انتخابات 2026 .. الأغلبية تحتفظ بالأرقام والمعارضة بأدوات تأثير أكبر

انتخابات 2026 .. الأغلبية تحتفظ بالأرقام والمعارضة بأدوات تأثير أكبر
صورة: و.م.ع
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 04:00

أعادت نتائج انتخابات 2026 توزيع القوة داخل الأغلبية السابقة، ووسّعت إمكان بناء معارضة مؤثرة خارجها، من دون أن تمنح أي حزب تفويضا كاسحا. إنها، في قراءتي، انتخابات غيّرت ترتيب الشركاء في الحكم أكثر مما غيّرت حدود المعسكر القادر على تشكيل الحكومة؛ غير أن استمرار الإمكان الحسابي للأغلبية لا يعني استمرار صلاحية العقد السياسي الذي جمعها، مثلما لا تعني زيادة مقاعد خصومها أن المعارضة صارت، تلقائيا، بديلا جاهزا للحكم. فحزب الأصالة والمعاصرة ربح الصدارة، وحزب التجمع الوطني للأحرار فَقَد موقع القيادة مع احتفاظه بقدرة تفاوضية كبيرة، وحزب الاستقلال تراجع في عدد المقاعد؛ لكنه بقي مؤثرا في تشكيل الحكومة، وحزب العدالة والتنمية استعاد حجما برلمانيا معتبرا دون استعادة موقعه السابق.

أعلن بلاغ وزارة الداخلية توزيع المقاعد، مع بقاء ما قد تسفر عنه المنازعات الانتخابية وفق مساطرها القانونية؛ لكن فهم الدلالة السياسية لهذا التوزيع يحتاج إلى تفاصيل الأصوات والمشاركة وجغرافية المكاسب والخسائر. والمقصود بإعادة توزيع القوة هنا هو تغير موازين التمثيل البرلماني والتفاوض الحكومي، لا افتراض انتقال مجموع مراكز القرار في الدولة بمجرد تغير الحزب المتصدر. لفهم ما جرى، ينبغي أولا وضع النتائج داخل الزمن الانتخابي.

من هذا الجدول تبرز أربع لحظات سياسية مختلفة: في 2011 تقدم العدالة والتنمية إلى الصدارة، وفي 2016 تعزز الاستقطاب بينه وبين الأصالة والمعاصرة، وفي 2021 انهار تمثيله وصعد الأحرار. أما في 2026، فقد توزعت المكاسب والخسائر بطريقة تجعل الفوز أقل إطلاقا، والهزيمة أقل نهائية. مع ذلك، لا يجوز قراءة فروق المقاعد بوصفها قياسا مباشرا لتحول القناعات. فقد تغيرت قواعد تحويل الأصوات إلى مقاعد، خصوصا مع إصلاح 2021 للقاسم الانتخابي واستبدال الدائرة الوطنية بدوائر جهوية. لذلك، تقيس المقارنة السابقة القوة البرلمانية أولا، ولا تعوض مقارنة الأصوات وفق قواعد كل اقتراع.

أغلبية تراجعت من دون أن تفقد إمكان الاستمرار

حصلت أحزاب الحكومة السابقة الثلاثة في 2021 على 270 مقعدا، مقابل 228 الآن. تراجعت حصتها من نحو 68.4 في المائة إلى 57.7 في المائة من المجلس؛ لكنها ظلت فوق الأغلبية المطلقة. هذه نتيجة تسمح بقراءتين متزامنتين: هناك تآكل واضح في تمثيل الائتلاف السابق، وهناك أيضا قدرة حسابية على تجديده. ولذلك، يصعب اختزال الانتخابات في عبارة “إسقاط الأغلبية”، مثلما يصعب تقديمها باعتبارها تجديدا مريحا للثقة.

