بين المونديال والصحراء ومراكش

بين المونديال والصحراء ومراكش
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 13:05

حين تلتقي القبيلة والمرأة والدولة في مسار فاطمة الزهراء المنصوري

خلال يوم واحد كانت تجري مباراتان مغربيتان مختلفتان تماما. واحدة فوق العشب في جنوب إفريقيا، حيث كان أسود الأطلس يواجهون ليسوتو وهم ينظرون منذ الآن إلى أفق 2030، والثانية في الرباط، داخل القصر الملكي، حيث كان المغرب يفتح صفحة سياسية غير مسبوقة في تاريخه.

في 29 شتنبر 2026 استقبل الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، بعد أن تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية بحصوله على 97 مقعدا من أصل 395. وللمرة الأولى في تاريخ البلاد، تصبح امرأة رئيسة للحكومة.

الخبر ليس عاديا، يمكن قراءته سياسيا، من خلال الانتخابات والتحالفات وموازين القوى بين الأحزاب. كما يمكن قراءته اجتماعيا، من خلال التحول في حضور المرأة داخل مؤسسات الدولة المغربية. لكن ثمة قراءة ثالثة قد تسمح بكشف الطبقات الأقل ظهورا في الحدث: القراءة الأنثروبولوجية.

لو استدعينا عالم الأنثربولوجيا كليفورد غيرتز، من أجل قراءة متخصصة في مجاله، لهذا الحدث، لكان سيرشدنا إلى “الوصف الكثيف/ الدقيق”، أي عن ضرورة ألا نكتفي بتسجيل الفعل، بل أن نعيد بناء شبكة المعاني التي يكتسبها هذا الحدث، وتشكل دلالته. ومن هذا المنظور، لا يكون تعيين المنصوري مجرد فعل دستوري، بل حدثا يحرك في الوقت نفسه قضايا الجندر/ النوع والذاكرة والمدينة والنسب والقبيلة والطقس وتمثلات السلطة، لدى المجتمع المغربي.

فاطمة الزهراء المنصوري لا تصل إلى القصر فقط باعتبارها محامية ووزيرة وعمدة لمراكش وزعيمة لحزب سياسي. داخل مسارها تتقاطع مراكش والرحامنة وأولاد دليم والصحراء والمرأة والعائلة ثم الدولة. وكأن في سيرة واحدة أكثر من خريطة اجتماعية للمغرب.

مراكش تعود إلى المركز

يمكن الانطلاق من مراكش. فالمدينة المعروفة اليوم في العالم باعتبارها واحدة من أبرز الوجهات السياحية الدولية ليست فقط مدينة الفنادق والرياضات وساحة جامع الفنا، بل هي أيضا مدينة سلطة وذاكرة سياسية. كانت في فترات مختلفة عاصمة لسلالات حكمت المغرب ومدت نفوذها في بعض المراحل إلى ما وراء الحدود الحالية للبلاد. وحتى بعد انتقال مركز القرار السياسي إلى فاس ثم الرباط، ظلت مراكش تحتفظ في ذاكرتها بعلاقة خاصة مع السلطة، وكأنها تبتعد عن المركز ثم تعود إليه بعد فترات طويلة.

لهذا استوقفتني تدوينة الشاعرة والكاتبة المغربية المقيمة بروما، دليلة حياوي بعنوان دال: “مراكش تعود إلى الواجهة السياسية”. تستحضر حياوي ثلاثة أسماء تفصل بينها عقود طويلة.

الأول هو باحماد بن موسى، “الصدر الأعظم” (رئيس الوزراء بالتوصيف الحالي) وصاحب النفوذ الكبير في بداية عهد السلطان مولاي عبد العزيز بين 1894 و1900. وتشير حياوي في سردها العائلي إلى أن باحماد كان زوج جدتها الكبرى “لالة زينب” بنت الباشا العباس بن داود.

أما الإسم الثاني فهو عبد الله إبراهيم، ابن منطقة مراكش وأحد وجوه الحركة الوطنية واليسار المغربي، الذي ترأس مجلس الحكومة بين 1958 و1960.

ثم تأتي الثالثة: فاطمة الزهراء المنصوري، وهذه المرة امرأة، تصفها حياوي بعبارة شديدة الارتباط بلغة المدينة ومخيلتها: “زغرودة مراكش الحمراء”، في إشارة إلى خصوصية الانتماء إلى المدينة، التي ارتبط اسمها بنعت: ” البهجة”، التي تحيل على الفرح في المخيلة المغربية، بل إلى العرس عند المغاربة يطلق عليه اسم “الفرْح”.

