كشفت أحدث استطلاعات الرأي في إسبانيا عن استمرار تقدم الحزب الشعبي المحافظ على الحزب الاشتراكي العمالي، قبل ثلاثة أسابيع من الانتخابات التشريعية المرتقبة في 29 نونبر الجاري، مع ارتفاع فرص تشكيل حكومة تجمع الحزب الشعبي وحزب “فوكس” اليميني المتشدد، رغم تقلص الفارق بين الحزبين الرئيسيين منذ إعلان رئيس الحكومة بيدرو سانشيز الدعوة إلى انتخابات مبكرة.
وبحسب تحليل نشرته صحيفة “إلباييس” الإسبانية، السبت، فإن متوسط نوايا التصويت يمنح الحزب الشعبي، بقيادة ألبرتو نونييث فيخو، نسبة 31,1 في المائة، مقابل 26,6 في المائة للحزب الاشتراكي الذي يقوده سانشيز، بينما يحل حزب “فوكس” ثالثا بنسبة 19,1 في المائة، متبوعا بـ”الجبهة العريضة” (Frente Amplio) اليسارية بنسبة 7,2 في المائة.
وأظهرت المعطيات، التي أعدها المحلل المتخصص في استطلاعات الرأي كيكو يانيراس، تراجع الحزب الشعبي من 32,7 إلى 31,1 في المائة خلال شهر واحد، فيما ارتفعت نسبة الاشتراكيين بصورة طفيفة من 26,4 إلى 26,6 في المائة، وسجل حزب “فوكس” تقدما بنحو نصف نقطة مئوية.
ويعني هذا التحول أن الفارق بين الحزب الشعبي والاشتراكي تقلص إلى 4,5 نقاط مئوية، بعدما كان يتجاوز ست نقاط عند الإعلان عن الانتخابات، غير أن هذا التقارب لم يغير بصورة جوهرية التوقعات المتعلقة بالأغلبية البرلمانية المقبلة، التي ما زالت تميل بوضوح لمصلحة أحزاب اليمين.
تقدم المحافظين يتراجع.. واليمين يقترب من الأغلبية
استند تحليل “إلباييس” إلى نموذج إحصائي يجمع نتائج استطلاعات مؤسسات متعددة، مع مراعاة تاريخ إجراء كل استطلاع وحجم عينته ودقة تقديرات المؤسسة التي أنجزته في الانتخابات السابقة، قبل محاكاة عشرين ألف سيناريو انتخابي لتقدير توزيع المقاعد واحتمالات تشكيل الأغلبية.
وتشير النتائج المركزية لهذا النموذج إلى احتمال حصول الحزب الشعبي على نحو 129 مقعدا في مجلس النواب، مقابل 106 مقاعد للحزب الاشتراكي، بينما قد يقفز حزب “فوكس” إلى 68 مقعدا، بعدما حصل على 33 مقعدا في انتخابات 2023.
أما “الجبهة العريضة” فيُتوقع أن تحصل على 15 مقعدا، مقابل مقعدين لحزب “بوديموس”، في تراجع واضح مقارنة بالمقاعد الـ31 التي حصل عليها التيار اليساري مجتمعا ضمن تحالف “سومار” في الانتخابات التشريعية السابقة.
وتمنح هذه التقديرات الحزب الشعبي و”فوكس” مجتمعين نحو 197 مقعدا، أي أكثر من الأغلبية المطلقة المحددة في 176 مقعدا داخل مجلس النواب الإسباني، ما يجعل تشكيل حكومة يمينية تجمع الحزبين السيناريو الأرجح، وإن بقي رهينا بنتائج الاقتراع الفعلية والمفاوضات السياسية اللاحقة.
ويقدر النموذج الإحصائي احتمال حصول الحزب الشعبي و”فوكس” على أغلبية برلمانية بنحو 89 في المائة، في حين لا تتجاوز فرصة حصول الحزب الشعبي منفردا على الأغلبية المطلقة واحدا في المائة، مع احتمال مماثل لتشكيل حكومة يمينية دون مشاركة “فوكس” اعتمادا على دعم الحزب القومي الباسكي وائتلاف جزر الكناري.
وفي المقابل، يمنح النموذج حلفاء الحزب الاشتراكي الذين شاركوا في تشكيل أغلبية سنة 2023، باستثناء حزب “جونتس” الكتالوني، فرصة تبلغ 5 في المائة لتأمين أغلبية برلمانية، بينما تبقى 4 في المائة من السيناريوهات مرتبطة بموقف الحزب الكتالوني وإمكانية ترجيحه كفة أحد المعسكرين.
حادث القطار يختبر شعبية سانشيز دون قلب التوقعات
رغم التقدم الواضح لليمين في حسابات المقاعد، فإن المعطيات المتعلقة بنوايا التصويت تظهر أن المنافسة على المرتبة الأولى لم تُحسم بصورة نهائية، إذ يمنح النموذج الحزب الاشتراكي فرصة تبلغ 21 في المائة لتجاوز الحزب الشعبي من حيث الأصوات.
