المنظور الغربي للقانون الدولي من كييف إلى غزة

المنظور الغربي للقانون الدولي من كييف إلى غزة
الثلاثاء 24 أكتوبر 2023 - 13:41

منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا والعالم الغربي لم يدخر جهدا في الظهور بمظهر الحارس العالمي لمبادئ القانون الدولي، إذ اتخذ رزنامة من العقوبات الاقتصادية على روسيا، ثم صراع في دواليب مجلس الأمن من أجل استصدار قرار يدين دولة روسيا بداعي خرق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، خصوصا في ما يتعلق بالفقرة الرابعة من المادة الثانية التي تمنع استعمال القوة أو التهديد باستعمالها ضد الاستقلال السياسي لأية دولة. هذه العقوبات والدفاع المستميت في وجه الغزو الروسي وصل حد فرض عقوبات على الرياضة الروسية، التي منع منتخبها لكرة القدم من خوض مباريات إقصائية خاصة بكأس العالم 2022 وتم تجميد عضوية اتحادها في الاتحاد الدولي لكرة القدم وكذلك الأوروبي، رغم أن لوائح الاتحادين تدعوا لعدم خلط الرياضة بالسياسة.

نحن لسنا بصدد الدفاع عن روسيا التي تتوفر على جميع المقومات للدفاع عن نفسها، كما لا يمكن أن ننفي قيامها بخرق مبادئ القانون الدولي ومواد ميثاق الأمم المتحدة، بل قد سبق وأن نشرنا مقالا في هذا الشأن تعرضنا فيه لمختلف تلك الجوانب. بينما الغرض هنا التطرق للانقلاب في الموقف الغربي أمام العدوان الإسرائيلي على غزّة، حيث ترتكب جرائم أبشع وأوضح من تلك التي حرّكت ضمير الدول الغربية في الحرب الروسية الأوكرانية. لم تكتف الدول الغربية بالسكوت عن جرائم الاحتلال الإسرائيلي في غزة، بل منعت كل مظاهر التضامن والتعاطف مع الشعب الفلسطيني في قمع للحريات والحق في التعبير الذي طالما صدّعت رؤوسنا بضرورة احترامه.

بلغة القانون الدولي، فإسرائيل تعتبر دولة محتلّة للأرض الفلسطينية الأمر الذي يعطي للشعب الفلسطيني الحق في المقاومة بجميع الوسائل المتاحة بما في ذلك الكفاح المسلح. حسب التوصية الأممية رقم 1514 لعام 1960 حول حق الشعوب في تقرير مصيرها، “يعتبر إخضاع الشعوب للاستعباد الأجنبي وسيطرته واستغلاله يشكل إنكارا للحقوق الأساسية للإنسان، ويناقض ميثاق الأمم المتحدة ويعيق قضية السلم والتعاون العالميين”. كما أن التوصية رقم 2625 لعام 1970 المتعلقة بمبادئ القانون الدولي التي تهم العلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقا لمقتضيات الميثاق، أكّدت أنّ الشعوب لها الحق في معارضة السيطرة الأجنبية الاستعمارية وعلى الدول مساعدة الشعوب المستعمرة وتلقي الدعم وفقا لأهداف ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة للكفاح من أجل نيل استقلالها.

القانون الدولي الإنساني بدوره يعترف بشرعية حركات المقاومة المسلحة وأحقيتها في حمل السلاح على أن تحترم بدورها قواعد ومبادئ هذا القانون، فاتفاقية جنيف الثالثة الخاصة بحماية الأسرى في النزاعات المسلحة لسنة 1949، في مادتها الرابعة عددّت مجموعة من الشروط التي حددّت فيها المقصود بأسير حرب، حيث أدرجت من ضمنهم أعضاء حركات المقاومة المنظمة الذين ينتمون إلى أحد أطراف النزاع ويعملون داخل أو خارج إقليمهم وفق شروط محدّدة. وإزالة لأي لبس قام البروتوكولين الإضافيين لاتفاقيات جنيف بإلغاء مجموعة من الشروط للاعتراف بشرعية حركات المقاومة واستفادتها من هذه الاتفاقيات مثلها مثل عناصر الجيوش النظامية، كشرط الانتماء أو التبعية لأحد أطراف النزاع. إذ تحدث البروتوكول الإضافي الأول عن الانتماء لحكومة أو سلطة ولو لم يعترف بها العدو من أجل أم يتمتع الشخص بصفة مقاتل ومن ثّم صفة أسير حرب، كما أن جانبا كبيرا من الفقه يصنف حركات المقاومة على أنها ترقى لكونها شخص من أشخاص القانون الدولي، وهنا وجب التمييز بين حركات المقاومة التي تكافح لنيل استقلالها ضد الاحتلال الأجنبي والجماعات المسلّحة التي تسعى إلى تفتيت الاستقلال السياسي والوحدة الترابية للدول.