ويكتسب الإيقاع الزمني هنا، في تعيين رئيس حكومة مغربي من مراكش، قيمة سردية أيضا. أربعة وستون عاما تفصل 1894 عن 1958، وثمانية وستون عاما تفصل 1958 عن 2026، بينما يمتد الخط كله على 132 عاما. لكن المعنى لا يكمن في الحساب وحده، بل في الكيفية التي تمنح بها الذاكرة معنى للزمن.

باحماد ينتمي إلى زمن المخزن والسلطنة والصدر الأعظم وشبكات القرابة والقصر. عبد الله إبراهيم ينتمي إلى زمن الاستقلال والحركة الوطنية وبناء الدولة الحديثة.

أما المنصوري فتنتمي إلى زمن الدستور والانتخابات والأحزاب والتمثيل النسائي ومغرب يستعد لكأس العالم. ثلاثة أشخاص، وثلاثة أزمنة مختلفة للسلطة، ومدينة واحدة تعود في كل مرة إلى المركز بلغة تاريخية مغايرة.

من مراكش إلى أولاد دليم

لكن مراكش ليست المكان الوحيد في سيرة المنصوري. خلف الانتماء الحضري تظهر ذاكرة أخرى، هي ذاكرة النسب والانتماء القبلي. خلال تجمع سياسي كبير عقد في الداخلة في شتنبر 2026، قالت المنصوري: “أنا منكم”، معلنة للحاضرين انتماءها إلى قبيلة أولاد دليم، إحدى التشكيلات القبلية الحسانية التاريخية ذات الحضور القوي في المجال الصحراوي، وخصوصا في منطقة وادي الذهب والداخلة.

يتحدث عالم الإجتماع بيير بورديو عن الرأسمال الاجتماعي والرأسمال الرمزي والتفويض والتمثيل. وفي نصه: The Forms of Capital يشرح كيف يمكن لجماعة أن تركز رأسمالها الاجتماعي في شخص ممثل يمنح سلطة التحدث والتصرف باسمها.

لم تكن عبارة “أنا منكم” محايدة، ولم تكن الداخلة مكانا محايدا لقولها. فهي إحدى أهم الأقطاب الحضرية الاستراتيجية في الصحراء المغربية الغربية، ومرشحة لتلعب أدوارا اقتصاديا هامة مع تنزيل مقترح الحكم الذاتي بالمناطق الصحراوية، فعندما يعلن سياسي أمام جمهور محلي انتماءه القبلي، فإنه لا يقدم فقط معلومة عن شجرة العائلة، بل يدخل إلى لغة أخرى للسياسة، هي لغة القرابة والقرب الاجتماعي والذاكرة الجماعية.

هنا يظل عمل الأنثربولوجي إرنست غلنر حول المغرب مفيدا، وإن كان مع كثير من الحذر. ففي كتابه: Saints of the Atlas بيّن الرجل كيف كانت النسبية القبلية والتجزؤ والوساطة والتحالفات داخل المجتمعات القبلية المغربية أيضا أشكالا من التنظيم السياسي. ولا يمكن نقل نموذجه آليا إلى المغرب المعاصر، لكن قيمته تكمن في تذكيرنا بأن القبيلة ليست مجرد نسب خاص، بل كانت تاريخيا شكلا من أشكال التنظيم الاجتماعي والسياسي.

ومن منظور الدولة الحديثة، يفترض أن يتوجه السياسي إلى مواطنين أفراد، يقدم برنامجا ويطلب أصواتهم. لكن الناس لا يدخلون إلى المجال السياسي بلا تاريخ، بل يدخلون إليه بوصفهم أبناء عائلات ومناطق وقبائل ومدن وعوالم لغوية وذاكرات. وعندما تقول المنصوري في الداخلة إنها تنتمي إلى أولاد دليم، فإن هذا التصريح يمكن أن يعمل أيضا كإشارة قرب: لست فقط مسؤولة جاءت من الرباط، أو وزيرة سابقة، أو زعيمة حزب، بل لي أنا أيضا مكان داخل هذه الجغرافيا الاجتماعية.

وهنا يقدم بيير بورديو مفتاحا مفيدا جدا. فالانتماء يمكن أن يتحول إلى رأسمال رمزي عندما يعترف به اجتماعيا ويتم توظيفه لإنتاج الثقة والمكانة والتمثيل. ليست المعلومة النسبية في حد ذاتها هي التي تولد القوة السياسية، بل القيمة التي يمنحها الناس لذلك الانتماء. ومن هذا المنظور يظهر واحد من تناقضات الحداثة السياسية المغربية: الدولة لم تلغ القبيلة، والانتخابات لم تمح النسب، والمدينة لم تمح الصحراء. تغيرت وظائف هذه الانتماءات، لكنها لم تختف.

