تأهيل المدن بين عجز النخب السياسية وفاعلية المخزن

تأهيل المدن بين عجز النخب السياسية وفاعلية المخزن
السبت 28 شتنبر 2013 - 14:49

تعيش مجموعة من المدن المغربية، حالة من الشلل والعجز في المسارات التنموية، وذلك بسبب التشرذم الذي أصاب النخب السياسية المسيرة، إثر التحكم السلطوي في الانتخابات الجماعية الأخيرة، ولعل من بين المدن الكبرى التي تعرف هذه الحالة، نجد مدن الدار البيضاء وطنجة والرباط وسلا وغيرهما، وقد كان من مستتبعات هذه النتيجة، أن تمكنت السلطة الوصية من ملء الفراغ، وإقدامها على مجموعة من المشاريع المهيكلة للمدن، والتي تهم تحسين البنيات التحتية، وأخرى تشمل خدمات القرب والتي تمس المواطن بشكل كبير.

وفي هذا السياق، بدأ يروج خطاب مفاده: أن الأحزاب السياسية ليست مؤهلة لإنجاز المشاريع التنموية، سواء منها ذات الطبيعة الإستراتيجية، أو حتى ذات الطبيعة الآنية والقريبة من احتياجات السكان. ومن خلال هذه الفكرة، طرح السؤال المحرق: لماذا نجري انتخابات دورية وننفق عليها أموال طائلة، وتكون النتيجة، هي الأصفار؟ بل أكثر من ذلك، تصبح المجالس والمسؤوليات مغانم أكثر منها مغارم. هذه النتيجة جد خطيرة وتضرب في العمق المسلسل الديمقراطي، وتنسف كل الشعارات التي يروجها لها البعض حول مفاهيم الشراكة والديمقراطية التشاركية وهلم جرا من المصطلحات والمقولات الرنانة.

لعل مناسبة هذا التحليل المتواضع، هو مشروع تأهيل مدينة طنجة، لتصبح “ميتروبولا جديدا” في منطقة الشمال، وقد كان لافتا أن يلقي السيد والي جهة طنجة-تطوان عرضا مفصلا حول أهم الانجازات التي تحققت في المدينة، وكذا أهم التحديات التي تواجهها، وأخيرا الخطوط العريضة للنهوض بالمدينة. ومما تجدر الإشارة إليه في هذا العرض، أنه تضمن مقاربة شمولية تستحضر كافة الأبعاد: سواء منها الإشكالية الطرقية أو الاقتصادية أو الاجتماعية وحتى الثقافية/ الدينية. ويجب أن نقر أن هذا التوجه، بدأ يتماهى مع توصيات العديد من المؤسسات الدستورية وعلى رأسها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والذي تحدث في تقريره الأخير عن نموذج تنموي شمولي وفيه التقائية كل القطاعات، ويستحضر البعد الثقافي لما له من أهمية في تحقيق التنمية، “إذ لا تنمية بدون تنمية ثقافية”.

طبعا لا يمكن إلا أن نثمن هذه المقاربة، خصوصا في ظل الاكرهات الحقيقية التي تعاني منها جل مدننا المغربية، وعلى رأسها مدينة طنجة، التي عرفت توسعا عمرانيا غير معقلن طوال السنوات الأخيرة، وقد تحولت المدينة، إلى ورش للبناء، حيث بين كل ورش ووش هناك ورش، مما أفقد المدينة جماليتها ورونقها الأخاذ، اللذين كانت تتمتع بهما. هذا ناهيك على الإشكالية الكبرى وهي التنقل في المدينة، حيث لم تؤهل المدينة لاستقبال الأعداد الكثيرة من السكان، والمهاجرين الداخليين، حتى أن المدينة ضاقت بهم ضرعا، وأصبح التنقل الحضري شبه جحيم يومي يكتوي بناره المواطنون. وينضاف إلى كل هذه الإشكاليات، انتعاش كل من العصابات الإجرامية والحركات الجهادية في هوامش المدينة، وخصوصا في حي “بني مكادة” الذي أعطيت منه الانطلاقة لهذا المشروع التأهيلي.

بيد أن هذه المقاربة، وبغض النظر عن ايجابياتها، فإنها تؤشر على توجه جديد/ قديم، مفاده: أن التنمية ممكنة بدون مسار ديمقراطي، وأن المواطن لا حاجة له بعد اليوم بالانتخابات والعمل السياسي، مادام أن مصالحه ومصالح مدينته مرهونة بيد السلطة. ولعل في طيات هذه الخلفية، حق أريد به باطل، كيف ذلك؟

