تحولات النخب المغربية..

تحولات النخب المغربية..
الأربعاء 28 يناير 2026 - 14:48

بين تآكل المعايير والحاجة إلى التجديد

لا خلاف في أنّ الاهتمام بسؤال النخب يكتسي أهمية بالغة في كل المجتمعات. ولسنا هنا بصدد استحضار التصورات الكلاسيكية التي قدمها مفكرون كبار حول موضوع النخب امثال فيلفريدو باريتو، وغايتانو موسكا وروبرت ميشيلز وغيرهم ممن قدموا اسهامات فكرية مرجعية، بقدر ما نروم تسليط الضوء على وضعية النخب في المغرب على وجه الخصوص، حيث تحظى باهتمام واسع باعتبارها قاطرة الإصلاح والتغيير في السياقات الانتقالية.

فالنخب هي القوة الدافعة لعجلة التقدّم داخل المجتمعات، بما تمتلكه من حس استشرافي في مجال التفكير الاستراتيجي وصناعة القرار، وبما تتحلّى به من مسؤولية أخلاقية حين تتولى مهام التدبير، ملتزمة بقيم الحكامة والنزاهة والشفافية، فضلًا عن حسّها الوطني في الدفاع عن القضايا العادلة والمشروعة للبلاد عبر تقديم التضحيات ونكران الذات.

ومن هذا المنطلق، تتجلى أهمية النخب في كون تجارب التغيير السياسي وديناميات الانتقال الديمقراطي عبر العالم قد ارتبطت، في الغالب، بدور محوري لعبته النخب بمختلف أشكالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية والأمنية، سواء في إنتاج الأفكار واقتراح البدائل، أو في الدفاع عن مشاريع الإصلاح والتحديث، باعتبارها صمام أمان وضامنًا لاستمرارية هذه المشاريع.

ويُقبل المغرب اليوم على تحديات كبرى في مجالات الاقتصاد والدبلوماسية والسياسة والمجتمع والإعلام، أي في مختلف مناحي الحياة، وذلك في أفق تعزيز الديناميات التنموية والديمقراطية التي تعرفها البلاد كدولة صاعدة، تسعى إلى الانخراط بوتيرة سريعة وواثقة في مسار التحديث، في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة تنذر ببدايات تشكل نظام دولي جديد.

ومن الواضح أن المغرب أقدم خلال العقد الأخير على تجديد عقيدته السياسية، خاصة في مجال السياسة الخارجية، حين شدد على ضرورة التعامل الجاد معه من خلال احترام سيادته وخصوصيته وقضاياه الاستراتيجية، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية التي دخلت منعطفًا جديدًا، وأضحت بمثابة “النظارة” التي يُنظر من خلالها إلى طبيعة العلاقات مع الآخر. كما شدد داخليا على عدم التسامح مع الفساد والمفسدين، عبر سن قوانين وتشريعات تُضيّق الخناق على من استغلوا مواقعهم لخدمة مصالحهم الخاصة وأجنداتهم الشخصية، أي على بعض “النخب المفترسة” التي لا يهمّها سوى مصلحتها الضيقة.

ويأتي في السياق ذاته تشديد المشرّع على ضبط العملية الانتخابية من خلال تعديل مدونة الانتخابات للحد من التلاعبات التي جعلت من هذا المجال مرتعا للمال الفاسد واستغلال إمكانيات المؤسسات والهشاشة الاجتماعية والفقر، وافرزت لنا ممثلين عن الأمة بعضهم اليوم متابع في قضايا الفساد.

غير أن الواقع يبيّن أن المعايير المعتمدة في تشكيل النخب لا تزال محلّ جدل واسع. فهل ما تزال هذه المعايير صالحة في ظل بروز جيل جديد من التحديات؟ وهو السؤال الذي سبق أن أثاره جلالة الملك محمد السادس، حين لم يكتفِ بالتشخيص، بل صرّح بوضوح بأن “المغرب يسير بسرعتين”، موجّها نقدا ضمنيا لبعض النخب التي تتولى تدبير الشأن العام، ويستحضر هذا النقاش التساؤل الذي طرحه بشأن الثروة الوطنية: أين تنتج، وكيف توزع، وأين تذهب؟… كما اعتبر أن تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية في المغرب يقتضي تعبئة شاملة للطاقات، وتغييرا عميقا في العقليات وأساليب العمل، قائمًا على ثقافة النتائج، والمعطيات الميدانية الدقيقة، والتوظيف الذكي للتكنولوجيا الرقمية.

لا شك أن ورش إعادة إنتاج النخب يعدّ اليوم من الأوراش الاستراتيجية الكبرى، خاصة في ظل التخصصات الجديدة التي تُشرف عليها مؤسسات جامعية رائدة. إذ ينبغي أن تعرف آليات إنتاج النخب مراجعة عميقة في قواعدها الأساسية، فلا يُعقل إسناد المسؤوليات خارج نطاق الاختصاص، ولا أن تستمر فئة محدودة في التناوب على المناصب نفسها دون تداول حقيقي للنخب، وكأن البلاد أصبحت عاجزة عن إنتاج كفاءات جديدة، كما لا يمكن بقاء البعض في مواقع المسؤولية، رغم تواضع مردوديتهم، مما يطرح أكثر من علامة استفهام حول معايير التقييم والمحاسبة.فاستمرار بعض المسؤولين في مناصبهم لسنوات، رغم ضعف المردودية، يتنافى مع مبادئ الحكامة والنجاعة المؤسساتية.