الرحامنة وذاكرة الحركة

تزداد الصورة تعقيدا عندما نضيف الرحامنة إلى الجغرافيا الإجتماعية لانتماء فاطمة الزهراء. فالرحامنة ليست فقط إقليما إداريا شمال مراكش وعاصمته ابن جرير. تاريخ المنطقة الاجتماعي يحيل إلى تحركات بشرية قديمة وإلى جماعات مرتبطة بمعقل عاشت في مجالات صحراوية قبل أن تنتقل وتستقر شمالا. وهذا لا يعني أن الرحامنة وأولاد دليم شيء واحد، ولا يسمح بدمج هويتين قبليتين مختلفتين في هوية واحدة، لكنه يذكرنا بأمر مهم: الخريطة الاجتماعية للمغرب لم تكن تاريخيا ثابتة كما تبدو اليوم في الخرائط الإدارية.

كانت القبائل تتحرك، والعائلات تنتقل، والمصاهرات تربط بين مجالات متباعدة، بينما كانت الرعي والتجارة والحروب والتحالفات ترسم مسارات لا تتطابق دائما مع حدود الأقاليم والجهات الإثنى عشر الحالية. ولهذا فإن السؤال الأنثروبولوجي الأكثر أهمية ليس فقط: “من أين تنحدر المنصوري؟”، بل: “كيف اجتمعت داخل تاريخ عائلتها انتماءات وذاكرات متعددة بين المجال الصحراوي والرحامنة ومراكش؟”

فالهوية الاجتماعية ليست صندوقا مغلقا بالضرورة. يمكن للشخص أن يحمل نسبا قبليا، وذاكرة عائلية، ومجال استقرار، ومكان ولادة، ثم هوية حضرية وسياسية لاحقة، من دون أن تكون هذه العناصر مترادفة أو متعارضة بالضرورة. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة مسار المنصوري عبر أربعة أمكنة رمزية: الداخلة حيث يظهر النسب والقبيلة، الرحامنة حيث تظهر ذاكرة الحركة والاستقرار، مراكش حيث تتكون الشخصية الحضرية والسياسية، والرباط حيث تدخل كل هذه المسارات إلى فضاء الدولة.

من “أنا منكم” إلى “أنا مسؤولة عن الجميع”

لم تقل المنصوري فقط “أنا منكم” بل أضافت أيضا في معرض كلامها: “أنا مسؤولة عن الجميع”، هنا يصبح ملف الصحراء أكثر من مجرد بند من بنود السياسة الخارجية في أجندة رئيسة الحكومة الجديدة. لكن الحذر ضروري. فالانتماء إلى أولاد دليم لا يجعل المنصوري ممثلة تلقائية للصحراويين، ولا يعني أن النسب سيحدد موقفها السياسي، كما أن القبيلة لا تمنح وحدها شرعية الحديث باسم مجتمع متنوع ومعقد. لكن القيمة الرمزية لذلك الانتماء موجودة.

رئيسة الحكومة التي أعلنت في الداخلة هذا الانتماء ستقود الجهاز التنفيذي في مرحلة يواصل فيها المغرب الدفاع عن مشروع الحكم الذاتي الذي تقدم به سنة 2007 باعتباره أساسا لحل النزاع حول الصحراء الغربية. وهنا يختلف عمل الدبلوماسية عن عمل الحكومة. فالدبلوماسية تفاوض وتبني التحالفات وتبحث عن الدعم الدولي، أما الحكومة فعليها أن تدبر نتائج السياسة حين تتحول إلى حياة يومية.

إذا عرف ملف الحكم الذاتي تحولا جوهريا خلال ولايتها، فستظهر أسئلة ملموسة: كيف ستدار المؤسسات المحلية؟ كيف ستوزع الاختصاصات والموارد؟ كيف ستضمن التمثيلية؟ وماذا يعني الحكم الذاتي في الحياة اليومية للناس، لا فقط في النصوص الدبلوماسية؟

هنا يصبح حديث الأنثربولوجي فرانشيسكو فاكيانو مفيدا بشكل خاص. ففي كتابه” أنثروبولوجيا الكرامة: التطلعات والأخلاق والسعي وراء الرفاه في المغرب المعاصر”، يبين أن الطموحات السياسية والاجتماعية لا يمكن فهمها فقط من خلال المؤشرات الاقتصادية أو المؤسساتية، بل يجب قراءتها داخل توقعات الحياة الكريمة، وإمكانات الاختيار، والاعتراف، والعلاقة الملموسة بين الناس والمؤسسات. وفي تحليله للمغرب المعاصر، تبرز كلمة “كرامة” بقوة خلال احتجاجات 2011، مقترنة بالحرية والعدالة الاجتماعية.

