"المُحتالُ سردًا مُحتالٌ قراءةً" .. القارئ العربي يدخل عالم الأديبة أوكامبو

"المُحتالُ سردًا مُحتالٌ قراءةً" .. القارئ العربي يدخل عالم الأديبة أوكامبو
صورة: أرشيف
الأربعاء 15 دجنبر 2021 - 02:45

تعد سيلفينا أوكامبو من أبرز أديبات الأرجنتين وأمريكا الجنوبية في القرن العشرين، ومازالت أعمالها السردية والشعرية، وأيضا ترجماتها، تحقّق إلى حدود اليوم نجاحا ساحقا واهتماما كبيرا داخل وطنها وخارجه؛ وما فتئت تزداد قيمة وتألقا مع مرور الوقت.

تتميز كتابات سيلفينا أوكامبو بمزجها بين حقائق الواقع الاجتماعي الأرجنتيني وبين الخيال المتشبّع برهافة أحاسيسها وبمرجعياتها الفكرية والفنية واهتماماتها الأدبية الرفيعة، وكذا ما استمدّته الكاتبة من طاقةٍ إبداعية إثر معاصرتها لأدباء كبار؛ من قبيل زوجها الكاتب أدولفو بيوي كاساريس، وصديقها الكاتب خورخي لويس بورخيس.

يمكن القول إن ترجمة أيّ عمل أدبي لسيلفينا أوكامبو، كرواية “المُحتال” مثلا، يعد في حدّ ذاته مغامرة مثيرة؛ فهذا المؤلّف المكثّف لا يخلو من أبعاد اجتماعية وسيكولوجية تفرض على مترجمها اختراق دائرة تفكير الكاتبة وبيئتها ونصها الأدبي ونفسيات شخصياته المحورية، مع الحذر الشديد عند ملامسة جوهر السرد وسياقه ورؤية صاحبته.

تَوفّقَ المترجم سعيد بنعبد الواحد في ترجمة رواية “المُحتال”، الصادرة حديثا عن دار كلمات. وإن نقل هذا النوع الأدبي السهل الممتنع إلى اللغة العربية هو، في حدّ ذاته، إبداع يضاهي قيمة العمل في صيغته الأصلية، خصوصا مع محافظته على روح الرواية ومميزاتها الجمالية. فهذا المترجم المغربي، الذي نقل ما يناهز الأربعين مؤلفا من اللغتين الإسبانية والبرتغالية إلى اللغة العربية، والمتخصّص في ترجمة آداب إسبانيا والبرتغال وأمريكا اللاتينية، يوظّف باستمرارٍ خبرته وتجربته في خدمة ترجمة النماذج المتميزة من آداب هذه البلدان، مع تركيزه على الفهم العميق لخصوصية كلّ عمل أدبي ومراعاة جوانبه الأسلوبية والجمالية في عملية الترجمة.

وبهذا يمكن للقارئ العربي أن يعتبر نفسه محظوظا بدخول عالم سيلفينا أوكامبو ليس من أوسع الأبواب فقط، بل من أجملها وأقدرها على تحقيق متعة القراءة.

تقدّم رواية “المُحتال”، في أقل من مائة صفحة، حكاية الشابين أرماندو هيريديا ولويس مايدانا، اللذين يلاحق القارئ حقيقتيهما كأنه يتعقّب السراب، فهما صديقان مقربان جدا؛ لكن كل واحد منهما يعيش في عالمه الخاص، تتواجد عائلتاهما في مدينة بوينوس آيريس، بينما يمضي الشابان معا أياما فريدة مليئة بالأحداث الغريبة، في مزرعة “طيور التمّ” في قرية كاتشاري.

