بوريطة: المغرب يتمسك بالحوار في ترسيم الحدود البحرية مع إسبانيا

بوريطة: المغرب يتمسك بالحوار في ترسيم الحدود البحرية مع إسبانيا
صور: سهيل رميدي
الثلاثاء 26 غشت 2025 - 23:00

قال ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، إن “المملكة المغربية اختارت أن تكون أمة بحرية في وقت فضلت فيه الكثير من الدول الساحلية أن تدير ظهرها للبحر الذي كانت تأتي منه كل التحديات الخارجية”، مضيفا أن “امتلاك دولة ما لساحل لا يعني بالضرورة أنها دولة بحرية، فلكي تكون كذلك يجب أن تدمج البحر في رؤاها الجيوسياسية؛ وهذا ما فعله المغرب عبر تاريخه الطويل، وبشكل أعمق تحت حكم صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله”.

وأوضح بوريطة، في الكلمة الافتتاحية للمؤتمر المنظم اليوم الثلاثاء بالرباط بشراكة مع معهد القانون الدولي حول “الممارسات الدولية في تحديد المجالات البحرية”، التي تلاها بالنيابة عنه رئيس ديوانه، سامي المراكشي، أن “المغرب جعل من فضاءاته البحرية جزءا من سيادته المسترجعة بعد الاستقلال؛ ففي سنة 1960، أُنشئت البحرية الملكية. وفي 1969، أُحدث المكتب الوطني للصيد البحري لتثمين الفضاء البحري. وفي سنة 1973، أعلن المغرب رسميا عن مياهه الإقليمية وأقر ما كان يسمى آنذاك منطقة صيد حصرية. وفي 1981، أُعلن عن المنطقة الاقتصادية الخالصة؛ ليتم في سنة 1992 وضع أولى التشريعات المتعلقة بالجرف القاري وباطنه”.

وتابع المسؤول الحكومي ذاته أن “هذا المسار، الذي قد يبدو متأخرا بالنسبة لدولة ذات تاريخ بحري قديم، هو في الحقيقة متزامن مع المسار العالمي، حيث كانت سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي مرحلة التملك الحديث للفضاءات البحرية”، مبرزا أن “المغرب، إن صح التعبير، ركب موجة المؤتمر الثالث للأمم المتحدة حول قانون البحار الذي دون القواعد المنظمة للفضاءات البحرية. ومن هنا، تعزز الارتباط بين قانون البحار والدبلوماسية”.

وزاد شارحا: “في هذا الإطار، بدأ ملف توسيع الجرف القاري إلى ما وراء 200 ميل بحري، وللاحتفاء بالذكرى العشرين للمصادقة على اتفاقية مونتيغو باي، أودع المغرب في عام 2017 معلومات أولية لدى لجنة حدود الجرف القاري، وكان ذلك أكثر من مجرد تمرين تقني؛ بل فعلا سياسيا بارزا يجمع بين العلم والقانون والدفاع عن الثوابت الوطنية. ثم في 2020 خطا المغرب خطوة إضافية بتبني قانونين مهمين؛ وهما: القانون الخاص بتحديد المياه الإقليمية، والقانون الخاص بالمنطقة الاقتصادية الخالصة”.

وشدد وزير الخارجية المغربي على أن “هذه القوانين تأتي ضمن استراتيجية شاملة تهدف إلى تحديث تشريعاتنا الوطنية وتوضيح وتأمين حدودنا البحرية في انسجام تام مع اتفاقية 1982″، مؤكدا أن “الممارسة البحرية المغربية تكشف عن وجود ثوابت تشكل خيطا ناظما للعقيدة المغربية على هذا المستوى؛ أولها الوحدة الترابية، إذ يطبق المغرب في البحر نفس مبدأ الوحدة الوطنية المطبق على اليابسة، خاصة في الأقاليم الجنوبية حيث تمارس المملكة كامل سيادتها وفق القانون الدولي”.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن “من هذه الثوابت أيضا الشرعية القانونية، إذ لم تعتبر المملكة المغربية يوما قانون البحار قيدا، بل أداة توازن وشرعية. ويتجلى ذلك في حرصها الدائم على أن تكون قراراتها في إطار اتفاقية 1982، ورفضها لأي نهج مخالف لها، إلى جانب ثابت رفض الأحادية، حيث إن عقيدتنا في ترسيم الحدود البحرية لا يمكن أن تقوم على سياسة الأمر الواقع. وكلما واجهنا ذلك، كنا نرد رسميا وبحزم وفق ما ينص عليه قانون البحار”.

وذكر المسؤول الدبلوماسي نفسه أن “المغرب متمسك دائما بالحوار، فالترسيم يجب أن يتم عبر حوار مباشر وهادئ وبناء. والمثال الأوضح على ذلك هو ترسيم الحدود البحرية مع إسبانيا، سواء في المتوسط أو الأطلسي، حيث يُعالج الملف بروح حسن الجوار والشفافية والمصلحة المشتركة”، مشددا على أن “التعاون البحري يعكس واقعا سياسيا أعمق يتجلى في نضج الشراكة الاستراتيجية بين المغرب وإسبانيا. هذه الشراكة تتجاوز قضية الترسيم لتشمل التحديات البحرية الكبرى المشتركة. وهذا يبرهن أنه حين يختار الجوار طريق الحوار، يتحول البحر من خط فاصل إلى جسر واصل”.