وهكذا فإن السؤال لا يتعلق فقط بالشكل المؤسساتي الذي سيأخذه الإقليم، بل أيضا بنوع الكرامة والمشاركة والمستقبل الذي تستطيع المؤسسات إنتاجه في حياة الناس. ومن هذا المنظور، يمكن أن تصبح معرفة المجتمع الصحراوي وشبكاته وذاكراته موردا للفهم والوساطة، لا لأن المنصوري ينبغي أن تقوم بدور “الوسيط القبلي”، بل لأن السياسة تحتاج إلى فهم اللغة الاجتماعية للمجال الذي تريد تدبيره. وسيكون الاختبار الحقيقي هو الانتقال من “أنا منكم” إلى “أنا مسؤولة عن الجميع”: الأولى لغة الانتماء، والثانية لغة المؤسسة.

المونديال وخريطة أخرى للحدود

في الجهة الأخرى توجد إسبانيا. مفارقة 2030 تبدو شبه مكتوبة سلفا: المغرب وإسبانيا يتنافسان على تنظيم نهائي كأس العالم وسينظمان معا إلى جانب البرتغال أغلب فعاليات المونديال المقبل، رغم استمرار اختلاف الرباط ومدريد في قراءتهما لبعض أجزاء الجغرافيا المشتركة بينهما، من سبتة ومليلية إلى الجزر الجعفرية وغيرها من المجالات الواقعة تحت الإدارة الإسبانية. مدريد تعتبر سبتة ومليلية جزءا من السيادة الإسبانية، فيما ظلت المطالبة المغربية بهذه الأراضي حاضرة تاريخيا في الخطاب السياسي والدبلوماسي وتعتبرها محتلة ويجب تحريرها بالحوار وسلميا، على منوال ما تم سابقا في الصحراء المغربية الغربية التي كانت محتلة من طرف إسبانيا وتحررت بشكل سلمي في عهد فرانشيسكو فرانكو، من خلال معاهدة مدريد 14 نونبر 1975، التي قضت بانسحاب إسبانيا الإداري والعسكري من الصحراء، فهل سيتحقق الأمر من جديد مع حكومة المنصوري.

المفارقة أن بلدين لا يقرآن بعض أجزاء الخريطة بالطريقة نفسها سيضطران إلى التعاون لإنجاز حدث عالمي يحتاج إلى أعلى مستويات التنسيق في النقل والأمن والاستثمار والسياحة والبنية التحتية. وهنا تتوقف الحدود عن كونها خطوطا سياسية فقط. حولها تتحرك عائلات وأسواق ولغات وذاكرات وأشخاص. ترسم الدولة خطا، لكن الحياة الاجتماعية والثقافية تعبره في كثير من الأحيان وتعيد تعريفه.

ويقدم فاكيانو هنا أيضا مفتاحا مفيدا، حين يبين أن الحدود ليست مجرد فواصل إدارية، بل آليات توزع بشكل غير متساو إمكانات الحركة والولوج والمستقبل. ففي عمله حول المغرب، ترتبط الهجرة باستمرار بفكرة الكرامة والبحث عن إمكانات فعلية للحياة. وقد قال له أحد مخاطبيه ذات مرة: “أنا أحدثك عن حياة كريمة”، وهي العبارة التي رافقت أبحاثه سنوات طويلة.

وقد تجد حكومة المنصوري نفسها أمام معادلة دقيقة: كيف تحفظ كرامة المواطن المغربي وتقنعه بعدم تكرار مشاهد الهجرة غير النظامية نحو سبتة ومليلية؟ كيف تعمق الشراكة الاستراتيجية مع إسبانيا في الاقتصاد والأمن والهجرة وتنظيم المونديال من دون أن تمحو الذاكرة السياسية للقضايا التي بقيت عالقة؟ وهل يمكن لهذا التعاون المكثف أن ينتج مستقبلا لغة أقل توترا في الحديث عن الحدود؟ المسألة ليست قانونية فقط، بل تتعلق أيضا بالطريقة التي يتخيل بها مجتمعان متجاوران فضاء مشتركا.

امرأة تدخل صورة السلطة

يبقى التحول الأكثر ظهورا هو جنس الشخص الذي سيقود الحكومة. هذه المرة تدخل امرأة إلى المشور السعيد، مقر رئاسة الحكومة، المكتب الذي طالما شغله الرجال فقط. ومع ذلك، فإن معنى التعيين لا يختزل في جنس من يجلس على الكرسي، لأن السلطة ليست قوانين واختصاصات فقط، بل هي أيضا صورة وبروتوكول وطقس ولباس وترتيب للأجساد داخل المجال الرسمي.