يصادف قارئ رواية “المحتال” في الصفحة 82 عبارة للويس مايدانا مخاطبا نفسه: “قد يقتلني مثل كلب”، ونقرأ العبارة نفسها تقريبا عند الكاتب كافكا في روايته “المحاكمة” على لسان بطلها جوزيف ك. القائل: “أموت مقتولا ككلب”؛ وهو ما يؤكد بشكل ما التقاطع الأدبي للكاتبة الأرجنتينية سيلفينا أوكامبو مع الكاتب التشيكي فرانز كافكا في إدراك أوجه القلق الذي يعيشه الإنسان في صراعه مع نفسه ومع الآخرين. ورغم المسافة الكبيرة التي تفصل بين الكاتبين اللذين عاشا في قارتين متباعدتين تتمتعان بثقافتين مختلفتين، فإن القارئ لبعض أعمالهما قد يلامس نزوحهما الأدبي نحو الهوية الإنسانية والمشكلات الوجودية والمعاناة البشرية والجوانب النفسية المائلة إلى العبثية والعدمية، ونزوع الكاتبين إلى كتابة أعمال أدبية مميزة مبهرة وذات أسلوب مرن مراوغ.

في سؤال يرتبط بترجمة رواية “المُحتال” إلى اللغة العربية، يقول المترجم سعيد بنعبد الواحد إن ما يؤرق المترجم أحيانا هو اختلاف درجة التفاعل بين قرّاء العمل الأدبي المترجم، متسائلا بدوره: “هل سيقرأ الجميع هذه الرواية بنفس الوعي؟”.

تتناول رواية “المُحتال”، في بساطة تفاصيلها، موضوعا معقدا، ومن وراء التسلسل الانسيابي لأحداثها يتجلى وجهٌ آخر للإنسان، وجهٌ مطبوع بالهواجس والهلوسات والمعتقدات والأحلام والذكريات. في مواضع من الرواية، نقرأ هذه المقاطع: “الحب والموت يتشابهان: حين نتيه نلجأ إليهما”، “الحيوانات هي أحلام الطبيعة”، “كان رعبا، وفي الوقت نفسه كان ارتياحا”، “لا توجد وسيلة لمعرفة أيّها كانت أحلاما وأيّها كانت واقعا”.

فهل كان الصديقان في الرواية شخصا واحدا يعاني انفصاما في شخصيته؟ وإذا كان الأمر كذلك فمن منهما الحقيقي ومن المتخيّل؟ لويس أم أرماندو؟ وهل كان هذا الاضطراب النفسي وانفصال الهوية هو المحرك الرئيسي لجميع الأحداث في “المُحتال”؟ ربما نعم، وربما لا.. وفي لجّة هذه الحيرة تكمن روعة الكتابة عند سيلفينا أوكامبو في هذا السرد “المُحتال” على القارئ ببراعة أدبية فائقة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • الطنز البنفسجي
    الأربعاء 15 دجنبر 2021 - 10:07

    يظل صالح علماني شيخ المترجمين والذي تألق في ترجمة الادب اللاتيني.. ربما ترجماته اكثر متعة وجمال من المؤلف الاصلي.
    نحن المغاربة تكفينا مؤلفات النقد والدراسات لأننا ابعد ما نكون من الابداع الادبي وسحر الصنعة وروعة التناول.
    ستون عاما من العزلة.. ستون عاما من التفريخ الجامعي للمجازين اللغويين دون أن يكون لنا كاتبا اديبا ينال ما يناله هؤلاء الكبار.

  • جمال الغزواني
    الأربعاء 15 دجنبر 2021 - 14:07

    الى الطنز العكري صاحب التعليق 1 ارجو ان ترجع الى قراءة ابجديات اللغة العربية وان تصحح كلامك ( يكون لنا كاتبا اديبا )
    لا احد ينقص من قيمة علماني ولا اظنك قرات كتابا واحدا له ولا لاديبنا المغربي المشهود له بالكفاءة العلمية و التمكن من الترجمة ,,

صوت وصورة
الزاهيدي وتقليص الفوارق المجالية
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 14:45 4

الزاهيدي وتقليص الفوارق المجالية

صوت وصورة
ذكرى رحيل الحسن الثاني
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 12:04 4

ذكرى رحيل الحسن الثاني

صوت وصورة
نادية فتاح والرفع من الأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 11:44 10

نادية فتاح والرفع من الأجور

صوت وصورة
البواري ودعم الفلاحين
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 08:42 2

البواري ودعم الفلاحين

صوت وصورة
"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 00:30 3

"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"

صوت وصورة
لقجع وواقع الصحة بالمغرب
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:56 6

لقجع وواقع الصحة بالمغرب