وكان هذا الاحتمال في حدود 16 في المائة عند إعلان الانتخابات، قبل أن يرتفع إلى 24 في المائة عشية حادث القطار الذي شهدته منطقة أوردا يوم 28 أكتوبر الماضي، ثم يتراجع إلى 21 في المائة وفق آخر التقديرات.
وشكل حادث أوردا، الذي أودى بحياة 69 شخصا وأدى إلى مغادرة وزير النقل منصبه، أحد أبرز الأحداث التي طبعت الحملة الانتخابية، وسط توقعات بإمكانية انعكاسه سلبا على شعبية الحكومة الاشتراكية.
غير أن قراءة استطلاعات الرأي التي أُنجزت قبل الحادث وبعده لم تكشف عن تحول انتخابي حاد، إذ سجلت خمس مؤسسات استطلاع تراجعا محدودا للاشتراكيين تراوح بين 0,2 و1,5 نقطة مئوية، دون أن تسمح هذه المعطيات بالجزم بأن الحادث كان السبب المباشر لهذا التراجع.
ويشير التحليل إلى أن تأثير الحادث على موازين القوى الانتخابية يبدو محدودا حتى الآن، مقارنة بتأثير التعبئة السياسية التي أعقبت إعلان الانتخابات، والصعوبات التي واجهتها الأحزاب اليسارية في تشكيل جبهة انتخابية موحدة.
وفي مؤشر مختلف عن استطلاعات التصويت، أظهرت بيانات سوق التوقعات “بولي ماركت” ارتفاع الاحتمالات التي يمنحها المشاركون لوصول ألبرتو نونييث فيخو إلى رئاسة الحكومة المقبلة إلى 90 في المائة، مقابل 9 في المائة لبيدرو سانشيز، بعدما كانت فرص فيخو تقدر بنحو 82 في المائة قبل حادث القطار و79 في المائة قبيل إعلان الانتخابات.
الاشتراكيون يراهنون على مفاجأة انتخابية جديدة
يجد الحزب الاشتراكي في التجارب الانتخابية السابقة ما يدعم استمرار رهانه على تقليص الفارق خلال الأسابيع المتبقية، خصوصا أن نتائج الانتخابات العامة الثلاث الأخيرة جاءت أفضل لليسار من متوسطات استطلاعات الرأي التي سبقتها.
ففي انتخابات أبريل 2019، تجاوز أداء اليسار التقديرات السابقة بنحو أربع نقاط مئوية، بينما تكرر الأمر بفارق مماثل تقريبا خلال انتخابات 2023، عندما تقلص تقدم اليمين من ثماني نقاط عند إعلان الانتخابات إلى نحو نقطة ونصف عند الاقتراع.
لكن ظروف المنافسة الحالية تبدو مختلفة، وفق التحليل نفسه، بالنظر إلى أن مجموع نسب التصويت المتوقعة لأحزاب اليمين يتقدم على اليسار بنحو 15 نقطة مئوية، فضلا عن وجود مؤشرات على انتقال جزء من الناخبين الاشتراكيين السابقين إلى أحزاب اليمين.
وفي هذا الإطار، أظهر استطلاع أنجزته مؤسسة “40dB” خلال أكتوبر الماضي أن نحو 10 في المائة من الأشخاص الذين صوتوا للحزب الاشتراكي سنة 2023 يعتزمون هذه المرة منح أصواتهم لأحزاب يمينية، وهو معطى يزيد صعوبة مهمة سانشيز في الحفاظ على موقعه على رأس الحكومة.
وتزداد أهمية هذه التحولات بالنظر إلى النظام الانتخابي الإسباني، الذي يوزع المقاعد على دوائر إقليمية، ما يجعل العلاقة بين النسبة الوطنية للأصوات وعدد المقاعد غير مباشرة، ويمنح التوزيع الجغرافي للناخبين والتحالفات الحزبية تأثيرا حاسما في تحديد الأغلبية.
وتبقى التقديرات الحالية محاطة بهامش من عدم اليقين، إذ يقر النموذج الإحصائي الذي اعتمدته “إلباييس” بإمكانية حصول الحزب الشعبي على أقل من 108 مقاعد أو أكثر من 151 مقعدا، في سيناريوهين تبلغ احتمالية كل منهما نحو 10 في المائة.
كما يستحضر التحليل تجربة انتخابات 2023، حين كانت التوقعات قبل أربعة أيام من الاقتراع تمنح الحزب الشعبي و”فوكس” فرصة تبلغ 55 في المائة لتشكيل أغلبية، قبل أن تأتي النتائج دون العدد المطلوب من المقاعد، ويتمكن سانشيز لاحقا من الاستمرار في رئاسة الحكومة بدعم حلفائه البرلمانيين.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.