تحولات ملف نزاع الصحراء تفرض إعادة تقييم واقعية لمهام بعثة "المينورسو"

تحولات ملف نزاع الصحراء تفرض إعادة تقييم واقعية لمهام بعثة "المينورسو"
صورة: أرشيف
السبت 23 ماي 2026 - 10:00

في خضم الجدل المتصاعد حول مستقبل بعثة “المينورسو” أكد وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، أن عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة لا ينبغي أن تتحول إلى آليات دائمة أو بدائل عن الحلول السياسية، مشددا على ضرورة استناد هذه المهام إلى أهداف واقعية وقابلة للتحقيق، مع إخضاعها لتقييم منتظم يراعي تطورات الأوضاع الميدانية والسياسية.

وجاءت تصريحات بوريطة، خلال أشغال المؤتمر الوزاري الثاني حول عمليات حفظ السلام في الفضاء الفرانكفوني المنعقد بالرباط، في سياق النقاش الدولي الدائر حاليا بشأن فعالية بعض البعثات الأممية الممتدة لسنوات طويلة دون تحقيق اختراقات سياسية حاسمة، خاصة في مجال الدول الفرانكفونية، لافتا إلى أن “نجاح هذه العمليات يظل مرتبطا بقدرتها على مواكبة التحولات الجيوسياسية والأمنية، بعيدا عن تكريس منطق الجمود وإدامة الأزمات”.

وشدد وزير الخارجية المغربي على أن الأمم المتحدة مطالبة اليوم باعتماد مقاربات أكثر مرونة وواقعية، تقوم على تحديد تسميات وأولويات واضحة وقابلة للتنفيذ، بدل الاستمرار في تغذية “وعود غير قابلة للتحقق”، مشيرا إلى أن الحفاظ على الاستقرار لا يمكن أن ينفصل عن الدفع الجدي نحو تسويات سياسية مستدامة تحظى بقبول الأطراف المعنية.

وتأتي هذه التصريحات في ظل الحركية الدبلوماسية المتواصلة التي يشهدها ملف الصحراء، عقب اعتماد مجلس الأمن القرار 2797، الذي كرّس من جديد مقاربة الحل السياسي الواقعي والتوافقي، وسط تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب باعتبارها أساسا جديا وذا مصداقية لتسوية النزاع الإقليمي، كما تتزامن مع نقاشات جدية داخل الأوساط الدولية بشأن مستقبل بعض بعثات الأمم المتحدة وطبيعة الأدوار المنتظرة منها خلال المرحلة المقبلة.

سقف جديد

تعليقا على الموضوع قال محمد الغالي، أستاذ العلوم السياسية والحكامة الترابية بجامعة القاضي عياض، إن ملف الصحراء المغربية عرف خلال المرحلة الأخيرة تحولات مهمة، ولا سيما على مستوى الاعتراف المتزايد بمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها مبادرة جدية وواقعية وذات مصداقية، إضافة إلى مخرجات القرار الأممي 2797 الذي عزز هذا التوجه وجعل منه أرضية مركزية لأي حل سياسي بين الأطراف المعنية.

ويعزو المتحدث قوله إلى كون هذه التحولات أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مدى قدرة بعثة الأمم المتحدة في الصحراء على مواكبة السياق الجديد، بالنظر إلى أن مهامها الأصلية التي تأسست سنة 1991 كانت مرتبطة أساسا بمراقبة وقف إطلاق النار، والتنقيب عن الألغام، ودعم مسارات بناء الثقة، وتسهيل عمل المبعوث الشخصي للأمين العام.

وعرج محمد الغالي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، على أن التطورات السياسية الجارية تفرض إعادة تقييم وظيفة البعثة في ظل التحولات التي يعرفها مسار التسوية، خاصة مع وجود مفاوضات نشطة تهدف إلى تنزيل مضامين القرار الأممي وإيجاد صيغة اتفاق بين الأطراف المعنية، بما فيها المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو.

وفي السياق ذاته يرى أستاذ العلوم السياسية والحكامة الترابية أن استمرار العمل بالتصور التقليدي للبعثة لم يعد منسجما مع الواقع السياسي الجديد، خصوصا في ظل النقاش المتزايد حول الانتقال إلى مرحلة ترتكز على حل سياسي نهائي في إطار مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

كما يستدرك المحلل نفسه بأنه لا يمكن تصور هذه المرحلة الانتقالية إلا ضمن شروط واضحة تحترم مبدأ السيادة وتنسجم مع التوافق الدولي المتنامي حول واقعية المقترح المغربي، مع ضرورة تفادي أي مقاربة قد تعيد إنتاج منطق تدبير الوضع القائم بدل الحسم فيه.

وحسب المهتم بنزاع الصحراء فإن هذه المرحلة تقتضي إعادة ضبط طبيعة مهام البعثة الأممية بما يتلاءم مع التحولات الجارية، في أفق الإسهام في الانتقال نحو تسوية نهائية ومستقرة للنزاع.

وأجمل الغالي بقوله إن المرحلة المقبلة ينبغي أن تؤسس لبيئة إقليمية جديدة قائمة على الاستقرار والأمن والسلام، في إطار تنزيل مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق لتسوية هذا النزاع الإقليمي.

تكلس مؤسساتي

من جانبه سجل الفاعل السياسي دداي بيبوط أن منبر المؤتمر الوزاري الثاني لحفظ السلام بالفضاء الفرانكفوني المنعقد بالرباط حمل رسائل سياسية واضحة موجهة إلى الشركاء الدوليين وإلى منظومة الأمم المتحدة، في سياق نقاش متجدد حول أداء بعض بعثات حفظ السلام وطول أمدها.

وأوضح بيبوط ضمن إفادة لهسبريس أن التصريحات الصادرة عن وزير الشؤون الخارجية، ناصر بوريطة، تعكس مقاربة نقدية لعمل البعثات الأممية، ولا سيما تلك التي فقدت، بحسب تعبيره، قدرتها على مواكبة التحولات الجيوسياسية، مشيرا إلى أن الإشارة إلى خطر تحولها إلى “آليات دائمة” تعيد النقاش إلى جوهر فعالية منظومة حفظ السلام.

وأكد الباحث في الشؤون الصحراوية أن هذا الطرح يرتبط بإعادة تعريف دور البعثات الأممية في سياق دولي جديد، إذ أشار إلى ما يعتبره “تكلسا مؤسسيا” يطال عددا من هذه العمليات، بما يشمل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو)، التي يرى أنها تحولت مع مرور الزمن إلى إطار تدبيري للوضع القائم أكثر من كونها أداة لتسوية نهائية.

واسترسل المحلل السياسي ذاته بأن النقاش الحالي لا ينفصل عن التحولات التي يعرفها ملف الصحراء، خاصة في ظل تنامي دعم مقاربة الحكم الذاتي، وصدور القرار الأممي 2797، الذي يعد مؤشرا على ترسخ منطق الحل الواقعي والتوافقي داخل أروقة مجلس الأمن.

كما استحضر المصرح لهسبريس أن الدينامية الدبلوماسية الجارية، خصوصا تلك التي تقودها الولايات المتحدة عبر مسارات تفاوضية متعددة الأطراف، تعكس انتقالا تدريجيا نحو مقاربة أكثر براغماتية في تدبير هذا النزاع المفتعل، بعيدا عن الطروحات التقليدية غير القابلة للتطبيق.

ونبه المهتم بخبايا النزاع إلى أن استمرار اشتغال بعض البعثات الأممية وفق منطق التفويض المفتوح زمنيا، دون مراجعة جوهرية للمهام والأهداف والتسمية، قد يكرس حالة الجمود بدل الدفع نحو الحلول السياسية؛ وهو ما يجعل الدعوة إلى التقييم الدوري وإعادة ضبط الأولويات ذات راهنية متزايدة، واستدرك قائلا: “إن مقاربة إصلاح منظومة حفظ السلام، كما وردت في الخطاب المغربي، لا تقتصر على البعد المرتبط بملف الصحراء فقط، بل تندرج ضمن تصور أوسع لإعادة هيكلة فعالية التدخلات الأممية في مناطق النزاع، بما يضمن الانتقال من إدارة الأزمات إلى تسويتها”.

وخلص دداي بيبوط إلى أن الرسالة السياسية المتضمنة في هذا الخطاب تتجه نحو الدفع في اتجاه مراجعة تدريجية لأدوار البعثات الأممية، بما يجعلها أكثر ارتباطا بمرافقة الحلول السياسية بدل الاكتفاء بمراقبة الوضع القائم، في أفق توافق دولي مازال قيد التشكل حول طبيعة هذا التحول.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • يجب تقييم واقعية...
    السبت 23 ماي 2026 - 10:06

    مسالة وجود وليس حدود يجب الاستعداد لخوض حرب ضد الكيان المصطنع دويلة الجزاءر المفبركة لاستعادة جميع الاراضي المسروقة

  • ميمون
    السبت 23 ماي 2026 - 10:19

    قرارمجلس الأمن 2797 جاء كأرضية واقعية تعطي السيادة الكاملة للمغرب على جميع أقاليمه الجنوبية وكل تماطل أو تخاذل في تسريع تطبيقه يفتح الطريق للإبتزاز من طرف الدول الكبرى والأمل المفقود لحكام الجزائر في إطالة النزاع.

  • لا مينرسو ولا هم يحزنون
    السبت 23 ماي 2026 - 10:28

    فرنسا الاستعمارية نصبت عصابات عسكرية على راس دويلة مفبركة من اراضي مسروقة للمغرب ودول جوار اخرى
    والعصابة وجودها و بقاءها كسرطان في المنطقة مرتبط بجعل المغرب العدو الابدي والدليل اكثر من نصف قرن دون جدوى رغم الامم المتحدة والايادي الممدودة ووو ويبقى الخيار الوحيد هو المواجهة والحمد لله مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس

  • سعدون M
    السبت 23 ماي 2026 - 11:27

    وجود المينورسو ليس الا انهاك لجهود المغرب لانهاء مشكل الصحراء المغربية الى الأبد
    اذا لم تنهه الامم المتحدة وجود المينورسو وجب على المغرب إخراجه واعلان الحرب على البوليساريو واذا تدخلت الجزائر فهي الأخرى وجب حربها والا سيبقى مشكل الصحراء مفتوحا الى الأبد

  • منتهى الجمال
    السبت 23 ماي 2026 - 11:34

    51 سنة منذ بداية النزاع في الصحراء ، علينا إذا انتظار 49 سنة اخرى كي ينتهي ، أي قرن من الزمان.

  • ربيع
    السبت 23 ماي 2026 - 12:25

    امريكا استثمرت مؤخرا اكثر من خمس ملايير في الجزاءر ليصل حجم الاستثمارات الى 16مليار هل يعقل ان تضحي بهذه الاموال من اجل دعم المغرب في ملف الصحراء..هذا ما يخفيه اغلب السياسين….امريكا تبحث عن مصالحها وليس فقط جبر الخواطر

  • احمد العروبي
    السبت 23 ماي 2026 - 13:35

    أن الحفاظ على الاستقرار لا يمكن أن ينفصل عن الدفع الجدي نحو تسويات سياسية مستدامة تحظى بقبول الأطراف المعنية;:هدا كلام ناصر بوريطة شخصيا ،،حل يحظى بقبول الاطراف المعنية. وهدا ما ينطبق على النزاع في الصحراء قبول الاطراف المعنية هي المغرب والجزائر والبوليساريو كاطراف اساسية وموريتانيا كدلك لهدا من الصعب نهاية هدا المشكل وهدا السيناريو وسنظل نسمع مشاورات هناك مفاوضات هنا اجتماعات هناك وموائد مستديرة هنا وهكدا دواليك

  • khamnl
    السبت 23 ماي 2026 - 18:46

    المهم هو إيقاف هذه البعثة نهائيًا، لأن دورها قد انتهى. فما جدوى استمرارها سوى توفير الرواتب والعمل لعناصرها؟

    إذا انتهى دور هذه البعثة، فسينتهي تلقائيًا الدور الذي تراهن عليه الجزائر، لأن وجودها يمنحها ذريعة أو أملًا في مشروع تقسيم الصحراء الذي تروج له.

    فالجزائر، من وجهة نظر أصحاب هذا الرأي، تسعى إلى فرض نفوذها عبر جبهة البوليساريو، التي أُسِّست بدعم من معمر القذافي وهواري بومدين.

    كما أن الجزائر انشغلت بخيرات المغرب، وسيطرت على مناطق من الصحراء الشرقية وأراضٍ مغربية أخرى خلال فترة الاستعمار الفرنسي. وكان المغرب يعتقد أن استرجاع هذه الأراضي بعد استقلال الجزائر سيتم عبر الحوار والأخوة بين الشعبين، لكن النتيجة كانت خلاف ذلك.

    واليوم ما تزال الجزائر، بحسب هذا التصور، تراهن على تحقيق ما يراه كثيرون أمرًا مستحيلًا، وهو بسط نفوذها على مقدرات المغرب، من بحاره وجباله ومياهه الأطلسية، فضلًا عن شعبه الذي ينعم بالحرية ويعيش في ظروف أفضل مقارنة بالعديد من المناطق الأخ

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 2

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 2

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 2

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 4

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان

صوت وصورة
مغاربة ينتظرون الأفضل من الحكومة
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 15:34 8

مغاربة ينتظرون الأفضل من الحكومة