هنا يصبح الأنثربولوجي كليفورد غيرتز مفيدا بشكل خاص. ففي ” نغارا”، وهو يدرس دولة بالي في القرن التاسع عشر، بين كيف أن الطقوس والاحتفالات والرموز ليست مجرد زينة للسلطة، بل جزء من الطريقة التي تتشكل بها السلطة وتجعل نفسها مرئية. لا يتعلق الأمر بالطبع بمساواة بالي بالمغرب، بل باستعمال المقارنة: حتى الدولة الحديثة تقول من تكون من خلال الطقوس والصور التي تنتجها عن نفسها.

ومن هنا يفتح وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة أسئلة جديدة حول المناسبات الدينية الرسمية. فالفصل 41 من الدستور يمنح الملك، بصفته أمير المؤمنين، مسؤولية السهر على احترام الإسلام وضمان حرية ممارسة الشؤون الدينية. لكن ماذا يحدث للصورة البروتوكولية عندما تكون رئيسة الحكومة امرأة؟ هل تشارك المنصوري في المناسبات الدينية الكبرى بالطريقة نفسها التي كان يشارك بها أسلافها الرجال؟ هل يعاد ترتيب بعض أشكال الحضور؟ أم أن حضورها سيجعل الحدود بين الوظيفة المدنية للحكومة والوظيفة الدينية للملك أكثر وضوحا؟ هذا ليس سؤالا عن تدين المنصوري الشخصي، بل عن أنثروبولوجيا الطقس السياسي. فالتغيير لا يبدأ دائما من تعديل القانون، وقد يبدأ أحيانا من تغير الصورة التي يرى بها المجتمع السلطة.

امرأة واحدة بين رجال المشاورات

لكن اليوم الأول بعد التعيين قدم صورة أخرى تستحق التوقف عندها. ففي 30 شتنبر بدأت المنصوري مشاورات تشكيل الحكومة، فاستقبلت أولا وفد التجمع الوطني للأحرار، ثم وفد حزب الاستقلال. ضم وفد الأصالة والمعاصرة المنصوري وعبد اللطيف وهبي وفوزي لقجع وأحمد أخشيشن، فيما تكون وفد التجمع من محمد شوكي وراشيد الطالبي العلمي ومحمد بوسعيد، وشارك عن الاستقلال نزار بركة وعبد الجبار الراشدي وعبد الصمد قيوح ومحمد ولد الرشيد. ومن بين كل هذه الأسماء، كانت المنصوري المرأة الوحيدة.

إنها صورة تقول الكثير عن المرحلة التي يدخلها المغرب. فالتاريخ يصنع أحيانا رمزا قبل أن تتغير البنية الاجتماعية المحيطة به. امرأة تترأس الجلسة، لكن الطاولة التي توسطت المجلس ما تزال محاطة تقريبا بالكامل بالرجال. وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيدا من مجرد الاحتفاء بوصول أول امرأة إلى رئاسة الحكومة، لأن السؤال ينتقل من الصعود الفردي إلى التمثيل الجماعي: هل يكفي أن تكسر امرأة واحدة السقف الزجاجي إذا ظلت البنية السياسية المحيطة بها شديدة الذكورية؟

وهنا تحديدا يضيف الأنثربولوجي عبد الله حمودي عمقا مغربيا خاصا. ففي Master and Disciple يحلل كيف يمكن لأنماط ثقافية للسلطة، نشأت تاريخيا داخل علاقات التراتب والطاعة والتبعية، أن تستمر في الظهور داخل العلاقات السياسية والشخصية والجندرية. وهذا لا يعني أن المغرب المعاصر يمكن تفسيره كله بنموذج واحد، لكن تحليله يقترح سؤالا مهما: ما سرعة تغير النماذج الثقافية للسلطة مقارنة بسرعة تغير المؤسسات؟ قد يتغير الدستور، وقد تصل امرأة إلى رئاسة الحكومة، لكن شبكات اختيار النخب والعادات وتمثلات الجندر قد تتغير بوتيرة أبطأ.

صورة فاطمة المنصوري، محاطة بالرجال في مشاورات تشكيل الحكومة مع حلفائها في الحكومة السابقة، تكشف بالضبط هذه المسافة بين التغير المؤسساتي والاستمرار الاجتماعي. ولذلك يمكن قراءة تعيين المنصوري كإشارة ثقافية قوية داخل مجتمع ذي تقاليد ديني/ إسلامية واجتماعية عميقة، لكن قيمة التحول لا يمكن قياسها بالشعارات أو بمجرد وجود امرأة في القمة. الاختبار الحقيقي هو معرفة ما إذا كان الطريق الذي فتح أمام شخص واحد سيصبح أوسع للنساء اللواتي سيأتين بعده.

