بين الشّعر والمطر

بين الشّعر والمطر
الخميس 14 يوليوز 2022 - 18:23

مؤكّد أنّنا لسنا في خير (وهذا لا يعني أننا كنّا في خير دائما)، وهذا الإطلاق لا يقصد جميع الطوائف المجتمعيّة، ولكنّه يعني فئات كثيرة ممن يعيش فوق هذه الرقعة الجغرافية من العالم.

تكالبت (لماذا لا نصوغ أيضا فعلا مثل تقارد وتضابع؟) أسبابٌ عدّة لتضعنا في ما نحن فيه من البؤس والشقاء والإملاق والتّصحّر والعَوَز والعطش والحمّى…

أمسِ كاد الوباءُ الجاثمُ على الصّدور أن يكتم أنفاس النّاس كلّهم، ويُختّر دماءهم، ويجعلهم للمقابر زائرين.

واليوم لا يزال الأمر مربكا ومثيرا للمخاوف، فأمر الجائحة ليس ـعلى ما يظهرـ إلى زوال. أمحلت الدّنيا عندنا، وغار ماؤنا، ويبس ضرعنا، ونشف ريقنا. وفِعلا تربتْ أيدينا، وأغبرت أجسادنا، وأصبح الناس لا يطلبون سوى غَرفة ماء.

والعاقل من يتدبر هذه الآية العظيمة ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ وأيّ بشرى أجمل من رياح تسوق الغيث والخير، وذو العقل يقرِن بين الأرض الجُرُز والموتى، فالموت واحد، والإحياء واحدٌ.

لقد ظلّ الناس يهربون من لَظى الحرّ والمَحْل والقحْلِ الذي يشوي أجسادهم، ويكوي أرواحهم. وقبلَ ذلك بكثير عدّ الشاعر في العصرِ الأول الجدْبَ عيبا مُعيبا، يقول سلامة بنُ جندل:

كُنّا نحُلُّ إذّا حلّتْ شاميةُ بكلّ وادٍ حَطيبِ البطن مجدوبُ

وتتدلّى الشمس، فتحرق بأُوارها البشر، وتطبخُ لحمَ المسافرين، قال المتلمّس الضبُعيّ:

وجناء قدْ طبخَ الهواجر لحمَها وكأنّ نِقْبَتَها أديمٌ أملَسُ

ذُكاءُ عظيمة الوجنتين، حسنة النّقبة، ذاتُ هيئة جميلة. يَظهرُ وجهُها أملس صافيا. جمالٌ يُنْضجُ لحم الناس وقت الهاجرة.

وأمام هذا الجفاف المُجدِب (المُعيب والمُقدِح) لم يكنْ أمام الشاعر غير الاستمطار. فبات سهرانَ نشْوان أرِقا، يترقبُ وميض البرق، ويتتبّع مكان نزوله، يستوي في ذلك المُحدودب وفارع الطّول.

يقول حسان بن ثابت:

أرِقْتُ لتَوْماضِ البُروق اللّوامع ونحنُ نَشاوى بين سَلعٍ وفارعِ

واليوم، ليس للناس في هذه الضّبع (السنة العجفاء) إلا أن يُنشدوا المطر، وليس لهم، حال موتِه إلا أن يُشيّعوه حزانى حفاة. يقول عدنان الصائغ:

حين يموتُ المطرُ ستُشّيعُ جنازتَهُ الحقولُ

وحدَها شجيرةُ الصبير ستضحكُ في البراري

شامتةً من بكاءِ الأشجار

وما الشّعر عنّا ببعيد. ولمن يريد أن يرى بأم عينه جنازة الحقول؛ فهي معقودة بسهلنا العتيد. حقول سهل تادلة تبكي يباسها وإملاقها، وتبكي مصير البشر الضاحكين. وأمّ الربيع يتلوّى بين المقابر والمداشر مُدقعا خاويا، يكشف المخبوء في قعره السحيق، ويجري بالقذارة وارتجاعنا القديم.

ليس لنا منِ حَلّ ولا انفراج غير المطر. والمطر يستجلبُ الشّعر. ولهذا السبب رأى نزار الشاعرُ أنّ:

الشّعرُ يأتي دائما مع المَطر.

ووجهُكِ الجميلُ يأتي دائما مع المَطر.

والحبُّ لا يبدأ إلا عندما تبدأ موسيقى المطر..

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
المنتجات المغربية في أبوظبي
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 12:24

المنتجات المغربية في أبوظبي

صوت وصورة
أزمة السكن تخنق طلبة أكادير
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 10:50 2

أزمة السكن تخنق طلبة أكادير

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | أحداث سبتة.. وماذا بعد؟
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 21:00

أبعاد استراتيجية | أحداث سبتة.. وماذا بعد؟

صوت وصورة
"الكتاب" يدرس المشاركة الحكومية
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 20:30 3

"الكتاب" يدرس المشاركة الحكومية

صوت وصورة
عاصفة قوية تضرب فاس
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 17:34 6

عاصفة قوية تضرب فاس

صوت وصورة
وجه آخر للبحر في البيضاء
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 16:28 2

وجه آخر للبحر في البيضاء