وأبرز أن “قانون البحار لا يقتصر على الترسيم؛ فطموحه هو تعزيز التنمية، وبناء فضاءات للتعاون، والحفاظ على البيئة البحرية، وهذه الفلسفة تنسجم مع الرؤية البحرية التي عرضها صاحب الجلالة الملك، وخاصة في خطابه بمناسبة الذكرى الـ48 للمسيرة الخضراء سنة 2023، ذلك الخطاب الذي رسم فيه جلالته ملامح رؤية جيوستراتيجية جعلت من البعد البحري للمغرب ركيزة أساسية لتنميته ولإشعاعه القاري”.

وزاد قائلا: “من خلال الدعوة إلى تثمين الفضاء البحري واعتباره قطبا للاندماج، أدرج جلالته القدر البحري للمغرب ضمن دينامية تنموية موجهة بالأساس نحو إفريقيا. وهكذا كرس جلالة الملك البحر كرافعة أساسية للازدهار الوطني، ورابطا قاريا، وأداة للدفاع عن السيادة، حيث ربط فعلا بين الوحدة الترابية الكاملة وبين تأكيد المغرب نفسه كفاعل بحري رئيسي. وهذه الرؤية تتجاوز منطق السيادة فقط، لتشمل منظورا للاندماج الاقتصادي والبشري عبر البحر، مع إفريقيا وأوروبا بالأساس”.

وعلى المستوى الداخلي، أشار بوريطة إلى أن “هذه الرؤية تجسدت في دفع الاقتصاد الأزرق، والتركيز على تطوير الموانئ، خاصة ميناء طنجة المتوسطي، الذي أصبح اليوم من بين الأكبر في المتوسط وإفريقيا، وقريبا ميناء الداخلة الأطلسي الذي يُرتقب أن يكون ميناء محوريا لإفريقيا، وأيضا من خلال الدعوة إلى إعادة تكوين أسطول وطني للنقل البحري قوي وتنافسي، لضمان ربط سلس مع إفريقيا والعالم”.

وعلى المستوى الدولي، أكد أن “البحر يقف في قلب المبادرات الدبلوماسية الكبرى التي أطلقها جلالة الملك في السنوات الأخيرة؛ بدءا من مسار الرباط الذي يجمع منذ 2022 ثلاثا وعشرين دولة إفريقية أطلسية حول رؤية مشتركة قائمة على ثلاثة محاور: الأمن البحري، حماية البيئة، وتشجيع تنمية زرقاء مستدامة، ثم المبادرة الملكية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى الأطلسي، التي أُطلقت في 2023، وتشكل تعبيرا غير مسبوق عن التضامن الجيوسياسي”، مردفا: “هدفها هو كسر عائق الانغلاق ومنح الدول الشقيقة في الساحل وصولا إلى البنية التحتية المينائية المغربية”.

كما أشار أيضا إلى مشروع أنبوب الغاز الإفريقي–الأطلسي الذي أطلقه جلالة الملك مع رئيس نيجيريا سنة 2016، والذي يُعد أكبر مشروع هيكلي لترسيخ الاستقرار الإقليمي وتحفيز إحداث بنى تحتية محلية تدعم التنمية الصناعية الإقليمية، مسجلا أن “هذه المبادرات الملكية تؤكد بقوة حقيقة ظل جلالته يجسدها، وهي أن كل شيء يصبح ممكنا في إفريقيا عندما تلتقي رؤية قوية مع إرادة صلبة”.

وخلص إلى أن “هذا المنظور الشامل الذي يتبناه جلالته يكشف عن ثلاثة أبعاد أساسية في علاقة المغرب بالبحر وبقوانينه: أولا، الاقتناع بأن البحر ليس حدودا، بل فضاء للاتصال والاندماج. وثانيا، إظهار كيفية تعامل المغرب مع فضاءاته البحرية واستغلالها، ليس بمنطق دفاعي، بل في إطار شراكة. ثم أخيرا البرهنة على أن المغرب لا يرى في اتفاقية مونتيغو باي نصا جامدا؛ بل أداة حية وديناميكية وقابلة للتطور”، مشددا على أن “العالم تغير، والمحيطات أيضا؛ وبالتالي حان الوقت للتفكير في إصلاح حوكمة المحيطات بما يستوعب التقدم التكنولوجي، ويستجيب للحاجيات البيئية، وينفتح على الاستخدامات الجديدة للبحر”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • تحرير سبتة ومليلية والجزر
    الثلاثاء 26 غشت 2025 - 23:12

    المغرب يجب أن يسترجع مدنه سبة ومليلية وجزره المستعمرة من طرف أسبانيا. على بوريطة ان يستأنف الحوار مع أسبانيا لتحرير مدننا وجزرنا المستعمرة من طرف أسبانيا عوض تحديد حدود المياه.
    في القرن الواحد وعشرين لاتوجد مستعمرات في البحر الأبيض المتوسط الا مدينتي سبتة ومليلية وجزيرة ليلى وجزر مغربية أخرى. فعلى أسبانيا ان تفهم اننا نعيش في القرن الواحد وعشرين لا نقبل الاستعمار. والا سنقوم بمسيرات لتحرير مدننا وجزرنا.