والأدق هو أن الائتلاف احتفظ بأغلبيته العددية، بينما تراجعت المساحة التي تفصله عن خصومه. فقد تقلص فائضه فوق عتبة التنصيب من 72 مقعدا إلى 30. لا يجعل ذلك الحكومة المقبلة هشة بالضرورة؛ لكنه يرفع قيمة الانضباط الداخلي، ويزيد كلفة الخلافات التي كان اتساع الأغلبية يسمح باحتوائها بسهولة أكبر. هنا تظهر أهمية التمييز بين امتلاك الأغلبية والقدرة على إدارتها.

والتفصيل الأكثر دلالة هو أن الأحرار والاستقلال خسرا معا 52 مقعدا، بينما ربح شريكهما الأصالة والمعاصرة عشرة مقاعد؛ وهو ما يعني أن المسؤولية الحكومية المشتركة لم تنتج كلفة انتخابية متساوية. يمكن تفسير ذلك بفرضية تحميل الحزب الذي يقود الحكومة قسطا أكبر من المسؤولية، أو باختلاف قوة المرشحين والشبكات المحلية، أو بتفاوت جغرافية التصويت؛ لكن الجزم بأحد هذه الأسباب يحتاج إلى نتائج الدوائر والأصوات. ما تثبته الحصيلة هو تفاوت الكلفة، أما أسباب هذا التفاوت فلا تحسمها المقاعد وحدها.

وهنا تكمن المسألة السياسية المقبلة: إذا استمرت الأحزاب نفسها، فبأي مضمون ستقدم الحكومة الجديدة نفسها؟ مجرد انتقال رئاستها إلى حزب آخر قد يكفي لتغيير توازناتها الداخلية؛ لكنه لن يكفي وحده لإقناع المواطنين بأن طريقة الحكم تغيرت.

الأصالة والمعاصرة يتصدر بأقل من رصيده حين كان ثانيا

حصل حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2016 على 102 مقعد، وبقي ثانيا خلف العدالة والتنمية. وحصل اليوم على 97 مقعدا، ويتصدر النتائج. هذه المفارقة تكشف أن الصدارة تعبير عن الموقع النسبي بين المنافسين، ولا تعني بالضرورة بلوغ الحزب ذروة قوته التاريخية. فجزء من أهمية نتيجة الأصالة والمعاصرة يعود إلى تراجع منافسيه، إلى جانب مكسبه الخاص. وفوزه الحالي يضعه أمام انتقال صعب: من شريك يستطيع توزيع مسؤولية الحصيلة مع الآخرين إلى حزب سيصبح اسم الحكومة مرتبطا به مباشرة. وستضيق قدرته على نسبة التعثر إلى قيادة الائتلاف، لأنه سيحتل تلك القيادة.

تعدد البدائل الحسابية يمنح الحزب مجالا للتفاوض؛ لكنه يفرض عليه الاختيار بين أهداف قد تتعارض: أغلبية قليلة الأحزاب، وأغلبية واسعة، وأغلبية متجانسة، وأغلبية تظهر التجديد. لا توجد صيغة تحقق هذه المطالب كلها تلقائيا.

الأحرار يفقد القيادة ويحتفظ بأوراق التأثير

الانتقال من 102 إلى 66 مقعدا يعني فقدان أكثر من ثلث رصيده السابق. لكن 66 مقعدا تظل أعلى من نتيجتيه في 2011 و2016. من هنا، تبدو النتيجة أقرب إلى انكماش القفزة التي حققها في 2021، مع احتفاظه بحجم كبير، منها إلى انهيار مماثل لما أصاب العدالة والتنمية آنذاك.

وسيواجه الحزب سؤالا استراتيجيا مزدوجا: هل يشارك في حكومة يقودها شريكه السابق، فيحافظ على الحضور التنفيذي ويتحمل استمرار المسؤولية؟ أم يختار المعارضة لإعادة بناء تمايزه؟

تقتضي المشاركة قبول موقع جديد داخل السلطة، والمعارضة تقتضي تفسير كيفية نقد سياسات كان الحزب يقود تنفيذها. لذلك، سيكون اختبار الأحرار الحقيقي هو قدرته على بناء خطاب يلائم موقعه الجديد، بدل الاستمرار في خطاب صيغ لحزب متصدر.