إنّ حركات المقاومة الفلسطينية لها كامل الشرعية في الدفاع عن نفسها والكفاح لنيل استقلالها بشتى الطرق بما في ذلك استعمال السلاح. كما أنها تعتبر بشكل مباشر أو غير مباشر معنية باتفاقيات جنيف الأربعة وبروتوكوليها الاضافيين من حيث الحقوق وكذا الواجبات. في المقابل نجد أن الاعتراف الغربي لأوكرانيا بأحقيتها في الدفاع عن نفسها ذهب إلى حد الدعم بالسلاح والمال، ومحاولات عديدة داخل مجلس الأمن من أجل استصدار قرار يدين التدخل الروسي في أوكرانيا الذي يصطدم بفيتو روسي في كل مرّة. تلك الدول نفسها عارضت محاولة استصدار قرار في مجلس الأمن ليس من أجل إدانة العدوان الإسرائيلي على غزّة بل من أجل وقف إطلاق النار لدواع إنسانية، الأمر الذي يعبّر عن الإفلاس القانوني والإنساني الذي وصلت إليه الدول الغربية.

إذا كانت المحكمة الجنائية الدولية رأت في ما يقوم به الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فماذا عن الجرائم الموثّقة التي ترتكبها إسرائيل داخل قطاع غزّة من قتل للمدنيين واستهداف للمباني السكنية والصحية والمؤسسات التابعة للأمم المتحدة المحمية بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني. اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب تمنع الاعتداء على حياة المدنيين الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية، وتحظر الاعتداء على السلامة البدنية والقتل بجميع أشكاله والتشويه والمعاملة القاسية… وإسرائيل باعتبارها سلطة احتلال فهي مسؤولة على جميع الأفعال التي تقوم بها والمخالفة لقواعد القانون الدولي الإنساني، والتي ترتقي إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ناهيك عن الحصار المطبق على قطاع غزة وما ينتج عنه من تجويع ونقص في الماء والدواء في محاولة لإبادة سكان القطاع.

حاولت إسرائيل قلب الطاولة على منظمة المقاومة حماس بعد عملية 7 أكتوبر واستغلالها باستعطاف الرأي العام العالمي خصوصا الغربي، وتصوير الحركة على أنها جماعة إرهابية متطرفة يحق التعامل معها بوحشية عسكرية. إذ طالما خسرت إسرائيل المعركة الإعلامية ضد كفاح الشعب الفلسطيني، لكن تماديها في استهداف المدنيين وقصف المباني دون تمييز بين مدنية وصحية وأهداف عسكرية، خصوصا استهداف المستشفيات أدّى إلى انكشاف حقيقة أفعالها وانكشاف حقيقة الدول الغربية معها. خير شاهد على ذلك تقرير “ريتشارد غولدستن” حول جرائم إسرائيل في عدوانها ضد غزة سنة 2008 الذي بقي طي الرفوف، لتمتع إسرائيل بحماية أمريكية غربية مطلقة شجعتها على ارتكاب المزيد من الجرائم. في انتظار انقلاب الموازين القوة العالمية ستستمر معاناة الشعب الفلسطيني، والسبيل الوحيد لوقف الجرائم الإسرائيلية ولو بشكل جزئي هو المقاومة الفلسطينية ونضال الشعب الفلسطيني.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • mobadarate
    الثلاثاء 24 أكتوبر 2023 - 19:29

    القانون الدولي الإنساني هو مجموعة من القواعد التي ترمي إلى الحد من آثار النزاعات المسلحة لدوافع إنسانية. ويحمي هذا القانون الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة أو بشكل فعال في الأعمال العدائية أو الذين كفوا عن المشاركة فيها مباشرة أو بشكل فعال، كما أنه يفرض قيودًا على وسائل الحرب وأساليبها. ويُعرَف القانون الدولي الإنساني أيضًا “بقانون الحرب” أو “قانون النزاعات المسلحة”.
    والقانون الدولي الإنساني فرع من القانون الدولي العام، الذي يتألف بصفة رئيسية من معاهدات والقانون الدولي العرفي فضلًا عن المبادئ العامة للقانون (انظر المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية).

