تغيير المنزل واغتراب الكتب

تغيير المنزل واغتراب الكتب
الثلاثاء 19 غشت 2025 - 10:28

الانتقال المادي من منزل إلى ثان، ليس بالأمر الهيِّن؛ لأنَّه يقتضي حرفيًا مجهودًا على جميع المستويات، سواء بتجهيز لوجيستيك الذَّهاب أو استشراف تفاصيل توطين فضاء الاستقبال.

لا أريد ضمن هذا المقام العابر استدعاء إشكالية التِّرحال وفق أبعاده ومحدِّداته الفلسفية والوجودية العميقة، من خلال متواليات لعبة المكان/اللامكان، السَّفر الدَّائم عبر المكان الواحد، لانهائية التِّرحال وتعدُّد سبله، ولادات المكان اللامتناهية، أو انصهار الأمكنة بالمطلق – مهما تباينت وتنوَّعت – عند نواة مكان الطفولة الأولى، باعتباره في نهاية المطاف مبتدأ ومنتهى خيال الأمكنة، من الولادة غاية الموت.

أعتقد بأنَّ أهمَّ حكاية مباشرة في زمننا ومكاننا الحاليين – بالنسبة لمن لا يزال يملك مكتبة داخل بيته، رغم ابتذال هذا الطرح لدى الكثيرين – بخصوص حيثيات الانتقال إلى منزل ثان، تتعلَّق أساسًا بمدى شرعية حمولة الكتب وجدوى حضورها غير المناسب والثَّقيل، حسب تقدير جلِّ الآراء الصَّادرة لدى أهل المحيط القريب أو المنبعثة من خارجه، داخل مجتمع تعمَّقت فجوته كفاية مع هذا الكائن التاريخي العريق جدًا – عراقة الإنسانية – ويكابد راهنًا، مثلها تمامًا، بشقِّ الأنفس حتمية الانقراض النهائي، رفقة آخر موروثات زمن ولى بكل أقانيمه ومرتكزاته.

إذن، تَعدُّ حكاية التحوُّل بحمولة كتب من منزل إلى منزل إشكالية عويصة ومسألة قائمة الذات؛ لاسيما إذا كان عددها فائضًا مستفيضًا ومثيرًا للانتباه. هنا تبدأ مشاعر خاصة في التَّبلور، غير إيجابية عموماً، تتجاذبها عبارات الضَّجر، الامتعاض، الانذهال، الاستغراب، التهكُّم، ثم تداعيات أخرى من هذا القبيل:

  • «شْلاَّ كْتُبْ!»

  • «آه، لو كانت هذه الكتب أوراقًا نقدية!»

  • «لماذا كلُّ هذا، يا هذا!»

  • «أهل الكتب! يا أهل الكتب!»

  • «ما قيمة كل هذه الصفحات أمام هاتف ذكيٍّ؟»

  • «سأشعر بالاختناق إن أسعفتني قدراتي الذهنية والجسدية كي أكمل قراءة بضعة سطور من هذا الكتاب للحظات قليلة».

همسات تتبادلها إيماءات المكلَّفين بالمهمَّة.

مهما كنتَ سخيًّا في أداء التكلفة المقترحة، وأبديتَ تفاعلًا مرنًا من مجرَّد سماع المبلغ دون تفاوض أو تردُّد – كما هو معتاد – تشكِّل رغم ذلك حمولة الكتب عبئًا عبثيًا على صاحب الشاحنة ومعاونيه؛ كأنَّهم بصدد أداء خدمة غريبة تمامًا عن المألوف والمعلوم؛ والجديد دائمًا يفزع. بل ويشعرونكَ ضمنيًا باغترابهم الصميمي عن اللحظة، مما أفقدهم بغتة أدبيات روتين عملهم، ويحتاجون جرَّاء هذه الحالة النَّشاز إلى استئناس خاص حتى يتمكَّنوا من العثور على سبل التَّعامل مع الوضع الجديد.

خلال الآن ذاته، بعد تجرُّعهم وامتصاصهم صدمة المشاهد الأولى، واستعادة التوازن النَّفسي، تثير الكتب لديهم انسيابًا لمجرى أفكار مغايرة أكثر سموًا، مقارنة مع صنف الانطباعات الأولى، بحيث يجري الحديث هذه المرة وفق نبرة أقرب إلى شاعرية النوستالجيا، وكأنَّ الصدمة أحدثت بعد حين تطهيرًا نفسيًا، وأماطت اللِّثام عن ظلمات زوايا مترسِّبة ومتكلِّسة بين طيات نفوس مجروحة ومنكسرة، اغتيلت آدميتها من لدن منظومة مجتمعية لم تكترث في يوم من الأيام ببناء الإنسان والارتقاء بآدميته، مثل:

  • «آه! لو عاد الزمان إلى الوراء لاعتكفتُ داخل المدرسة ودرست ليلًا ونهارًا».

  • «أين نحن من عظمة أساتذة ذلك الزمان؟! كنَّا نركض ركضًا دون التفات إلى الخلف بمجرَّد أن نرمق طيف أحدهم».

  • «تُبنى المجتمعات وتتهذَّب الشعوب بالعلم والتحصيل الجاد».

  • «من شَغَل نفسه بكل هذه الكتب، انشغل عن يوميات الناس».

  • «أهل الكتب، طيِّبون وأذكياء».

تستغرب استغرابًا وأنتَ تلتقط إشارات مغايرة لجنس سابقتها، أعادت الاعتبار بكيفية أو أخرى للكتاب، قياسًا للارتسامات السابقة، لدى أشخاص أبعد ما يكونون عن عوالم الكتاب ودلالاته. بل يعكس – أولًا وأخيرًا – اغترابًا خالصًا وحالة غير مستساغة قط في كثير من الأحيان.

عموماً، تجسِّد أجواء رحلة من هذا القبيل معيارًا حقيقيًا لإعادة جسِّ نبض المجتمع بخصوص علاقته بالكتاب: هل مندرج حضوره بجانب مختلف حاجات الفرد الضرورية قصد استمرار الحياة حيَّة؟ كما الشأن مع الجماعات البشرية التي قطعت مسافات كبيرة على مستوى بناء الوعي العام وتوطيده، حيث يشغل الكِتاب خلال كل آن أبعاد المكان جملة وتفصيلاً؟ أم على العكس من ذلك، يكابد المسكين وضعيات الاغتراب، الإقصاء، الفصل، العزل، الإذلال، التحقير، المصادرة، الإبعاد…؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    الأربعاء 20 غشت 2025 - 06:58

    “كل كتاب يُنقل من بيت إلى بيت هو إعادة تشييد لوطن في منفى.”

    أستاذ سعيد،

    قرات مقالك الذي يمس الجرح باعماقه، فوجدتني ارى ظلال صناديق الكتب تتكدس في زوايا الوجدان قبل زوايا المنزل. لقد حولت لحظة الانتقال العادية الى مأساة رمزية تعبر عن قلقنا الجمعي مع الهوية والذاكرة. انها رحلة الكتاب من قلب الحياة الى هامشها، ومن كونه ضرورة الى ان يصبح ترفا، بل عبئا.

    ما ابدعت في تصويره هو ذلك الانزياح التراجيدي بين قيمة الكتاب كحامل للوعي وبين نظرة المجتمع له كحامل للاتربة. لقد استطعت ان تصور اللحظة التي يتحول فيها الحنين الى معرفة الى نوع من العزاء البائس، حيث يتذكر الناس فجأة ان لهم ماض ثقافي كان اجمل من حاضرهم الفارغ.

    ان الاغتراب الذي تحدثت عنه هو اغتراب الضمير قبل ان يكون اغتراب الورق، انه انفصال الامة عن قصتها الكبرى، وعن السردية التي كانت تصنع وجودها. فالشاحنة التي تحمل الكتب هي في الحقيقة تحمل اوطانا متنقلة، لكنها تتحرك في مجتمع لم يعد يعترف بحدود المعنى، ولا بجغرافيا الفكر.

    “حين تموت المكتبة في بيت، فان روح الامة تشرع في الرحيل.”

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
ندوة دولية تقارب التماسك الاجتماعي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 15:21

ندوة دولية تقارب التماسك الاجتماعي

صوت وصورة
الراشدي يشيد بالبرنامج الانتخابي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 13:37

الراشدي يشيد بالبرنامج الانتخابي

صوت وصورة
فريق "البام": لن نكون مجرد "كومبارس"
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 13:00 2

فريق "البام": لن نكون مجرد "كومبارس"

صوت وصورة
مغاربة يشيدون بإنجاز أسود الفوتسال
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 12:50 2

مغاربة يشيدون بإنجاز أسود الفوتسال

صوت وصورة
استقالات وتعيينات بمجلس النواب
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 10:51 1

استقالات وتعيينات بمجلس النواب

صوت وصورة
التوقيت الميسر بين الاختيار والإجبار
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 09:05 2

التوقيت الميسر بين الاختيار والإجبار