كل المتتبيعن لعملية تشكيل مجالس المدن عقب إجراء الانتخابات الجماعية، لسنة 2009، لا حظوا كيف وقع تدخل قسري ومفضوح في هذه العملية، من طرف أحد الأحزاب التي رأت النور عيشة الانتخابات، وقد أعادنا ذلك الحدث إلى سنوات السبعينيات والثمانينيات عندما كانت الأحزاب تولد عشية الانتخابات وتفوز بالمراتب الأولى. وقد كانت السلطة وتحديدا وزارة الداخلية في عهد البصري، هي المسؤولة عن هذا الوضع، ولم يختلف الأمر في ظل ما سمي بالعهد الجديد للسلطة. ولهذا نحن نتساءل: إذا كانت السلطة تظهر أنها مع التنمية ومع الشعب، فلماذا كانت تتدخل في العملية الانتخابية، وتنحاز لطرف دون آخر؟ ولماذا لا تترك الفرصة للمسار الديمقراطي أن يبلغ مداه؟ أليس في الديمقراطية كل الخير؟ أم أن الديمقراطية في المغرب هي ديموحرامية كما سماها ذات مرة مفكر المغرب الكبير “المهدي المنجرى” شفاه الله وأطال في عمره؟

إن هذا المسار الآنف، يظهر الخلفيات التي كانت مضمرة في دهاليز السلطة العميقة، وهي أنها كانت لا تريد أن يحقق حزب من الأحزاب نجاحا في التجربة الجماعية، لأن ذلك، سيكون قنطرة للوصول إلى سدة الحكم، وهناك نستحضر التجربة التركية، التي انطلقت مع حزب العدالة والتنمية في تسيير مدينة إستانبول، وكيف استطاع “أردوغان” وحزبه أن يحدث نقلة نوعية في هذه المدينة التي كانت غارقة في الأزبال والبطالة و في تهميش خطير لمعالمها التاريخية، وقد استطاع هذا الحزب أن يجعلها “ميتروبول” ينافس الميتروبلات الأوربية.

إننا نعتقد أن التنمية الحقيقية، هي فعل ينطلق من الشعب ويعود إليه، وأن المسار الحقيقي للديمقراطية يقتضي أن يكون هناك تنافس مشروع بين الأحزاب في خدمة التنمية، وتأهيل المدن أو القرى، وفق برامج واضحة ومعقولة وذات رصيد شعبي، يتحمل فيه الكل مسؤولياته، وفي نهاية المطاف، يتم محاسبة هذا الحزب أو ذاك في صناديق الاقتراع، فهي الحكم الأول والأخير.

وانطلاقا من هذا المعطى، فإنه ليس من مصلحة البلد ولا التجربة المغربية الديمقراطية الوليدة، أن تقحم السلطة فيما هو تنموي، فالسلطة، يجب أن تكون لحماية الأمن والنظام العام سواء في مدننا أو في قرانا. قد يطرح السؤال: ألا يمكن أن تكون كل من السلطة والأحزاب في خدمة التنمية؟ لماذا تفترض سوء النية؟ لا حاجة للتذكير بأن إقحام السلطة فيما هو تنموي يترتب عنه مسألة المحاسبة والشفافية في تصريف الأموال، فالوالي لا يحاسب من طرف الشعب، ولا يمكن أن يكون موضع مساءلة من طرف البرلمان، بينما العكس صحيح، فالأحزاب السياسية هي مسؤولة أمام الشعب( على الأقل يمكن عدم التصويت عليها في الانتخابات) وأمام البرلمان وحتى أمام السلطة، وبالتالي، فالمسألة مبدئية وليست تقنية وبراغماتية.

في هذا الصدد كنا قد اقترحنا أن يتم إعادة النظر في وظائف وزارة الداخلية –حتى لا تستمر في تغولها اللامعقول-، إبان التعديلات الجوهرية التي مست الدستور المغربي، لكن واقع الحال، وطبيعة “هابيتوس” السلطة في المغرب، تتأبى عن كل تجديد، وترفض قص أجنحتها، لتستمر في عادتها القديمة، فمتى يتم تحقيق الفرز الحقيقي بين تدخلات كل من السلطة والأحزاب السياسية- بما يحقق التنمية المطلوبة؟ وهل هذا الفرز يمكن أن يحصل مع تنزيل مقتضيات الجهوية الموسعة؟ أم أن السلطة في المغرب عصية عن كل تغيير؟

‫تعليقات الزوار

6
  • mouhajir
    السبت 28 شتنبر 2013 - 16:35

    ما فيا العقار كان لها نصيب اكبر في استغلال الاراضي لصالحها لقد اصبحت مدننا لها وجوه قبيحة وعبارة عن صناديق تعلب البشر لا وجود لمتنفسات ولا مساحات خضراء تكاد تخنق في بعض مدننا .
    هل المدينة التي لا تحتوي على مراحيض تسمى مدينة .تخيلوا معي ان سائحا اتى رالى مدننا واراد ان يقضي حاجته مادا سيفعل,نحن نهرول الى اقرب مقهى اما السائح لا يذهب الى المقهى .
    صراحة كثير من المسؤولين المنتخبين ليست لهم ثقافة المدينة لان اغلبهم اصحاب الشكارة .