وتبدأ المراجعة الجدية بالفصل بين ما يعود إلى اختيارات الحزب وما يتصل بإكراهات الظرفية، بدل رد الخسارة كلها إلى سوء التواصل أو عدم فهم الناخبين للإنجازات. فالمراجعة التي تعفي التجربة من مساءلة قراراتها قد ترمم خطابها؛ لكنها لا تعالج أسباب تراجعها المحتملة.

الاستقلال بين التراجع الانتخابي وقوة التفاوض

تراجع حزب الاستقلال من 81 إلى 65 مقعدا؛ لكنه أصبح على بعد مقعد واحد فقط من الأحرار. وبالنسبة إلى الحزب المتصدر، يوفر كل منهما حجما متقاربا لبناء الأغلبية. ومع ذلك، ليست للاستقلال قدرة منفردة على حسمها: جمع مقاعده إلى الأصالة والمعاصرة يعطي 162 مقعدا، أي أقل من المطلوب بـ36. وحتى إضافة الحركة الشعبية ترفع المجموع إلى 191 فقط.

هذه الحسابات تمنحه وزنا تفاوضيا مهما، قوة حزب الاستقلال داخل التفاوض تقاس بعدد مقاعده وبحاجة الآخرين إليه، وغياب بدائل مقبولة لتعويضه. ومن ثم ستحدد قيمة العرض السياسي للاستقلال، وصلابة تفاوضه، وعلاقته ببقية الأطراف، مقدار ما يستطيع استخلاصه من نفوذ فعلي.

العدالة والتنمية يعود إلى المنافسة من دون أن يستعيد موقعه السابق

ما ميز نتائج الاقتراع الأخير هو العودة الجزئية لحزب العدالة والتنمية من 13 إلى 54 مقعدا: مكسب 41 مقعدا، وأكثر من أربعة أمثال رصيده السابق؛ لكنه ما زال دون نصف نتيجته في 2016، وقد استعاد نحو 36.6 في المائة من المقاعد الـ112 التي فقدها في 2021.

النتيجة تضعف تفسير 2021 باعتبارها نهاية الحزب؛ لكنها لا تثبت أنه استعاد مكانته الاجتماعية والسياسية السابقة. إنها تمنحه فرصة لإعادة البناء، لا شهادة اكتمال ذلك البناء.

كما تكشف هذه العودة حدود القراءة التي تحوّل كل انتخابات إلى حكم نهائي على مصير حزب. فالناخب قد يعاقب تجربة في لحظة، ثم يعيد منح أصحابها جزءا من ثقته في لحظة أخرى، من دون أن يتراجع عن نقده السابق؛ غير أن إثبات حصول هذا المسار لدى الناخبين أنفسهم يحتاج إلى معطيات تتتبع سلوكهم، وما تسمح به النتيجة الآن هو القول إن الحزب استعاد قدرة تنافسية كان انهياره العددي يحجبها.

والسؤال الأعمق هو طبيعة هذه العودة: هل جاءت من استعادة ناخبين سابقين؟ أم من تصويت احتجاجي جديد؟ أم من قدرة تنظيمية على التعبئة في دوائر محددة؟ لكل جواب مستقبل مختلف. إذا كانت العودة احتجاجية أساسا، فاستمرارها مرتبط بأداء الحكومة المقبلة.

وإذا كانت تنظيمية، فستتوقف على تجديد الحزب وأطره. وإذا كانت تصويتا إيجابيا لبرنامجه، فالمطلوب إظهار مضمون ذلك البرنامج وقدرته على معالجة أخطاء التجربة الحكومية السابقة.

مكسبه السياسي الأكثر أهمية أنه سيستطيع، وقد اختار المعارضة، الجمع بين حجم برلماني معتبر ومسافة زمنية متزايدة عن مسؤوليته الحكومية السابقة؛ غير أن منافسيه سيعيدون تذكيره بتلك المسؤولية كلما حاول تقديم نفسه باعتباره خارج تاريخ القرارات التي ينتقدها.