نسب سياسي اسمه الأصالة والمعاصرة

إذا كان للمنصوري نسب عائلي وقبلي، فإن لحزبها نسبا سياسيا أيضا. تأسس حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008 في سياق تجربة حركة لكل الديمقراطيين المرتبطة بفؤاد عالي الهمة، الوزير المنتدب السابق في الداخلية والشخصية القريبة تاريخيا من الملك محمد السادس، والذي أصبح لاحقا مستشارا ملكيا. ومنذ البداية جمع الحزب شخصيات يصعب وضعها داخل خانة واحدة: أعيان ومنتخبون وتقنوقراط ورجال أعمال وشخصيات آتية من اليسار والحركة الحقوقية.

وظل هذا الأصل يرافق الحزب في صورته العامة. فقد قدمه خصومه وجزء من الرأي العام لسنوات باعتباره “حزب صديق الملك”. وهذه صورة سياسية لا تثبت في حد ذاتها أن القصر كان يدير الحزب، لكنها أثرت في المنافسة السياسية وفي الطريقة التي فهم بها جزء من الناخبين موقعه.

وهنا يقدم بورديو مفتاحا آخر. فالجماعات السياسية لا تعيش فقط بالبرامج والتنظيمات، بل تراكم السمعة والشبكات والاعتراف والرأسمال الرمزي. وحتى اسم المؤسس يمكن أن يصبح في لحظة معينة موردا، وفي لحظة أخرى قيدا. والأحزاب بهذا المعنى تملك نوعا من النسب السياسي: آباء مؤسسين وذاكرات وأساطير منشأ، وقد تضطر أحيانا إلى إعادة التفاوض مع قصة ولادتها.

ثم جاءت حركة 20 فبراير ودستور 2011 وفوز حزب العدالة والتنمية الذي قاد الحكومة لولايتين متتاليتين. وانتقل فؤاد عالي الهمة إلى مهمة مستشار الملك، بينما استمر الحزب تحت قيادات أخرى. وبعد انتخابات 2021 تولى التجمع الوطني للأحرار بقيادة عزيز أخنوش رئاسة الحكومة، إلى أن عاد الأصالة والمعاصرة في 2026 إلى مركز السلطة عبر باب مختلف تماما: امرأة على رأس الجهاز التنفيذي.

وهنا يظهر سؤال آخر: هل تستطيع المنصوري أن تمنح الحزب سيرة سياسية مستقلة عن صورة مؤسسه؟ وهل يمكن أن يتحول الحزب في المخيال العام من تنظيم يروى باستمرار من خلال فؤاد عالي الهمة إلى حزب يحكم عليه من خلال تجربته الحكومية ونتائجه؟ فالتحرر من النسب السياسي لا يعني إنكار الأصل، بل إنتاج شرعية لا تحتاج إلى العودة إليه في كل مرة.

امرأة تحكم المغرب وامرأة تحكم بيتنا

لكن كل هذه الأسئلة الكبرى، الصحراء والمونديال والقبيلة والدولة والقصر ومراكش، أصبحت بالنسبة إلي في تلك الليلة أكثر بساطة وقربا. كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، وبدأ يوم 29 شتنبر، وكان أيضا يوم ميلاد أمي. كنا في البيت نحتفل بها حين دخل موضوع فاطمة الزهراء المنصوري إلى حديثنا العائلي.

كانت أختي الصغيرة مهتمة كثيرا بفكرة أن تصبح امرأة رئيسة للحكومة. سألتها لماذا يهمها الأمر إلى هذه الدرجة، فقالت: “لأنها امرأة. من الجميل والمهم أن تحكم امرأة”. فقلت لها مازحا: “لكن عندنا أصلا رئيسة حكومة. أمي هي رئيسة حكومة هذا البيت”. فضحكت ثم أجابت: “نعم” صحيح، لكن أنا أتكلم عن الرسمي.

توقفت بعد ذلك عند كلمة “الرسمي”، لأنها رسمت من دون أن تقصد خطا بين شكلين من السلطة: سلطة يعترف بها المجتمع داخل العلاقات اليومية، وسلطة تعترف بها الدولة عبر الدستور والمؤسسات. وهنا يتحول “الوصف الكثيف” عند غيرتز من نظرية مجردة إلى منهج سردي: محادثة منزلية تبدو هامشية مقارنة بالسياسة الوطنية يمكن أن تكشف شيئا أوسع عن العلاقة بين السلطة الاجتماعية والسلطة المؤسساتية.

