الإدارية إلى محرك قوي، وكرامة المرفق العام لا تحتمل سيارة تقطع الطريق من دون فتحة سقف بانورامية. اختار سيارة جديدة حتى يتمكن من “الوصول إلى الميدان بسرعة”.
ثم طلب هاتفاً جديداً، لأن الهاتف السابق لم يعد قادراً على حمل حجم المسؤولية؛ كما طلبَ حاسوباً جديداً، لأن القرارات المصيرية لا تليقُ بشاشة صغيرة.
منصب كبير… وأفكار بحجم مُعَطّر جوّ
كلما سأله أحد عن الملفات، أجاب بوجه شديد الجدية: “نحن الآن في مرحلة إعادة الهيكلة”،
وكان يقصد تحريك الخزانة من الجدار الأيمن إلى الجدار الأيسر. وإذا سألوه عن برنامج العمل، تحدث عن “التحول العميق في بيئة الأداء”، والمقصود شراء مصباح جديد. أما إذا سألوه عن النتائج، ابتسم بثقة وقال: “التغيير يحتاج إلى وقت”؛ صحيح، فاختيار لون الجلد للسيارة وحده أخذَ ثلاَثةَ اجتماعات.
عقلية سعادته بسيطة جداً: إذا لم تستطع تغيير الواقع، غيّر الديكور. وإذا استعصى عليك إصلاح المؤسسة، أصلح مكتبك. وإذا سألك الناس عن الإنجازات، حدثهم عن الرؤية. وإذا طالبوك بالأرقام، أطلعهم على صور المكتب بعد التّجديد.
وما إن استقر سعادته في مكتبه حتى اكتشف خللاً خطيراً لم تنتبه إليه الإدارات السابقة: رائحة المكان لا تليق بالمنصب. قال إن المكتب يحتاج إلى “هوية حِسِّية”. لم يفهم أحد المقصود؛ شرح لهم سعادتُه أن المسؤول لا يكفيه مكتب واسع وسيارة لامعة، يحتاج أيضاً إلى رائحة تسبقه إلى الداخل، حتى يعرف الزائر أنه اقترب من مركز القرار.
بدأت المشاورات. رفض رائحة الورد لأنها “عاطفية أكثر من اللازم”. رفض الليمون لأنها تذكّره بمواد التنظيف. رفض العُود لأنه قوي. رفض المسك لأنه تقليدي؛ طلب عطراً “يجمع الهيبة والحداثة والانفتاح والحزم”. جاءَت العيّنات. شمّ سعادته الأولى، أغلقَ عينيه، ثم قال: هذه لا تقول قيادة. شمّ الثانية: هذه تصلحُ لنائب المدير. شمّ الثالثة، سكت قليلاً، ثم هز رأسه: اقتربنا. احتاج اختيار مُعطّر المكتب إلى وقت أطول من بعض الملفات التي تنتظر توقيعه.
سعادته والدفتر المهيب
بعد أن حسم معركة الهواء، انتقل إلى إصلاح الإنسان. لاحظ سعادته أن بعض الموظفين يدخلون عليه بأيديهم فارغة. استفزه المشهد. كيف يدخل موظف إلى مكتب مسؤول كبير من غير دفتر؟ وماذا سيفهم الزائر إذا شاهد شخصاً يخرج من عند سعادته من غير أن يكتب شيئاً؟ أصدر تعليماته الشفهية فوراً: “كل من يدخل يحمل دفتراً”، حتى من جاء ليسأل عن مفتاح، حتى من جاء ليخبره أن الاجتماع انتقل إلى الطابق الثالث، حتى من دخل خطأ. فالدفتر، في فلسفة سعادته، لا يخدم الذّاكرة فقط؛ يخدم المشهدَ.
ومع الأيام تطورت الطقوس. من يدخل بدفتر صغير يبدو غير جادّ. من يدخل بقلم واحد يفتقر إلى الاستعداد. من يرفع رأسه كثيراً أثناء الحديث قد يعطي انطباعاً بأنه لا يدوّن بما يكفي.