  • المستقل
    السبت 28 شتنبر 2013 - 21:59

    الاحزاب عندنا ببساطة لا يهمها الا الاغتناء و المناصب و لذلك لا يرجى منها خير. انهم يستغلون كلام الديموقراطية للوصول الى المناصب ثم يتناحرون فيما بينهم عمن يستولي على كعكة التسيير
    اما المخزن فهو يتصرف من باب ان المغرب ضيعته و من تم فهو يعتني بها و بنا ليس لاننا مواطنين بل لاننا نحن ايضا من جملة ممتلكات المخزن
    اما المواطن المسكين فهو بين نارين نار الاحزاب المنافقة بدون استثناء و المتعطشة لملئ الجيوب و بين نار المخزن الذي يعتبر البلد ضيعته التي كيفما كان الحال عليه ان يعتني بها
    ربما الخيار الثاني هو الارحم فكما قال مونتيسكيو افضل ان اطيع اسدا ولد و هو اقوى مني بكثير على ان اطيع مائة جرذ من بني جنسي

  • م. المستاري
    السبت 28 شتنبر 2013 - 23:36

    عزيزي الغالي السي رشيد جرموني

    مميز كعادتك، لذلك فلن أخفيك أني قرأت نص مقال هذا كلمة كلمة بكل حب وإعجاب…. دمت مبدعا

    م. المستاري

  • mohamed111
    الأحد 29 شتنبر 2013 - 00:11

    تصوروا ان حزبا سياسيا او ائتلافا حزبيا تقدم بمشروع كالذي قدم لمدينة طنجة هل كان سيلقى نفس العناية والترحيب ومساهمة جميع القطاعات لا والف لا والسبب واضح افشال النخب والتركيز على النماذج السيئة حتى لاتقوم للديمقراطية اية قائمة والسؤال المطروح هل استشير سكان طنجة حول هذا المخطط .ام هي التكنوقراطية تعطيك بنايات وتجهيزات بعيدة عن عقليات ومتطلبات الفئات المستهدفة لانها ببساطة انتاجات عقليات تعيش الاغتراب داخل اوطانها .الديمقراطية سبيل وحيد واوحد للحل.

  • طنجي
    الأحد 29 شتنبر 2013 - 03:35

    تحليل موفق يطرح أسئلة في الصميم, وأنا بدوري أتساءل هل يمكن لهذه النخب السياسية والحزبية (المنتخبة) أن تطرح هكذا مشاريع ويسمح لها بتنفيذها ؟ وماذا لو كانت هذه المبادرات الملكية تعتريها أخطاء أو لم يحسن تنفيذها هل يملك أحد إمكانية المساءلة أو المحاسبة؟؟؟ في نضري هذه النخب تدرك جيدا أنها ليس لها من الأمر شيء و إنما هم هناك من أجل مصالحهم الشخصية أو الفؤوية ورضو بأن يؤتثو المشهد السياسي وكأننا في دولة ديمقراطية فيها انتخابات ودستور وبرلمان…هؤلاء في نضري يمارسون الاسترزاق السياسي ليس إلا.
    لن أشارك في أي انتخابات ما لم يكن هناك دستور يمنح سلطة التشريع والتنفيذ للمنتخب ويمنحني إمكانية محاسبته على الأقل بعدم التصويت عليه في المرة الموالية. آنذاك سنكتشف أن بين المغاربة من هو قادر على اقتراح المشاريع الكبرى وتنفيذها مثل آردوغان وربما أفضل منه, بدل فرض الأمور من أعلى كأن المجتمع قاصر.

  • بالفقيه محمد
    الأحد 29 شتنبر 2013 - 13:10

    إن الإصلاح بالمغرب يستلزم بالضرورة تبني نظام انتخابي يقطع مع حالة البلقنة السياسية و يؤدي إلى إفراز نخب سياسية على أساس الكفاءة و الاستحقاق، مع ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة.

صوت وصورة
حملة أبوزعيتر في المغرب العميق
الخميس 14 يناير 2021 - 21:50 13

حملة أبوزعيتر في المغرب العميق

صوت وصورة
سائقة طاكسي في تطوان
الخميس 14 يناير 2021 - 20:12 4

سائقة طاكسي في تطوان

صوت وصورة
كشف كورونا في المدارس
الخميس 14 يناير 2021 - 16:30

كشف كورونا في المدارس

صوت وصورة
الثلوج تضاعف العزلة بالجبال
الخميس 14 يناير 2021 - 13:58 13

الثلوج تضاعف العزلة بالجبال

صوت وصورة
خسائر الفيضان وصندوق الكوارث
الخميس 14 يناير 2021 - 11:59 5

خسائر الفيضان وصندوق الكوارث

صوت وصورة
حملة على الباعة المتجولين بمراكش
الخميس 14 يناير 2021 - 10:23 26

حملة على الباعة المتجولين بمراكش