اليسار وسؤال تحويل الاعتراض إلى تمثيل

تراجع الاتحاد الاشتراكي من 34 إلى 26، والتقدم والاشتراكية من 22 إلى 19، بينما سجل تحالف اليسار كسب ثمانية مقاعد. ولا ينبغي دمج هذه النتائج في مسار تنظيمي واحد، أو افتراض أن أصواتها انتقلت بينها؛ لكن جمعها الحالي يقدم ملاحظة سياسية: 26 + 19 + 8 = 53 مقعدا، مقابل 54 للعدالة والتنمية وحده.

هذا التقارب العددي يمكن أن ينتج تنافسا على تمثيل النقد الاجتماعي، إذا بقيت هذه القوى في المعارضة. فالخلاف لن يكون فقط حول شدة مهاجمة الحكومة؛ بل حول تفسير التفاوتات والحريات والخدمات العمومية، والبدائل المقترحة لمعالجتها.

أما إذا دخل الاتحاد الاشتراكي أو التقدم والاشتراكية الحكومة، فسيتغير توزيع الأدوار، وقد تتسع المساحة المتاحة للعدالة والتنمية لتقديم نفسه باعتباره القوة المعارضة الرئيسية.

والدرس الأوسع هو أن الاستفادة من تراجع الحكومة تحتاج إلى هوية واضحة وقدرة على التعبئة. لا يحول الجلوس في المعارضة تلقائيا الاعتراض إلى أصوات. واللافت أيضا هو حصول المكوّن الوارد في النتائج باسم “تحالف اليسار” على ثمانية مقاعد. ويقتضي التدقيق عدم توزيعها بين تنظيمات بعينها من دون بيان تفصيلي. سياسيا، يوفر هذا الحضور فرصة لتوسيع أثر خطاب اليسار الديمقراطي؛ لكنه يضع أصحابه أمام اختبار الجمع بين التمايز الفكري والتعاون الرقابي. فالوجود في المعارضة إلى جانب العدالة والتنمية لا يفرض الذوبان في مرجعيته، كما أن الاختلاف معه لا يبرر تعطيل الرقابة على الحكومة. ويمكن لنواب مختلفين إيديولوجيا أن يتفقوا على مساءلة تدبير مرفق عمومي أو الدفاع عن شفافية الإنفاق، من دون أن يتنازل أي منهم عن تصوره للمجتمع والحريات.

تشكيل الحكومة بين القاعدة الدستورية وكلفة التحالف

ينص الفصل الـ47 من الدستور على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر لانتخابات مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، ولا يربط التعيين تلقائيا بقائد حزبي بعينه. ويقتضي التنصيب، وفق الفصل الـ88، موافقة الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب على البرنامج الحكومي، أي 198 نائبا من أصل 395.

وعلى هذا الأساس، تبدو السيناريوهات التالية جديرة بالقراءة:

هذه احتمالات حسابية غير حصرية، وليست معلومات عن اتفاقات مكتملة. ويبدو تجديد التحالف الثلاثي أيسر الصيغ من حيث عدد الأحزاب وخبرة العمل المشترك؛ لكنه ليس، لهذا السبب وحده، الأرجح سياسيا. فقد نقلت “رويترز” عن قيادات الأصالة والمعاصرة استبعاد تجديد التحالف مع الأحرار؛ وهو معطى يجعل العودة إلى الصيغة نفسها مشروطة بمراجعة موقف معلن، وبشرح هذه المراجعة للرأي العام.

لذلك، ينبغي الفصل بين انخفاض كلفة تركيب الأغلبية حسابيا وارتفاع كلفة تبريرها سياسيا. وما يصلح أثناء الحملة لرسم الحدود مع الشريك السابق قد يتحول، بعد الاقتراع، إلى قيد على حرية التفاوض معه.

أما إخراج الأحرار، فيمنح الحكومة صورة تجديد أوضح؛ لكنه يطرح سؤالا محرجا: كيف سيشرح الشريكان الآخران بقاءهما وهما يتحملان معه حصيلة الولاية السابقة؟ هنا، سيحتاج التغيير إلى مضمون في البرنامج والأولويات والوجوه، حتى تكون له صدقية سياسية.