أصبح بعض الموظفين يكتبون أي شيء حتى يحافظوا على الإيقاع: الثلاثاء. الساعة العاشرة.
سعادته شرب الماء. سعادته نظر إلى النافذة. سعادته قال: “تمام”. ثم يخرجُون من المكتب بصفحات مُمتلئة وقرارات فارغة. كان سعادته سعيداً. المكتب تفوح منه رائحة القيادة. الموظفون يكتبون باستمرار. الأقلام تتحرك. الدفاتر تمتلئ. كل شيء يوحي بأن مؤسسة عظيمة تعمل بكُل جِدّية.
نجاحٌ باهر في غير محلّه
ثم انقضت الأيام، وبقيَ سعادته مشغولاً بذلك النوع النادر من العمل الذي لا يرهق المؤسسة بقدر ما يرهق الأثاث. كل شيء حوله تحسّن على نحو مُدهش: المقعد صار أكثر طواعية، السيارة أكثر وقاراً، الهواء أكثر تهذيباً، والداخلون عليه أكثر تدريباً على حمل الدفاتر. أما الملفات فواصلَت حياتها القديمة في صمت، كأنها فهمت أنها ليست من أولويات المرحلة الجديدة.
حين غادر سعادته مَنْصِبهُ ذات يوم، تنفّست المؤسسة قليلاً، ثم التفَتَتْ فوجدت نفسها كما كانت تقريباً مع فرقٍ واحِد لا يُستهانُ به: أصبحت تعرف تماماً أيّ عطر يَليقُ بِالفَشَل.
بعد تحياتي لكاتب المقال، وشكري له على أسلوبه المتين وموضوعه الصائب، أنضم إلى فكرته، وأضيف إليها عنصراً آخر أراه جديراً بالتأمل.
ففكرة المسؤول عندنا، أو بالأحرى فكرة صاحب المنصب حين يتولى مسؤولية جديدة، لا تقوم في كثير من الأحيان على مواصلة المسيرة التي بدأها سلفه، والبناء على ما تحقق، وتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح، ثم إضافة عناصر جديدة إلى مسلسل التطور والتحديث والتقدم، كما هو معمول به في الدول التي تقوم إدارتها على مبدأ الاستمرارية.
بل يحدث العكس تماماً: يأتي المسؤول الجديد وكأن مهمته الأولى هي تغيير الديكور كله، وقلب المشهد رأساً على عقب، وكأن كل ما كان قبله لم يكن موجوداً أصلاً، أو لم تكن له أية قيمة.
والنتيجة أن كل مسؤول يبدأ من الصفر تقريباً، فينشغل بإبراز بصمته الخاصة، وتكريس صورته وأسلوبه، بدل أن ينظر إلى المؤسسة باعتبارها ملكاً للمرفق العمومي لا ملكاً لشخصه.
وهنا تضيع الفكرة الأساسية التي من أجلها أُسند إليه المنصب: تقديم خدمة عمومية أفضل، ومواصلة البناء على ما تحقق، وإضافة شيء جديد إلى ما أنجزه من سبقه.
سياسة التصاور و شوفوني و استدعاء الصحافة التي يتبناها كل المسؤولون و حتى الوزراء منهم غير اعتباطية، فهي تستند إلى كيف يتم الحكم عليهم من طرف أصحاب الحل و العقد. فالمسؤول الذي يعمل بدون صور و مظاهر كمن يسكب الماء على الرمل.
مقال رائع و معبر عن حالات المسؤولين عندما يتم تعيينهم في مؤسسات جديدة. فعلا تغيير معالم المكان الذي مر به من سبقهم يكون من الأولويات. يوما ما ربما ستحذف من الميزانية السنوية للتسيير الخانة المخصصة بتجهيز المكاتب وتنحصر في مرة كل خمس سنوات وكذا بالنسبة لشراء سيارات المصلحة و تنظيم المأدبات و…و…..
مقال بديع ورائع سي لحجمري
وصفت هذا الصنف من المسؤولين بدقة وما أكثرهم في إدارتنا حسبي الله ونعم الوكيل