  • mobadarate
    الثلاثاء 24 أكتوبر 2023 - 19:30

    وينبغي التمييز بين القانون الدولي الإنساني، الذي يحكم سلوك الأطراف المنخرطة في النزاعات المسلحة (القانون في الحرب jus in bello)، والقانون الدولي العام الذي يكرسه ميثاق الأمم المتحدة والذي ينظم مدى قانونية لجوء دولة إلى استخدام القوة المسلحة ضد دولة أخرى (قانون شن الحرب jus ad bellum). ويحظر الميثاق اللجوء إلى القوة ولكنه يتضمن استثناءين هما: حالات الدفاع عن النفس ضد هجوم مسلح، وعندما يخوّل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة استخدام القوة المسلحة. ولا يبحث القانون الدولي الإنساني في وجود أسباب مشروعة وراء انطلاق شرارة النزاع من عدمه، وإنما يسعى بالأحرى إلى تنظيم سلوك أطراف النزاع فور اندلاعه.

  • mobadarate
    الثلاثاء 24 أكتوبر 2023 - 19:59

    ما نعرفه اليوم جيدا أن هذه اللحظة كانت بداية المشروع الاستيطاني الصهيوني، الذي انتهى بدولة إسرائيل المُقامة على أنقاض فلسطين، لكن ما لا يعرفه الكثيرون أيضا أن اللحظة نفسها هي التي دشَّنت حكاية الصراع اليهودي الداخلي بين اليهود المتدينين وبين الصهيونية، قبل النكبة، وقبل الهجرات اليهودية إلى فلسطين، وقبل وعد بلفور، وقبل حتى أن يعرف “بلفور” أنه سيُقدِّم وعدا لليهود بشيء ما في أرضٍ ما. [ فإن كثيرا من اليهود المتدينين رفضوا الفكر الصهيوني منذ بدايته، بل وحاربوه واعتبروه ضارًّا بمصالحهم في العالم، وأدرك زعماؤهم أن الصهيونية حركة علمانية، ليس فقط لعلمانية مؤسسيها، وإنما لمعارضتها الصريحة لاعتقادهم في مملكة إسرائيل التي سيُقيمها لهم “الماشيح” المنتظر.

  • citoyen
    الجمعة 27 أكتوبر 2023 - 09:37

    Pour qu’il y ait un Droit international ou privé il ne suffit pas que quelqu’un soit là pour réclamer son application mais il faut qu’il y ait aussi des instances internationales ou privées capables d’en faire respecter les clauses. Il n’y a dans le Monde aucune autorité morale capable de nous éviter les dérives que nous connaissons, a déclaré Amin Maalouf à la télévision française. Pire encore il n’y a plus personne pour écouter les sages

صوت وصورة
بنعبد الله يعدُ بحل مشاكل التعليم
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 17:02 9

بنعبد الله يعدُ بحل مشاكل التعليم

صوت وصورة
المنصوري وإعفاء الوزيرة ماديحة خيير
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 16:45 9

المنصوري وإعفاء الوزيرة ماديحة خيير

صوت وصورة
"البام" يشيد بانسجام التحالف الحكومي
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 15:56 4

"البام" يشيد بانسجام التحالف الحكومي

صوت وصورة
عرشان يفتح ملف "الجلادين الحقيقيين"
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 14:08 15

عرشان يفتح ملف "الجلادين الحقيقيين"

صوت وصورة
مستشار يطالب باسترجاع أموال المغاربة
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 13:43 16

مستشار يطالب باسترجاع أموال المغاربة

صوت وصورة
فريق "الأحرار" ينتقد برنامج الحكومة
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 12:53 10

فريق "الأحرار" ينتقد برنامج الحكومة