في كرة القدم، كما في الحياة، لا تُقاس العظمة بعدد الأهداف ولا بحجم الكؤوس وحدها، بل بما يتركه الإنسان من أثر أخلاقي يتجاوز حدود الملعب، فهناك من يجعل من اللعبة مرآة للمروءة والوفاء والتضامن، كما أن هناك من يحوّلها إلى ساحة للمكر والحسابات الخفية، حيث تختلط المهارة بالنوايا، ويصبح الفوز أحيانا رهين ما يُدبَّر خارج المستطيل الأخضر.
في نصّين متجاورين، يمضي الشاعر سعد سرحان في تفكيك هذا التناقض الحاد بين الوجه النبيل لكرة القدم ووجهها المعتم؛ من أخلاق اللاعبين الذين رفعوا اللعبة إلى مقام الإنسانية، إلى المؤامرات التي هبطت بها إلى درك المصالح والفساد. وبين الوفاء والخيانة، الكرم والغدر، يرسم الكاتب صورة للكرة بوصفها أكثر من مجرد لعبة: مرآة مكثفة للطبيعة البشرية بكل تناقضاتها.
(الأخلاق)
لولا الأخلاق القذرة التي تطفح من بعض اللّاعبين خلال المباريات، لَمَا جرى الحديث أصلًا عن اللّعب النظيف. فالغشّ والمكر والخبث والعنف واللّؤم والادّعاء وسوى ذلك من أهواء النفس اللّعُوب، لَهي من الظواهر التي باتت مألوفة حدَّ التّوقّع، إذ يكفي ذِكْر واحدة منها لتتبادر إلى الذهن أمثلة ووقائع بلا حصر.
وثمّة لاعبون يتحلّوْن، داخل الملعب وخارجه، بأخلاق الجدّ، فلا تذكر أسماؤهم إلّا مقرونةً بثمار نفوسهم التي تتدلّى بها الأغصان من شجرة المروءة.
فهذا فريدريك عمر كانوتي، المهاجم المالي الفذّ، المعروف بنُصرته لفلسطين، اِنبرى لإنقاذ مسجد من الهدم في إشبيلية، بعد أن اِشترى من ماله الخاصّ الأرضَ التي يقام عليها من الشركة المالكة، في واقعة بارزة، صار معها المسجد ذاك بصومعة أخرى، صومعة من لحم ودم نبيل.
وهذا إفريقي آخر، ساديو ماني، يتعهّد بالرّعاية قريته بامبالي في السينغال، إذ شيّد بها المدرسة والمستشفى، وخصّ سكّانها بالمساعدات المالية والمِنَح الدراسية، في سعي لتحسين ظروف عيشهم… وفي ذلك، لعمري، بِرّ بقريته الأمّ دونه كلّ إحسان.
أمّا الدكتور راشفورد، اللّاعب الإنجليزي الشهير، فقد قاد، إبّانَ كورونا، حملة لجمع التبرّعات بقصد توفير الوجبات المدرسيّة المجانية، أسفرت عن إطعام أكثر من مليون طفل، فجرى تكريمه من طرف جامعة مانشستر بمنحه دكتوراه فخرية.
دكتور آخر، من زمن آخر، ومن قارّة أخرى، يستحقّ الذكر في هذا المقام. إنّه اللّعب البرازيلي توستاو الذي خضع لأكثر من عملية جراحية على شبكية العين، ليتسنّى له أن يشارك في مونديال 70. وحين فازت البرازيل بكأس العالم، أهدى الفتى ميداليته إلى طبيبه المعالج، قبل أن يلتحق هو نفسه بكلية الطبّ ويتخرّج منها طبيب عيون.
هذه فقط بعض الأمثلة على ثمار الكرم والتضامن والعرفان بالجميل، لعلّها تُذكّر القارئ بغيرها.