أمي، بطبيعة الحال، ليست رئيسة حكومة. ليس لها وزراء ولا أغلبية برلمانية ولا مرسوم تعيين. ومع ذلك، مثل كثير من الأمهات المغربيات، تعرف بالتفصيل تلك المملكة الصغيرة التي اسمها العائلة. تعرف من تشاجر مع من، ومن مرض، ومن غاب، ومن يحتاج إلى المساعدة، ومن ينبغي أن يتصل بمن، ومن يجب دعوته إلى عرس أو مواساته في جنازة. تحفظ العلاقات والذاكرة العائلية، وتتوسط أحيانا في الخلافات، وتعرف أنسابا وحكايات قد لا يتذكرها الأبناء أنفسهم.

وهذه أيضا صورة من صور السلطة الاجتماعية، حتى وإن لم تكن سلطة قانونية. ولا يتعلق الأمر بتمجيد الدور المنزلي للمرأة أو تحويله إلى قدر طبيعي، بل بالعكس. المفارقة هي أن النساء مارسن تاريخيا أدوارا مركزية في تدبير الحياة الاجتماعية والعائلية من دون أن تتحول هذه القدرة دائما إلى حضور مواز داخل مؤسسات القرار. ولهذا بدت لي جملة أختي “أنا أتكلم عن الرسمي” أعمق من المزحة نفسها. الجديد في 29 شتنبر ليس أن امرأة مغربية اكتشفت للمرة الأولى كيف ستكون مدبرة أو مفاوضة أو تتوسط أو تقرر، بل أن امرأة تم إعلان تسميتها لإدارة الجهاز التنفيذي للبلاد، حيث تمنح فيه الدولة لهذه القدرة اسما دستوريا وموقعا رسميا: رئاسة الحكومة.

من حكومة البيت إلى حكومة الدولة

ربما لهذا بدت لي مصادفة عيد ميلاد أمي وتعيين المنصوري أكثر من مجرد صدفة عابرة. في البيت امرأة نسميها مازحين “رئيسة الحكومة” لأنها تمسك بكثير من خيوط الحياة العائلية، وفي الرباط امرأة تصبح للمرة الأولى رئيسة للحكومة بالمعنى الدستوري للكلمة. الأولى تستمد سلطتها من القرابة والعاطفة والذاكرة والعمر والتجربة، والثانية من الانتخابات والحزب والدستور والتعيين الملكي.

لا يمكن وضع السلطتين في المستوى نفسه، لكن المسافة بينهما تكشف أمرا أساسيا: السلطة لا تبدأ دائما في الدولة. نحن نتعلم معنى السلطة قبل أن نقرأ الدستور. نتعلمها في البيت والحي والمدرسة والقبيلة والمسجد والمدينة. ثم نكتشف لاحقا أن الدولة حولت بعض أشكال السلطة إلى مؤسسات وقواعد ومناصب.

وربما يكون السؤال الأنثروبولوجي الأعمق في قصة المنصوري ليس فقط كيف وصلت امرأة إلى رئاسة الحكومة، بل كيف تنتقل السلطة من المجتمع إلى المؤسسة، ومن القرابة إلى المواطنة، ومن القبيلة إلى الحزب، ومن المدينة إلى العاصمة، ومن “أنا منكم” إلى “أنا مسؤولة عن الجميع”.

من باحماد إلى المنصوري

وهنا تعود مراكش مرة أخرى. باحماد في نهاية القرن التاسع عشر، عبد الله إبراهيم في منتصف القرن العشرين، وفاطمة الزهراء المنصوري في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين. ليست الوظائف الثلاث متطابقة دستوريا بطبيعة الحال، لكن المقارنة تسمح برؤية كيف تغيرت أشكال السلطة نفسها على مدى 132 عاما.

في زمن باحماد كانت السلطة تمر عبر المخزن والسلطان والصدر الأعظم وشبكات القصر والقرابة. وفي زمن عبد الله إبراهيم كان المغرب يعيش الاستقلال وبناء الدولة الحديثة والصراع حول الاقتصاد وتوزيع السلطة. أما في زمن المنصوري فتدخل إلى المشهد أسئلة أخرى: الانتخابات والدستور والحكم الذاتي والمونديال والتمثيل النسائي والعلاقة مع أوروبا، إلى جانب السؤال القديم الجديد حول توزيع الوظائف بين الحكومة والملكية.

مراكش لم تعد عاصمة المملكة منذ قرون، ومع ذلك تعود في 2026 إلى قلب السلطة من خلال امرأة تحمل في سيرتها أكثر من مجال: انتماء معلن إلى أولاد دليم، وذاكرة عائلية مرتبطة بالرحامنة، وتجذرا حضريا قويا في مراكش، ثم مسؤولية وطنية في الرباط. مسارها بهذا المعنى ليس خطا مستقيما، بل خريطة. تتجسد فيها تضاريس جغرافيا اجتماعية وسياسية متداخلة.

