تسعة مقترحات لتغيير مسار إصلاح المدرسة العمومية
عيّن جلالة الملك السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة الجديدة، وكلفها بتشكيل حكومة سياسية في مستوى تحديات المرحلة. وقد باشرت، بمعية فريقها، مشاوراتها مع الأحزاب السياسية، في أفق بناء تحالف حكومي قوي ومنسجم، على أساس برنامج متوافق عليه، يترجم شعار “تغيير المسار”. وفي خضم هذه المشاورات، وعلاقةً بورش إصلاح المدرسة العمومية، تطرح أسئلة ملحة: ماذا تحقق فعلاً من البرنامج الحكومي السابق؟ وما الذي لم يتحقق؟ وما الأرضية التي ستقدمها السيدة الرئيسة ل”تغيير المسار” في إصلاح المدرسة؟ وما الاقتراحات الممكنة لبرنامج يعيد للإصلاح نفَسه المنحرف، ويتجاوز الاختزال التقني، ويركز على الأولويات، ويعيد الحياة للنص المؤسس: الرؤية الاستراتيجية، ومعها القانون الإطار 51.17، يرتكز على تعاقد الأمة مع مدرستها، ويتجاوز المعيقات، ويترجم الرهانات، كما دعت إلى ذلك مؤسسة المجلس الأعلى للتربية والتعليم والبحث العلمي؟
لا يمكن مقاربة هذه الأسئلة بمعزل عن خمسة معطيات أساسية: الجهوية المتقدمة كخيار تنموي استراتيجي وفي صلبها الجهوية التربوية؛ احتجاجات الشباب في السنة الماضية التي كان من بين مطالبها إصلاح التعليم؛ احتجاجات تلاميذ الثانويات الفرنسية التي تنبئ بانفجار المدرسة الفرنسية من الداخل، مع ما بين نظامنا التربوي ونظامها من شبكة علائقية معقدة؛ إكراهات مغرب السرعتين في المجال التربوي بتسريع تفعيل مبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص في بعده الموسع، والجودة الشاملة في الولوج والاحتفاظ والتعلمات، كتحسين مستمر من أجل الارتقاء الفردي والمجتمعي؛ وأخيراً رهانات إعداد الفاعل الرياضي المحترف لخوض منافسات كأس العالم 2030.
الإنصاف يقتضي الاعتراف بما تحقق قبل نقد حدوده. فقد شهدت السنوات الخمس الأخيرة مجهوداً مالياً غير مسبوق في تاريخ التعليم المغربي، إذ ارتفعت ميزانية قطاع التربية الوطنية من حوالي 68 مليار درهم سنة 2019 إلى ما يقارب 97 مليار درهم سنة 2026. وهذا الارتفاع، في حد ذاته، يعكس إدراكاً بأن الإصلاح بدون موارد لا يعدو أن يكون خطاباً وشعارات. وقد ترجم هذا الاستثمار إلى مؤشرات ملموسة: بناء مؤسسة تعليمية جديدة، غالبيتها في العالم القروي؛ وارتفاع عدد المدارس الجماعاتية؛ وارتفاع أسطول النقل المدرسي؛ وارتفاع ملحوظ في عدد المستفيدين من التعليم الأولي. وفي مجال تأهيل الموارد البشرية، استفاد أكثر من 80 ألف أستاذ من تكوينات، وتحسنت وضعية موظفي القطاع بزيادات أجرية متفاوتة في الرواتب الأساسية والتعويضات.
أما مشروع “مؤسسات الريادة”، الذي انطلق في 626 مدرسة ابتدائية في الموسم الدراسي 2023-2024 وقد يصل في الموسم الحالي إلى 80% من مجموع مؤسسات سلكي التعليم الإلزامي. وسجلت المعطيات الرسمية ارتفاعا في نسبة التحكم في التعلمات الأساس، وانخفاضا في نسبة الهدر المدرسي في بعض المؤسسات، وارتفاعا في نسبة المستفيدين من الأنشطة الموازية. لكن هذه الإنجازات، على أهميتها، لا تكفي وحدها للحكم على فعالية مسار الإصلاح وخاصة إذا قاربناها في ضوء مرجعيّات الإصلاح المؤسسة والقانونية والتعاقدية.
الإنصاف نفسه يقتضي ألا نكتفي بقراءة الأرقام والإنجازات الظاهرة، لأنها تخفي بقدر ما تكشف. فالسؤال المركزي: هل استندت الفرضية الإجرائية نفسها على مرجعية الإصلاح، أم أنها غيرت النموذج الإصلاحي نفسه، واتخذت مسار آخر بخلفيات إصلاحية أخرى؟ وهل يمكن اعتبار فرضية الإصلاح التي تم اعتمادها بما حققته من إنجازات كافية للتأشير على فعالية الإصلاح؟ هنا تبدأ المفارقة العميقة: فقد وصفت وثيقة التصريح الحكومي السابق أزمة المدرسة بأنها “مفارقة” بين حجم الاستثمار وضعف النتائج، لكنها لم تذهب إلى أبعد من ذلك لتسأل: أليس هذا العجز ناتجاً بالضبط عن النموذج التبسيطي الذي تظل الوثيقة نفسها أسيرة له؟ لقد ظل الإصلاح، في معظم إجراءاته، أسير منطق المؤشرات القابلة للقياس، والمشاريع القابلة للتنفيذ في إطار زمني محدد، والرؤية الخطية التي تربط السبب بالنتيجة دون استيعاب لتعقيد الظاهرة التربوية. وهذا ما جعل “إصلاح الإصلاح” مستمراً، في جوهره، على نهج الدوامة الفارغة، تتوالى فيها المشاريع والبرامج التقنية دون أن تمس جوهر ما تعانيه المدرسة من أزمة بنيوية مركبة.
