بونعمان يكتب عن "النهضة اليابانية"

بونعمان يكتب عن "النهضة اليابانية"
صورة: هسبريس
الخميس 14 ماي 2026 - 07:47

في جزأين، صدر لأستاذ العلوم السياسية رئيس مركز معارف المستقبل للبحوث والدراسات، سلمان بونعمان، كتاب بعنوان “النهضة اليابانية: دراسة في تجربة المصالحة بين الهوية والحداثة”.

العمل الصادر عن “عقول الثقافة للنشر والتوزيع”، بشراكة مع “مركز معارف المستقبل للبحوث والدراسات”، اعتبر أن “مسألة المصالحة بين الهوية والحداثة” هي “المدخل الأمثل للتفكير في النهضة اليابانية”.

ويتجه العمل إلى “التنقيب في الجذور العميقة والتراكمات الطويلة للنهوض الياباني الحديث (الميجي) والمعاصر (ما بعد 1945)، سعيا لفهم سيرورة تشكل النهضة التوكوغاوية المبكرة منذ القرن السادس عشر، وبذور الحداثة اليابانية الجنينية منذ القرن الثامن عشر”، مع توجه إلى “استكشاف السياق السياسي والتاريخي والحضاري الذي انبعثت فيه التجربة، وإلى رصد مقومات النهوض وآلياته وتفاعلاته الداخلية والخارجية، مع تتبع الصيغ الفكرية والسياسية والدينية التي تدبّرت بها التوترات والأزمات داخل المجتمع الياباني قبل 1868، والتي مكنته من تحقيق الاستقرار والتراكم والانضباط، وتعزيز قيم الاجتهاد والعمل واحترام الآخر وتقدير الإبداع”.

وسار بونعمان في هذا البحث “على هدي نموذج تفسيري حضاري”، يقي “معضلتي الاختزال والانغلاق”؛ فكانت أطروحة الكتاب الكبرى “تتبع المسارات البطيئة المعقدة، والتراكمات الهادئة الممتدة بين 1603 و1868، لتكشف عن حضور الهوية المحلية في بناء النهضة وصناعة الحضارة وتشييد الحداثة، حضورا يربطها بجذورها وفي الوقت نفسه يفتحها على غيرها، فيقيها الانغلاق على الذات والاستلاب أمام الآخر معا”.

هكذا “جاء النموذج حضاريا في طبيعته، لأنه يستوعب المقومات والتراكمات الحضارية في أبعاد النهضة التوكوغاوية كلها، من السياسة إلى الدين، فالسيادة والمعرفة والتعليم والاقتصاد، وصولا إلى الفن والأدب والجماليات”، ويقرأ سيرورة التجربة اليابانية “في أفق الدورة الحضارية التي تتعاقب فيها مراحل الصعود والانحدار، وتتكثف داخلها سيرورات التفاعل والتلاقح والتداول التاريخي بين الذات والآخر”.

ومن بين ما ينبه إليه الكتاب، وفق مقدمته، أن مقولة “المعجزة اليابانية” في صيغتها الشائعة “تنزع التجربة من سياقها التاريخي والسوسيو-حضاري، وتُلبسها رداء الاستثناء الذي يعفيها من قوانين الحركة الحضارية المشتركة، فيتم دراستها لغزا قدريا متعاليا على شروطه”.

ويعلق الجامعي على المذكور: “في مقابل هذه القراءة الاختزالية، بدا لي أن قيمة النموذج تتأكد عندما ندرس التجربة اليابانية بوصفها مسارا إنسانيا وحضاريا تتداخل فيه الإيجابيات والإخفاقات، وتنتظم داخله الخصوصيات المحلية ضمن دائرة التجارب البشرية الكبرى، فتغدو شاهدا متميزا على قدرة الإنسان حين يمتلك إرادة الفعل وصلابة المسار، ومرونة التكيف مع تحولات الزمن”.

ليسترسل قائلا: “ما إن استقام هذا الفهم في رؤيتي، حتى تحرر فهم التجربة من إغراء الانبهار، ومن استنزاف الجهد في فك “لغز” متخيَّل يضع الصعود الياباني خارج شروطه التاريخية الموضوعية. ذلك أن النجاح الحضاري يقوم على تراكم متدرج تتشكل عبره المقدمات الموفقة، وتنضج داخله الشروط الحضارية اللازمة، وتنتظم خلاله الرؤى الاستراتيجية التي تجعل من تفجير طاقات الإنسان وإبداعاته مرتكزها الأول”.

ولهذا، يضيف الباحث: “تستحق التجربة اليابانية الدراسة بأدوات التحليل الحضاري الهادئ، الذي يكشف الآليات قبل أن يصدر الأحكام، ويستخلص العِبر التاريخية في توازن دقيق بين تعرّف الخصائص الفريدة لكل تجربة، والإفادة من قوانينها العامة دون استنساخ شكلي لمسارها. وعندئذ تتحول قصة النجاح اليابانية إلى نموذج قابل للتفهم، منفتح على المساءلة، ملهم للتجارب الحضارية الأخرى التي تبحث عن طريقها الخاص في النهضة”.