ولأن ثمار الوفاء عندي أطيب من سواها، فلا بدّ من الإشارة إلى بعض رموزها ممّن أوقفوا عرقهم وأنفاسهم على فريق دون غيره، كباريزي، مالديني، بويول، غيغز، تشابي، سكولز، وتوتي…
أمّا الواقعة الأشهر، فهي حين جرى إنزال يوفنتوس إلى الدرجة الثانية كإجراء عقابي، فوجدت السيدة العجوز نفسها في محنة حقيقية، إذ غادرها معظمهم. ساعتها تجلّى القائد الأبدي وطاقمه النبيل، فلم يغادروا السفينة قبل أن تغرق، بل دفعوا شراعها بأنفاسهم حتى برّ الأمان، فتخلّدت أسماؤهم في اسم واحد: الأوفياء الخمسة، وهم دل بيرو، بوفون، نيدفيد، تريزيغي، وكامورانيزي.
ولأنّ للعظيم دل بيرو مكانةً خاصّة في نفسي، فلن أغادر السفينة دون تحية تقدير للقائد. فهو عندي، إذ لم يحصل على الكرة الذهبية، تمامًا مثل عظماء الكتّاب الذين لم ينالوا جائزة نوبل. لكن، حسبه أن خلّده الإيطاليون بعبارة دونها كلّ النفائس: “مهما اِهتزّت الأسِرّةُ ليلًا، فلن تنجب إيطاليا مثل دل بيرو”.
(مؤامرات)
في كرة القدم، يصعب حصْرُ أنواع المؤامرات، فأحرى تحديد عددها، إذ إنّ في أعراسها أقراصًا لغير رهط من أَرْهُطها، من لاعبين ومُستشهرين، ووكلاء ومراهنين، ومسيّرين وسياسيين، وسواهم ممّن لا يهمّهم نجاح الحفل بقدر ما يهمّهم نصيبهم من كعكته. لذلك فهي تُحاك في مستودعات الملابس كما في المقاهي والهواتف والسهرات والمكاتب المهيبة.
لكأنّ الملعب طروادة خضراء.
لكأنّ الكرة من جلد ذلك الحصان.
ولعلّ التمثيل لإحداها، لإحدى المؤامرات، أن يذكّر بفصيلتها.
ولنبدأ بالأشدّ مضاضة، تلك التي يُدبّرها قسمٌ من اللّاعبين لأحد زملائهم، فلا يُمرِّرون إليه مهما سنح ومهما برح، كيلا تترسّخ مكانته في الملعب، وإذا فعلوا، فحين يكون بين مدافعين، عسى أن يبوء بكسر أو ينوء بقطع، فيمسي خارج الخدمة لفائدة زميل أقرب هوًى. والمثال الأحدث والأبرز هو ما كان يتعرّض له أشرف حكيمي في باريس سان جيرمان من طرف عظماء الأرجنتين والبرازيل، من خلال الثلاثي ميسي ودي ماريا ونيمار، حتى إذا غادروا الفريق، أمسى ضحيتُهم السابق من ألمع نجومه، وأكثرهم حسمًا للألقاب، إذ في غيابهم فاز مع الفريق بعصبة الأبطال مرّتين حتى الآن. وللمصادفة البديعة، وصفه مدرِّبُه إنريكي، لمجهوداته الخارقة في الملعب، بأنّه يساوي ثلاثة لاعبين.
ولا تَقِلُّ مضاضةً عن هذه تلكَ التي يدبّرها، ضدّ فريقه، هذا اللّاعب مع الخصم، أو ذاك مع مكاتب الرهانْ، حتى إذا انكشفت، وهي غالبًا ما تفعل، سار بذكرها الخرسانْ.
وثمة مؤامرات يدبّرها فريقان بالاتفاق المسبق على نتيجة تُطوِّح بفريق ثالث خارج المسابقة. ولعلّ أشهرها ما بات يُعرف ب “فضيحة خيخون”، نسبة إلى المدينة التي شهدتها. ففي مونديال 82 كان منتخب الجزائر، بأفضل نسخة منه حتى الآن، على موعد مع منتخب ألمانيا الغربية، الذي أبدى بعض عناصره غطرسة مقيتة. فمنهم مَن توعّد، قبل المباراة، باللّعب ببدلته الرسمية، ومنهم مَن بسيجار في فمه، ومنهم مَن شطّ به الغرور حدّ إهداء الهدف السابع للزوجات والهدف الثامن للكلاب… فكانوا بذلك كمن يبيع جلد الدبّ قبل سلخ ثعلب الصحراء، إذ في يوم الامتحانْ، انتصر الجزائريون وانهزم الألمانْ.