المعارضة بين امتلاك النصاب والقدرة على استعماله

إذا تجدد الائتلاف الثلاثي بـ228 مقعدا، فسيبقى خارجه 167 نائبا، مقابل 125 خارج حصيلة أحزابه الثلاثة في 2021.

وهذا الفرق يمكن أن يغير إمكانات الرقابة، إذا تحقق التنسيق:

• 79 نائبا يحققون عتبة التوقيع على ملتمس رقابة، وفق الفصل الـ105، أو إحالة قانون إلى المحكمة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذه، وفق الفصل الـ132.

• 132 نائبا يحققون عتبة طلب تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، وفق الفصل الـ67؛ مع احترام شروطها، ومنها عدم تعلقها بوقائع تكون موضوع متابعات قضائية جارية.

• إقرار ملتمس الرقابة يحتاج إلى 198 صوتا؛ فامتلاك حق تقديمه يختلف عن القدرة على إسقاط الحكومة به.

وهنا يظهر أثر سياسي دقيق: العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي يبلغان معا 80 نائبا، والعدالة والتنمية والحركة الشعبية 83. إذا اجتمعت الأطراف المعنية في المعارضة، فإن تنسيق حزبين فقط قد يكفي لبلوغ عتبة بعض المبادرات الرقابية.

كما أن 167 نائبا يستطيعون، من حيث العدد، بلوغ عتبة الثلث اللازمة لطلب لجنة تقصي الحقائق، وهو نصاب لم يكن متاحا عدديا لمجموع الـ125 الواقعين خارج الأحزاب الثلاثة وفق حصيلة 2021.

لهذا، يمكن وصف التحول بأنه اتساع محتمل لقدرة المعارضة على المبادرة المؤسسية؛ لكن تحويله إلى فعل يتطلب اتفاقا على ملفات محددة، وقدرة على إعدادها، والتزاما بالحضور والتوقيع والتصويت. وحدة النقد لا تعني تلقائيا وحدة العمل.

ولا تمثل المقاعد الواقعة خارج الائتلاف كتلة معارضة منسجمة بالضرورة، فقد تختلف مواقع أصحابها من الحكومة، أو يتفاوت استعدادهم للتنسيق. كما أن هذه العتبات تخص مجلس النواب، ولا تختزل جميع موازين العمل البرلماني. لذلك، سيعتمد الأثر الفعلي للنتيجة على هندسة العلاقات بين الفرق، وعلى جودة الخبرة القانونية والمالية التي تسند مبادراتها، بقدر اعتماده على العدد.

وسيكون أمام المعارضة خياران: التنافس على من يرفع سقف الخطاب أكثر، أو بناء تعاون رقابي حول ملفات قابلة للتوثيق والمساءلة؛ فالخيار الثاني قد يجعل عددا أقل من النواب أكثر تأثيرا من كتلة أكبر منشغلة بالتنافس الداخلي.

المشاركة وحدود تمثيل المزاج الاجتماعي

تبقى مسألة لا يجيب عنها توزيع المقاعد وحده: إلى أيّ حد يعكس البرلمان المقبل المزاج الاجتماعي، بما في ذلك مواقف من لم يشاركوا في إنتاجه؟ فجدول المقاعد لا يتضمن تفاصيل المشاركة والأوراق الملغاة والتقسيم حسب الدوائر والتصويت بين المدن والقرى وحسب النوع وحسب السن. لذلك، لا يصح القول إن حزبا يمثل نسبة معينة من المغاربة انطلاقا من حصته من المقاعد، أو أن تراجع حزب يثبت انتقال ناخبيه إلى حزب آخر. وبالمثل، لا يجوز إسناد موقف سياسي موحد إلى الممتنعين عن التصويت. الامتناع قد يخفي احتجاجا أو لا مبالاة أو عوائق عملية أو ضعفا في العرض السياسي؛ وتحديد وزن كل سبب يحتاج إلى بحث.