ولهذا، فإن الولوج إلى النخبة لا ينبغي أن يظل كذلك مرتبطا بالإرث والسلطة والمحسوبية والزبونية، بل يجب أن يقوم على معايير الكفاءة والإنتاجية والفعالية والاجتهاد، وعلى مفهوم جديد للحس الوطني قائم على امتلاك ثقافة الإصلاح والتغيير، لا على التهليل بالشعارات الفارغة.

فالمغرب الصاعد، المُقبل على تحولات كبرى، في حاجة إلى جيل جديد من النخب القادرة على إنتاج المشاريع الكبرى، والتأثير في الرأي العام، وصناعة المستقبل، بدل نخب البعض منهم غارق في التلاعب والفساد، تتفنن في التحايل على القانون ولا تجتهد إلا في توظيف مواقعها لخدمة مصالحها الشخصية.

كما أننا نعيش اليوم في ظل جيل جديد متشبع بثقافة رقمية حديثة، يمكن وصفه بـ“الجيل السائل”، على شاكلة “الديمقراطية السائلة” التي تغزو بعض الاقطار في أوروبا ، وهو ما تجسد في احتجاجات شباب “جيل زد”، الذين رفعوا مطالب اجتماعية موضوعية تتعلق بالصحة والتعليم ومحاربة الفساد، وعبروا عنها بشكل سلمي وحضاري، في مشاهد أثارت إعجاب الرأي العام الدولي.

في الختام، اعتقد انه لم يعد موضوع تجديد النخب ترفا فكريا ولا خيارا مؤجلا، بل أضحى ضرورة استراتيجية لضمان نجاح مسار الإصلاح والتنمية والديمقراطية. فالتحديات الراهنة تفرض الانتقال من منطق الامتياز والولاءات الضيقة إلى منطق الاستحقاق والكفاءة والمسؤولية. كما أن صعود جيل شبابي جديد، متشبع بثقافة رقمية وقيم المشاركة والشفافية والمحاسبة، يشكل فرصة تاريخية لإعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة عبر نخب قادرة على الإنصات، والابتكار، وصناعة الأمل. فالمغرب الصاعد لا يحتاج إلى نخب تستهلك الخطاب، بل إلى نخب تصنع الفعل وتجسّد روح التغيير.

-باحث جامعي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • MC
    الخميس 29 يناير 2026 - 09:33

    “Le peuple n’a pas d’oreilles, il n’a que des yeux”
    “الشعب ليس له آذان، بل له عيون فقط.”
    (تذكير للنخب بأن أفعالها ونتائجها هي ما يهم، وليس خطاباتها. يتوافق مع “ثقافة النتائج” في المقال)
    J Michelet

    “A politician thinks of the next election. A statesman, of the next generation”
    “السياسي يفكر في الانتخابات القادمة. أما الرجل الدولة، فيفكر في الجيل القادم.”
    James Clarke

    “Dans les démocraties, chaque génération est un peuple nouveau”
    “في الديمقراطيات، كل جيل هو شعب جديد.”
    A Tocqueville

    “النخب التي تبني أعمدة الوطن هي تلك التي تُصلح نفسها قبل أن تُصلح المؤسسات”.

    أستاذي،
    تحليلك دقيق وشجاع، ويسلط الضوء على معضلة جوهرية. وفي رأيي، أنت محق في أنّ التحدي لا يكمن فقط في إنتاج نخب جديدة، بل في تفكيك الآليات القديمة التي تنتج “النخب المفترسة” وتُكرّس التداول المغلق. جيل اليوم، بتقنياته وقيمه، لا يطلب مقعداً على الطاولة فحسب، بل يريد إعادة تصميم الطاولة نفسها وقواعد اللعبة. إنّ تجديد النخب هو في الأساس اختبار لقدرة النظام السياسي على التجدد الذاتي والاستماع إلى نبض الشارع.

    ALHOCEIMA

  • مجرد رااي
    الخميس 29 يناير 2026 - 10:01

    العشى الزين تشم ريحته من العصر.
    بعد خمس سنوات الاخيرةمن التشريعات الموجهة “لنخبة”الاعيان والاولكارشية
    وتهميش المواطن البئيس وابناء وشباب المغاربة
    لا تستطيع ان نرى نسقا او ثقافة او اتجاها فعليا ايجابي للتحول في “النخبة”
    تعددت الوان الطلاء وانواع البخور لكن رائحة التحلل والتعفن باقية
    الهوةبين “النخبة” التي لا تنتج،او لنقل هي عبء اخر يمتص دماء المغاربة
    والسلطة وسائر”سكان المغرب”و ليس …”المواطنين” سائرة في الاتساع.
    اذا لم تستطع السلطة طيلة عقود ان تظمن صعود نخبة وطنية ونزيهة
    فكيف ستفعل ذالك الان؟
    ثم لا تسمح لاحد بالتشكيك في الانتخابات؟
    منطق عجيب غريب
    الشرعية تبنى بالتمكين الاقتصادي والاجتماعي والسياسي،بالتخطيط والمسائلة
    نخبنا مستكينة ومدجنة ولا تملك عمودا فقريا
    نخبنا لا تعرف الكرامة والانسانية
    نخبنا ،نعم، تملك الافكار والكلمات والنصوص والخطابات الزاهية والرنانة
    لكنها لا تملك مشاريع واقعية
    نخبنا ذات حصيلة صفرية
    كلامنا هذا مكرر،كلام اخر تذهب به برودة و”غيس” ارض واقع لا يتغير.
    السلطة لا تابه بالتناقضات ولا يهمها “المواطن”
    السلطة تتبع منطق الضغط.هل النخبة تمارس ضغطا كافيا على السلطة؟

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15

الدار البيضاء تتضامن مع غزة