بلّومي والذين معه، وبعد أن انهزموا في مباراتهم الثانية ضدّ النمسا، عادوا إلى الانتصار على التشيلي وتصدّروا المجموعة، فما كان من ألمانيا والنمسا إلّا أن اتّفقا على النتيجة التي تسمح لهما باقتسام الصَّدارة مع الجزائر والتفوّق عليها معًا في النسبة العامة. وبذلك، فّوتوا عليها أن تكون أول بلد عربي وإفريقي يمرّ إلى الدور الثاني من كأس العالم، هي التي كانت، بتينك الصفتين، أول بلد يفوز على منتخب أوروبي وبلد لاتيني في نفس الدورة، ليخرج من المنافسة مرفوع الأنف.
نفس السيناريو، مع اختلافات طفيفة في الإخراج، تكرّر مع البرازيل والنرويج ضدّ المغرب في مونديال 98.
ولأنّ لكلّ شَمالٍ شمالًا، فإيطاليا، وهي قوّة كروية عظمى، تعرّضت في اليورو 2004 إلى ما يعرف بـ”مؤامرة البيسكوتو” التي دبّرتها ضدّها كلّ من السويد والدنمارك لإخراجها من المنافسة. ولعلّ اللّافتة التي ظهرت في المدرّجات وهي تحمل عبارة “انتصار دول الشمال” أن تنبّه إلى أنّ إيطاليا ليست سوى شَمالٍ بعض الشيء بالنسبة إلينا نحن الأفارقة، أمّا السويد والدنمارك فهما الشّمَال جِدًّا.
ولأنّ كرة القدم الآن ليس أكبر منها سوى الكرة الأرضية شخصيًّا، فالمؤامرات لم تعد مقتصرة على اللّاعبين والأندية والمنتخبات، بل تعدّت ذلك إلى انخراط الخرائط أيضًا، فقد يسخّر بعضُها أمواله وأجهزته لإفساد العرس في خريطة أخرى. وإذا كان لمثالٍ أن يُضرَب ضربًا مبرّحًا في هذا الباب، فهو ما حدث للمغرب في الكان 2025 من طرف بعض الدول العديقة، نسبة إلى الأعدقاء، وما كشف عنه من دور لكوكب الكرة من إشعاع.
ليست المؤامرات مدفوعة الثمن سوى جزء من فساد رياضي عام، يشمل الحكّام والمسيّرين والوكلاء ومكاتب المراهنات ورؤساء الأندية والاتحادات والمستشهرين وحقوق البث… فهو يجمع غسيل الأموال إلى تضخيم الفواتير ودفع الرشاوى وشراء الحكّام وتوجيه القرعة وتهريب الرّساميل وسوى ذلك من القذارات. ولعلّ الأسماء التي ارتبطت به أن تفضح إلى أيّ حدّ هو مُستشرٍ، إذ يكفي أن نذكر، على سبيل الحصر والحسرة معًا، بلاتيني وجوفنتوس وميلان وبلاتر ومارسيليا وساندو روسيل وبنفيكا وبرنار تابّي وجواو هافيلانج.
وأخيرًا، إذا زهقت الروح الرياضية، وهي غالبًا ما تفعل بالسكتة الأخلاقية، فإنّ اللّعبة تنفق طبعًا. لذلك، فالكثير من المباريات، على جمالها الفاسد حيّةً، إنّما هي الآن عبارة عن جِيَفٍ في مطرح التاريخ.
المغرب لن يفوز بكأس العالم لإعتبارات أولا سياسية هناك ملف الصحراء المغربية كورقة ضغط اي فريق نواجهه في ربع او نصف او نهاية
ثانيا هناك اعتبارات الفيفا هي من تمنح الكأس العالم
إذا اردتم قادة الأخلاق في هذه اللعبة فاليكم هذه القصة التي وقعت في إسبانيا :
عندما انتهى عقد إيجار الأرض التي يقع عليها مصلى مؤقت للمسلمين في إشبيلية، وقررت شركة العقارات المالكة للأرض بيعها، مما كان سيعني إخلاء المكان وهدمه.