هذه الحدود المعرفية مهمة، لأنها تمنع تحويل جدول المقاعد إلى رواية اجتماعية مكتملة.

من تشكيل الحكومة إلى استعادة الثقة

أما الاختبار المقبل للحكومة، فسيتجاوز نجاح التفاوض إلى قدرتها على جعل التغيير ملموسا.

في تقديري، ستواجه ثلاثة اختبارات مترابطة: هل تستطيع تحديد مسؤوليات الشركاء بحيث لا تصبح الحصيلة ملكا للجميع عند النجاح ومسؤولية طرف واحد عند الفشل؟ وهل تقدم أولويات قابلة للقياس في التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية؟ وهل تجعل البرلمان مجالا فعليا لتفسير القرارات ومراجعتها، بدلا من الاكتفاء بتأمين التصويت عليها؟

ويبدأ جعل هذه الأسئلة قابلة للمحاسبة بنشر التزامات محددة: أهداف معلنة، وآجال تنفيذ، وكلفة مالية، ومؤشرات متابعة يستطيع المواطن والبرلمان مراجعتها. فكلما بقي البرنامج في مستوى العبارات العامة، أمكن لكل شريك أن ينسب النجاح إلى نفسه والتعثر إلى غيره. أما وضوح الالتزامات فيضيق مساحة تبادل الأعذار، ويجعل الاختلاف حول الحصيلة قابلا للحسم بالمعطيات.

وقد تستمر أغلبية من 228 مقعدا طوال الولاية؛ لكنها ستدخلها بهامش عددي أصغر، ومع خصوم أكثر قدرة على المبادرة. لذلك، سيكون تماسكها محتاجا إلى اتفاق سياسي وبرنامجي متجدد، لا إلى توزيع الحقائب وحده.

ما يجعل هذه النتائج جديرة بقراءة متأنية هو أنها وزعت فرصا متناقضة: منحت الأصالة والمعاصرة فرصة القيادة وكلفتها، ومنحت الأحرار سببا للمراجعة مع وسائل البقاء، ومنحت الاستقلال أهمية تفاوضية رغم التراجع، ومنحت العدالة والتنمية فرصة العودة مع عبء إثبات أنه تعلم من تجربته.

ستتحدد قيمة انتخابات 2026 بمدى تحويل هذا التوازن إلى مسؤولية أوضح ورقابة أقوى. فإذا بقيت السياسات وأساليب اتخاذ القرار على حالها، سيبدو انتقال الصدارة مجرد تبديل للأسماء في واجهة الائتلاف. أما إذا قادت النتيجة إلى تصحيح الأولويات وتحديد المسؤوليات وتمكين الرقابة من التأثير في القرار، فستكتسب دلالتها خارج جدول المقاعد. عندئذ فقط، يصبح تغير موازين الأحزاب تغيرا في شروط مساءلة الحكم؛ وتلك هي المسافة التي ستقاس بها قيمة هذه الانتخابات، بعد أن ينتهي الاحتفال بالفوز وتبدأ كلفة الوفاء به.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
رالي المغرب يخترق الصحراء
الأحد 27 شتنبر 2026 - 23:36

رالي المغرب يخترق الصحراء

صوت وصورة
مستشفى تيفلت بلا تجهيزات
الأحد 27 شتنبر 2026 - 22:03

مستشفى تيفلت بلا تجهيزات

صوت وصورة
البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"
الأحد 27 شتنبر 2026 - 21:30 2

البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"

صوت وصورة
تعليقات على النتائج الانتخابية
الأحد 27 شتنبر 2026 - 19:33 6

تعليقات على النتائج الانتخابية

صوت وصورة
شكاوى "فضاء السعادة" بالهراويين
الأحد 27 شتنبر 2026 - 18:08

شكاوى "فضاء السعادة" بالهراويين

صوت وصورة
أزمة الكراء في سلا
الأحد 27 شتنبر 2026 - 13:17 8

أزمة الكراء في سلا