  • Mounir
    الأربعاء 27 غشت 2025 - 00:21

    اسبانيا تعتقد ان لها الحق في امتلاك ماهو في ملكها وما ليس في ملكها و لا تريد سماع الطرف الآخر و اكبر مزور للتاريخ هي اسبانيا ولا ثقة فيها وسينكشف امرها اكثر اذا انهار الاتحاد الاوروبي

  • المغرب و إسبانيا وحسن الجوار .
    الأربعاء 27 غشت 2025 - 00:47

    لابد من الحوار البناء طبعا ….لكن ليس على حساب تنازلات إقليمية . إن بين المملكتين المغربية والاسبانية خطوط تماس بحرية وبرية و حري بالمملكة المغربية المطالبة بالثغرين السليبين وهذا حق تاريخي ناهيك عن الجزر المتاخمة للمتوسط والأطلسي . أعتقد أن الأمر يتعلق (بتصفية) استعمار تنتظر الحسم في إطار حوار إقليمي لا ينتصب فيه أحد غالبا ولا مغلوبا . لكنها الحقيقة كما تراها الحكومة الاسبانية خاصة عندما تنحو منحى حسن الجوار باعتبار البلدين بوابة كبرى نحو إفريقيا . أما ترسيم الحدود البحرية فهذا أمر عادي يندرج في معاهدة القانون الدولي الخاص بترسيم الحدود البحرية الملزم للجميع ……نتمنى من الجارة إسبانيا أن تستحضر وعيها بهذا الملف القابل للنقاش في فترة لاحقة إن شاء الله . وعاشت العلاقات المغربية الإسبانية .

  • réaliste
    الأربعاء 27 غشت 2025 - 01:00

    الى صاحب التعليق الأول :
    أتفق معك يا أخي كوني مغربي ، لكن لا يجب الكذب على أنفسنا كما يفعل ذلك جيراننا ، نحن المغاربة أصحاب العقل فلا يجب القول أن سبتة و … آخر مستعمرات البحر المتوسط. فماذا عن جبل طارق الذي يتواجد قبالة سبتة سبحان الله على صدفة ! راه كما فعلت لنا اسبانيا في بلدنا ،جاب ليها الله لي يعييشها فنفس الوضع ، راه الاسبان بنفسهم مامسروطاش ليهم احتلال جبل طارق و طالبوا به عدة مرات، لكن بعد الاستفتاء الشعبي لصالح انجلترا فاسبانيا تقبلت الوضع ،و أضن نفس الشيئ سيكون لو فعل المغرب الاستفتاء في المدينتين ما عدا الجزر من طبيعة الحال كونها غير آهلة بالسكان

  • Karimov
    الأربعاء 27 غشت 2025 - 07:31

    ليس لدينا لية حدود نرسمها مع المستعمر الغاشم الإسباني، حدود اسبانيا توجد في اوروبا وليس في افريقيا ولا يحق للنظام المغربي الاعتراف بالاراضي والجزر والمياه الإقليمية النغربية باسبانية هاته الاراضي والجزر،سبتة ومليلية والجزر المجاورة لهم وجزر الكناري كلها اراضي مغربية ويجب على المحتل الإسباني الخروج منها

  • متتبع مغربي
    الأربعاء 27 غشت 2025 - 18:48

    تدخل السيد بوريطا في مؤتمر البحار المنعقد ببلادنا هو رد صريح ومقنع واقناعي على العالمي الطالبي الرجل الثاني في حزب الاحرار والذي قال وادعى في احدى تجمعات حزبهم أن المغرب لم يعرف البحار ولا الاسطول البحري وليس له اي علاقة بالبحر حتى جاء اخنوش وخلق هذا الاسطول وطوره وانشءه ضاربا حرض الحاءط ومتجاهلا كل الامبراطوريات والتاريخ المجيد لسلاطين المغرب الذين تخذوا من البحر طريقا نحو القارات الاخرى خاصة الاوروبية وكذلك متجاهلا كيف فتحوا المسلمون اوروبا عبر البحر عن طريق المغربي طارق زياد بغزو اوروبا اسلاميا وحكموها فيها الاندلس لأكثر من اربعة قرونا فهذا العضو الحزبي اما جاهل لتاريخ المغرب وامجاده واما يتجاهل أو أنه يستغبي الشعب المغربي فتدخل السي بوريطا اليوم نزل كالصاعقة على ما ذكره العالمي و ماصرح به سابقا بخصوص الاسطول البحري لاخنوش.

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 12

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 3

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 7

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة