تحويل التكنولوجيا إلى قيمة

تحويل التكنولوجيا إلى قيمة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 22:23

من التوجيه الملكي إلى وزارة الذكاء الاصطناعي… أي طريق مغربي لتحويل التكنولوجيا إلى قيمة؟

لا يبدو تخصيص وزارة لـالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة في الهندسة الحكومية الجديدة مجرد إعادة ترتيب للحقائب، بقدر ما يعكس المكانة التي أصبحت تحتلها التكنولوجيا في مشروع التنمية، ويكتسب هذا الاختيار دلالته خصوصاً بعد الخطاب الملكي الأخير بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، الذي دعا فيه صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، ووضع ضمنها الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة إحداث الوزارة باعتباره بداية لترجمة مؤسساتية لهذا التوجيه، فالجمع بين الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة يحمل رسالة واضحة وهي انه لم يعد المطلوب مجرد رقمنة الخدمات والمساطر، بل إعادة التفكير في طرق العمل والتنظيم والبيانات واتخاذ القرار، وتحويل التكنولوجيا إلى قيمة اقتصادية واجتماعية وتنموية.

لذلك، فالسؤال الأساسي ليس كم منصة أو تطبيقا سنطلق، وإنما السؤال هو ماذا ستضيف هذه التكنولوجيا إلى الإنتاجية وجودة الخدمات والابتكار وفرص العمل والتنافسية؟ أي كيف ننتقل من امتلاك التكنولوجيا إلى قياس أثرها؟

وفي هذا السياق، تبرز وجاهة ما كنت قد وصفته في مقال سابق بـ «الطريق الثالث» في الذكاء الاصطناعي؛ أي مسار لا يقوم على محاولة استنساخ نماذج القوى التكنولوجية الكبرى والدخول في سباق مكلف لبناء النماذج الأضخم، ولا على الاكتفاء باستهلاك الحلول الجاهزة، وإنما على بناء قدرة وطنية على الاختيار والتكييف والتطوير وفق الحاجات والإمكانات والخصوصيات الوطنية.

وهو تصور يلتقي إلى حد بعيد مع النقاش الدولي حول ما يسمى بـ«الذكاء الاصطناعي الصغير»، خاصة بالنسبة للبلدان النامية؛ أي حلول عملية وميسورة، قابلة للتكييف مع الاحتياجات المحلية والبيئات واللغات والبنيات المختلفة. وهنا لا تقاس القيمة بحجم النموذج، بل بقدرته على حل المشكلات وخلق أثر ملموس.

بمعنى آخر، ليس الرهان أن نمتلك النموذج الأكبر، بل أن نعرف كيف نحول الذكاء الاصطناعي إلى أكبر قدر ممكن من القيمة.

لكن ذلك يتطلب أكثر من التقنيات، فهو يحتاج إلى بنية رقمية، وبيانات جيدة وقابلة للإستخدام، وبحث وابتكار وتمويل، وثقة رقمية وأمن سيبراني، ومع كل ذلك كفاءات بشرية قادرة على قيادة هذا التحول وتجسد الذكاء البشري والحس الإنساني.

وفي الحديث عن الرأسمال البشري، يمكن أن نبدأ من رأس القطاع نفسه. فاختيار السيد أحمد رحو يحمل دلالة بالنظر إلى مساره الذي يجمع بين التكوين الهندسي والمعلوميات والتنظيم، ثم تدبير المقاولة والقطاع المالي، والدبلوماسية الاقتصادية، وأخيراً تنظيم المنافسة. وهي تقاطعات مهمة لأن الذكاء الاصطناعي لم يعد ملفاً تقنيا فقط، بل أصبح مرتبطاً بالاستثمار والسوق والمنافسة والتنظيم والديبلوماسية والسيادة الرقمية.

ولذلك قد تكون المرحلة المقبلة في حاجة إلى هذه القدرة على الربط بين التكنولوجيا والاقتصاد والإدارة والتنظيم والتعاون الدولي، كما سيعتمد النجاح على نوعية الفريق والكفاءات التي ستحيط بالوزارة، وعلى قدرتها على الجمع بين التكنولوجيا والبيانات والقانون والاقتصاد والسياسات العمومية، ثم توسيع هذا الرهان ليشمل الإدارة والاقتصاد والمجتمع.

فالذكاء الاصطناعي لا يحتاج فقط إلى متخصصين قادرين على تطويره، بل أيضاً إلى رفع قدرة الأفراد والمؤسسات على فهمه واستخدامه وتقييم نتائجه، ومن هنا تصبح سياسة المهارات جزءًا من الاستراتيجية الاقتصادية نفسها، لأن التكنولوجيا يمكن اقتناؤها بسرعة، بينما بناء الخبرة والقدرة على التكيف يحتاج إلى وقت واستثمار مستمر.

وتأتي البيانات في قلب هذه المعادلة. فلا ذكاء اصطناعيا ملائما للسياق الوطني من دون بيانات جيدة ومنظمة وآمنة وقابلة للاستخدام وفق قواعد واضحة، وكلما توسع الاعتماد على البيانات والأنظمة الذكية، ازدادت أهمية الثقة الرقمية والأمن السيبراني، وحماية المعطيات، واستمرارية الخدمات، ووضوح المسؤولية والمساءلة.

لذلك، لم يعد مناسباً أن نرقمن أولا ثم نفكر لاحقا في كيفية التأمين، بل ينبغي أن يكون الأمن والثقة والمرونة جزءًا من التصميم منذ البداية.

وهنا يلتقي «الطريق الثالث» أيضاً مع مفهوم واقعي للسيادة الرقمية، فالمقصود ليس الانغلاق أو محاولة إنتاج كل التكنولوجيا محليا، بل امتلاك القدرة على الاختيار والفهم والتفاوض والتكييف، وحماية الأصول الحساسة، وتطوير الكفاءات الوطنية، وتجنب الارتهان الكامل لمزود أو منظومة واحدة.

كما يمكن للحكومة أن تؤدي دورا أكبر من مجرد استعمال التكنولوجيا أو تنظيمها، بأن تصبح محركا للسوق والابتكار من خلال السياسات العمومية والطلب العمومي والبحث والتكوين والشراكات. وفي المقابل، ينبغي أن يترك التنظيم مساحة كافية للابتكار، بالتركيز على النتائج ومستويات الثقة والحماية المطلوبة أكثر من فرض أدوات تقنية قد تصبح متجاوزة بسرعة.

والنجاح سيتطلب أيضاً شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والجامعة والبحث العلمي والاستثمار، لأن المعرفة والقدرات والبيانات والتمويل موزعة بين فاعلين مختلفين، ولا يمكن لطرف واحد أن يبني منظومة ذكاء اصطناعي مستدامة.

من هذه الزاوية، تبدو الوزارة الجديدة خطوة مؤسساتية مهمة، لكنها تظل بداية فقط، فالخطاب الملكي حدد الاتجاه، والهندسة الحكومية منحت الورش عنوانا ومسؤولية واضحة، أما التحدي الآن فهو الانتقال من التوجيه إلى الاستراتيجية، ومن الاستراتيجية إلى التنفيذ، ومن التنفيذ إلى أثر قابل للقياس والتقييم.

وربما يمثل «الطريق الثالث» مدخلا مناسبا لهذا الطموح: ألا نكتفي باستهلاك التكنولوجيا، وألا ندخل في سباق لا نملك شروطه نفسها، بل أن نبني قدرة مغربية على الاختيار والتكييف والتطوير والابتكار وخلق القيمة.

ففي النهاية، لن تقاس مكانة المغرب في عصر الذكاء الاصطناعي بحجم النماذج التي يمتلكها، بل بقدرته على تحويل الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي إلى رافعة للإنتاجية والابتكار وفرص العمل وجودة الخدمات والتنافسية والثقة والسيادة والتنمية.

-الكاتب العام للمرصد المغربي للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 00:43

الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية

صوت وصورة
بدون عنوان | العنف ضد الرجال
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 23:12 3

بدون عنوان | العنف ضد الرجال

صوت وصورة
ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 22:26

ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟

صوت وصورة
بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 21:39 1

بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات

صوت وصورة
الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 20:37

الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة

صوت وصورة
مراسيم تسليم السلط
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 19:34 2

مراسيم تسليم السلط