والمغرب ينظر إلى 2030

في يوم واح.. في الوقت نفسه، كانت هناك مباراة كرة قدم في جنوب إفريقيا، وقصر في الرباط، وذاكرة انتماء إلى أولاد دليم أعلنت في الداخلة قبل أسابيع، وتاريخ أبعد للرحامنة، ومدينة حمراء تستعيد في ذاكرتها ثلاثة أشخاص وصلوا، في ثلاثة أزمنة مختلفة، إلى مواقع عليا في تدبير السلطة. وفي بيت مغربي كانت أسرة تحتفل بعيد ميلاد أم وتناقش ما الذي يعنيه أن تقود امرأة الحكومة.

تبدو هذه المشاهد بعيدة عن بعضها، لكن النظرة الأنثروبولوجية تجمعها لأنها تتحدث كلها عن الشيء نفسه: عن الطريقة التي يبني بها المجتمع السلطة ويمنحها معنى. فالمغرب الذي ينظر إلى 2030 لن يقدم للعالم فقط ملاعب وطرقا وقطارات وفنادق، بل سيقدم أيضا صورة عن نفسه وعن الطريقة التي يحاول بها الموازنة بين الاستمرار والتغيير، بين القبيلة والدولة، بين الصحراء والعاصمة، بين الدين والسياسة، بين مراكش والرباط، بين الشراكة مع إسبانيا وذاكرة الحدود، وبين حزب يحمل تاريخ علاقته بمؤسسه ورئيسة حكومة تحتاج إلى بناء شرعية خاصة بها.

يدعونا فرانشيسكو فاكيانو إلى أخذ هذا المستوى اليومي من الطموحات بجدية. ففي المغرب الذي يصفه، ليست الكرامة مفهوما مجردا، بل ترتبط بالإمكان الفعلي لتخيل المستقبل، والاختيار، والحصول على الاعتراف، والشعور بأن المؤسسات لا تنتج الإهانة بل تفتح إمكانات. لذلك لا يكفي تعيين امرأة وحده لقياس عمق التحول، كما أن الصورة شديدة الذكورية التي أحاطت بها في مشاوراتها الأولى تكشف أن الطريق أطول من لحظة التعيين الرمزية.

وصلت المرأة إلى رأس الطاولة، لكن معظم الكراسي حولها ما تزال يشغلها رجال. وبين الصورتين، صورة الاختراق وصورة الاستمرار، يوجد ربما السؤال الحقيقي للسنوات المقبلة. فالتغيير الاجتماعي لا يقاس فقط بما تقوله الدول عن نفسها أو بالشعارات التي ترفعها، بل بقدرتها على فتح طريق وتحويله بمرور الوقت من استثناء إلى ممارسة.

ولا ينبغي أن يعني فتح هذا الطريق بالضرورة القطيعة مع الهوية الدينية أو الاجتماعية أو التاريخية للمغرب. السؤال الأنثروبولوجي الأكثر إثارة هو كيف يعيد المجتمع التفاوض مع هويته من الداخل، ويحافظ على عناصر الاستمرار، وفي الوقت نفسه يغير من يحق له احتلال مواقع السلطة ومن يحق له تمثيل الدولة.

لهذا فإن صورة 29 شتنبر لا تختزل في امرأة تعبر أبواب القصر الملكي لتتلقى تكليفها. الصورة أوسع من ذلك. إنها لحظة تلتقي فيها قصة مدينة، وقصة قبيلة، وقصة عائلة، وقصة حزب، وقصة دولة، وقصة نساء مارسن أشكالا عديدة من السلطة داخل المجتمع من دون أن يحملن دائما لقب الحاكم. ثم وصلت واحدة منهن لتترأس الطاولة.

-إعلامي وباحث في الأنثربولوجيا الثقافية والإثنولوجيا بجامعة تورينو للدراسات

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
عرشان يدعم "حكومة المنصوري"
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 13:42

عرشان يدعم "حكومة المنصوري"

صوت وصورة
الاتحاد الدستوري في مقر "البام"
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 12:43

الاتحاد الدستوري في مقر "البام"

صوت وصورة
شراكة أكديطال ووكالة بيت مال القدس
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 11:55

شراكة أكديطال ووكالة بيت مال القدس

صوت وصورة
عفيف: الديفتيريا خطيرة واللقاح ناجع
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 10:49

عفيف: الديفتيريا خطيرة واللقاح ناجع

صوت وصورة
احتجاج متضرري المحج الملكي
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 07:32

احتجاج متضرري المحج الملكي

صوت وصورة
إرث المرابطين والموحدين
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 00:10

إرث المرابطين والموحدين