ويخصص الجزء الثاني من الكتاب لفهم النهضة اليابانية بالنظر إلى “عمقها الرمزي والأخلاقي والجمالي؛ إذ يستحيل أن تتحرك المؤسسات والأسواق والمدن والمدارس بمعزلٍ عن منظومةٍ روحية تمنحها معنى وذوقا، ووجدانا جامعا. ومن داخل هذا الأفق ينتقل التحليل من شروط التكوين إلى قوى التحفيز والتحويل، ومن البنية الحاملة إلى الطاقة المحركة. ويتّضح في هذا المستوى أنّ التراكم المادي يكتسب وظيفته الحضارية حين تسنده ثقافةٌ فاعلة ومرجعيةٌ روحية شاملة وأخلاقٌ منتجة، وذوقٌ منسجمٌ مع الذاكرة الجماعية”.

ويفهم الكتاب النهضة اليابانية من زاوية “التفاعل النسقي بين الدولة والمجتمع والنخب”، ويستعيد “إيقاع تحوّلٍ بطيءٍ مرّ بأطوارٍ ثلاثة قبل أن يخرج إلى الضوء في صورته الباهرة”، لينفتح انطلاقا من “هذا النموذج المركب” على سؤال أخير “يستحضر التجربة اليابانية لمحاورة المأزق العربي الإسلامي، ويسعى إلى تحرير النقاش من ثنائية الاستلاب والانغلاق، وفتحِ أفقٍ ثالثٍ يُعيد بناء سؤال النهضة من جذره”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • bravo
    الخميس 14 ماي 2026 - 14:38

    يقدم الدكتور بونعمان في مؤلفه الأخير قراءة استشرافية مبهرة لـ **”النهضة اليابانية”**، حيث يغوص ببراعة في كنه المعجزة التي حولت اليابان من ركام الحروب إلى عملاق تكنولوجي واقتصادي. يبرز الكتاب كيف ألهم “المدرج الياباني” جيرانه من **النمور الآسيوية**، بما في ذلك الصين، الذين اتخذوا من المدرسة اليابانية في التنمية—القائمة على الانضباط، والتعليم، والتزاوج بين الأصالة والحداثة—حجراً لزاوية نهضتهم الشاملة.
    وفي سياق متصل، يشير المحللون إلى أن **المملكة المغربية**، في سعيها الطموح نحو الريادة الإقليمية، بدأت تتبنى بوضوح ملامح من **”نموذج سنغافورة”**. ويتجلى ذلك في التركيز المغربي المكثف على تطوير البنية التحتية اللوجستية العالمية (مثل ميناء طنجة المتوسط)، وجذب الاستثمارات الأجنبية عالية القيمة، والتحول إلى مركز مالي وخدماتي يربط القارات، تماماً كما فعلت سنغافورة في شرق آسيا. إن بونعمان لا يؤرخ لليابان فحسب، بل يفتح نافذة للمغرب لاستلهام الدروس الآسيوية في صياغة مستقبله الخاص.

  • عابر
    الخميس 14 ماي 2026 - 18:34

    النهضة اليابانية نهضة جمعت بين الحداثة والتقليد لكن المجتمع الياباني مجتمع حديث ويتمتع بمقومات المجتمعات الحديثة القاءمة على الليبرالية و العقلانية والفردانية والديمقراطية وخدمة المصلحة العامة. أما الأصالة فلا دور لها في الفضاء العام وتبقى حبيسة الفضاء الخاص من لباس وفن ومعمار وثقافة تقليدية .. ولذلك القول بالجمع بين الحداثة والاصالة في اليابان قول بدون أساس

  • الورزازي
    الجمعة 15 ماي 2026 - 19:42

    لا يمكن إنكار تشبت اليابان بتقاليدها العريقة حتى غي الفضاء العام. المدرسة اليابانية مثال على ذلك التشبت، و هي تخلف اختلافا جذريا عن النموذج الغربي.
    الكتاب ليس دعوة للاستنساخ السخيف..، و إنما للاستفادة من التجارب الإيجابية للأمم كيفما كانت.

  • عابر
    الجمعة 15 ماي 2026 - 21:18

    اليابان تقدمت باتباع النموذج الغربي حيث تم ارسال الآلاف من اليابانيين الى اوربا في القرن التاسع عشر للدراسة والتعليم من أجل نقل التكنولوجيا الحربية والاستفادة من اسباب التقدم الاوربي في التعليم والزراعة و الإدارة والتشريعات القانونية والتهيئة الحضرية وتخطيط المدن … الأصالة موجودة في كل الدول المتقدمة وليس في اليابان فقط. ايطاليا واسبانيا وبريطانيا كل منها لها أصالتها الخاصة في الطبخ والمعماري والفنون والأزياء والاختبارات …

صوت وصورة
إخلاء سوق حي المحيط بالرباط
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 17:33 1

إخلاء سوق حي المحيط بالرباط

صوت وصورة
منتدى الأعمال الإماراتي المغربي
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 14:12 1

منتدى الأعمال الإماراتي المغربي

صوت وصورة
لائحة أسود الأطلس للقاء النيجر
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 13:22

لائحة أسود الأطلس للقاء النيجر

صوت وصورة
الغلاء يتمكن من اللحوم الحمراء
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 12:30 12

الغلاء يتمكن من اللحوم الحمراء

صوت وصورة
رفع سن ولوج التعليم إلى 40 سنة
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 21:05 12

رفع سن ولوج التعليم إلى 40 سنة

صوت وصورة
الرجولة القاتلة
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 21:00 1

الرجولة القاتلة