وعندما عندما علم النجم المالي المسلم فريدريك كانوتيه (الذي كان يلعب حينها لنادي إشبيلية الإسباني) بالوضع، تدخل فوراً.
و دفع كانوتيه حوالي 700 ألف دولار (ما يعادل 510 ألف يورو تقريباً) من ماله الخاص لشراء الأرض ومنع إغلاق المصلى.
لم يتوقف دوره عند ذلك؛ بل قاد لاحقاً حملات تبرع ناجحة نجحت في جمع أكثر من مليون دولار لبناء مسجد ومجمع ثقافي دائم ومستدام للمسلمين في مدينة إشبيلية.
سلمت انامل الاستاذ سرحان التي سطرت هذه الكلمات في هذه السلسلة العميقة التي تزين متابعتنا لما تيسر من هذا المونديال.
بما ان الكرة لعب ولهو وزينة وتفاخر وتكاثر في الاموال والجماهير، فلا غرابة ان تكون الاخلاق الميزان الذي يكشف معدن الناس فيها. الاهداف والالقاب تملأ الخزائن، لكن المروءة تملأ الذاكرة. وبين من يغش ويخادع ويستقوي على خصمه، ومن يمد يده لمحتاج او يبقى وفيا لناديه ساعة الشدة، يتجلى الوجه الحقيقي للعبة. لذلك لم يكن اللعب النظيف مجرد قانون، بل اعترافا ضمنيا بان النفس البشرية تحمل معها الى الملعب كل ما فيها من خير وشر. وحين تنتصر الاخلاق تسمو اللعبة فهي كالاولاد/الجماهير زينة وفتنة، وحين تنهزم تتحول المباريات مهما بلغت روعتها الى فرجة فاقدة للروح.
رياضة فقدت كل نبلها و عنفوانها و أصالتها و روحها الرياضية الجميلة فاصبحت عبارة عن كازينو كبير يريد الجميع أن يستخرج منه أرباحا سواء المادية الصرفة او الإعتبارية ، هذه الرياضة أصبحت سوقا بل مزادا يتم فيه تثمين اللاعبين و كأنهم عبارة عن أوراق مساهمات مالية و الأمر هو كذلك لأن كل عملية انتقال التي اصبحت تسمى بالميركاتو هي تذر على أكثر من طرف نسبا ماءوية متفق عليها مسبقا فاللاعب المعني قد يجد نفسه لا يحصل سوى على نسبة قد تماثل أو تقل على ما يحصل عليه المكلفون بالتدبير و الأطراف المتدخلة في توقيع عقد الإنتقال ،أما النقل التلفزي فحدث و لا حرج لقد أصبح من الماضي أن تحصل على مشاهدة مباريات من بطولات أو دوريات مهمة فقط علىىشاشة منزلك كما كان عليه الأمر إلى حدود اواخر التسعينات حيث كانت الأسرة و دون تكاليف إضافية من إشتراك و اقتناء أدوات التقاط و ترميز تستطيع متابعة مباريات ذات أهمية عالمية و في داخل البيت الأسري ،أما الآن فأصبح ذلك من إختصاص المكان العمومي من مقاهي و غيرها ، كما أن التحكيم المغشوش و العبث بنتاءج المباريات إما لأسباب سياسية أو لإرضاء منطق شركات الألعاب لا زال يسيء لهذه الرياضة
من المفيد قراءة المقال قبل التعليق عليه، فقصة عمر كانوتي التي يوردها مواطن من هذا الوطن في تعليقه هي أول ما بدأ به الكاتب موضوع الأخلاق،،، مرة أخرى القراءة ثم القراءة ثم القراءة فالتعليق
الجزائر لديها فرصة لرد الدين بالانتصار على النمسا وإخراجها من المسابقة دون مؤامرة مع أحد،فطبق الانتقام يؤكل باردا، ومؤامرة خيخون لن يرد عليها سوى أبناء من تعرضوا إليها، بلومي ومادجر وعصاد وبنالشيخ
انا سردت قصة اللاعب المالي بالتفصيل بعد أن قرأت ان الكاتب اختصرها ولم يسرد فيها بالتفصيل