وفي صدارة ما لم يتحقق نستحضر المخطط التشريعي لتفعيل أحكام القانون الإطار 51.17، الذي يشكل تعاقداً متقدماً بين الدولة والمجتمع، والتزاماً قانونياً الأول من نوعه. لقد نص صراحة على إصدار جميع النصوص التطبيقية قبل نهاية 2023. لكن هذا الالتزام لم يتم، إذ تعطل المخطط بفعل الإرادة السياسية التنفيذية، وكان يضم أكثر من 10 قوانين و80 مرسوماً وما يرتبط بها من قرارات. وهذا ليس تفصيلاً تقنياً، وإنما هو جوهر المسألة: لأن القانون الإطار لا يغير الواقع بمجرد صدوره، وإنما تغيره النصوص التطبيقية التي تمنحه الفعالية، وتغيره الإجراءات والممارسات التنفيذية التي تتجاوز المعيقات. وغياب هذه النصوص يعني أن الإصلاح ظل معلقاً بين النص والتنزيل، بين الوعي بأهمية القطيعة مع الدوامة الفارغة وبين الاستمرار الفعلي فيها.
ولم يتحقق كذلك الانتقال من منطق “تنفيذ البرامج” إلى منطق “بناء التجارب”، ومن ثقافة “التقييم المعياري” إلى ثقافة “التقييم المصاحب والمرافق”. فما زال الأستاذ، حيثما وُجدت المدرسة، في المجال الحضري الغني، أو في المجال القروي البعيد والمعزول، مطالباً في الغالب بتنفيذ منهاج وتعليمات، وتطبيق برامج وخطط وسيناريوهات، وليس بناء تجربة تعلم حية مع جماعات التعلم. وما زال التقييم يتحول غالباً إلى آلة لقياس ما يمكن قياسه بسهولة، أي المعارف والمهارات الأساسية، وإهمال ما لا يقاس: الإبداع، وروح المبادرة، والتفكير النقدي، وحل المشكلات، وربط الحياة المدرسية بحياة المواطنة بشكل خاص، والحياة العامة بشكل عام.
ولم يتحقق، قبل ذلك وبعده، رد الاعتبار الحقيقي لمهن التربية والتعليم والتكوين، لأن رد الاعتبار لم يكن يوماً مسألة أجر فقط، وإنما هو أزمة اعتراف وجودية في ثقافة أصبحت فيها المدرسة مجرد أداة لخدمة الاقتصاد، والمعلم مجرد وسيط في نقل معارف ومهارات محددة سلفاً. وتحسين وضعية المعلم، مهما بلغت قيمته، لن يحدث تحولاً حقيقياً ما لم يرافقه تحول في النموذج الثقافي للمدرسة نفسها، وفي مكانة المعلم داخل هذا النموذج، وفي العلاقة بين المدرسة والمجتمع.
ولم يتحقق، في المستوى الأعمق، تجاوز ذلك التصنيف الذي يختزل المنهاج الدراسي في مواد أساسية ومواد غير أساسية، وكأن المنهاج لم يعد قائماً على ثلاثة مجالات دراسية متكاملة ضمن نسق معرفي وتربوي وبيداغوجي: مجال اللغات، ومجال العلوم والرياضيات، ومجال التنشئة الاجتماعية والتفتح. إن تعليم القراءة، مثلا، في مجال اللغات، لا يمكن أن يكون نسقياً إلا إذا شمل قراءة النصوص في شموليتها وبمختلف أشكال الكتابة، بالحروف والخطوط والنوطة الموسيقية والرموز الرياضياتية والبرمجة وغيرها. فقراءة نص نثري أو شعري، خبري أو إنشائي، مؤسساتي أو فردي، لا تختلف عن قراءة لوحة فنية، أو نص موسيقي، أو معادلة رياضية، أو مقطع برمجي. كلها قراءة، كلها تستبطن مهارات أساسية وتتطلبها لتحسين الفهم، وتحسين التاويل، وليس فقط فك الرموز. ومن ثم، يمكن التمييز بين مواد دراسية أداتية ومواد غير أداتية، وليس بين مواد أساسية وغير أساسية. فمن ذا الذي له الحق في التمييز في الأهمية بين تعلم مهارات الرياضيات والقراءة عن التربية على المواطنة والقيم والاختيار، وقد جعلتها كل الوثائق المرجعية للإصلاح مداخل للتنشئة الاجتماعية والسلوك المدني ومعايير العيش المشترك، وهي من أهم وظائف المدرسة؟
على أساس هذا التشخيص المختصر، يمكن تقديم تسعة اقتراحات نراها ضرورية لاستئناف الإصلاح عبر مسار ممكن، لا يعيد إنتاج الدوامة نفسها، وإنما يمكنها أن تتحول إلى تسعة التزامات لتغيير مسار إصلاح المدرسة العمومية في التجربة الحكومية الجديدة:
الاقتراح الأول: إتمام المخطط التشريعي في أول سنة من الولاية، إذ لا يمكن الحديث عن تعاقد جديد مع المدرسة دون أن تكتمل النصوص التطبيقية للقانون الإطار 51.17. لأن تعطيل هذا المخطط ليس تراجعا وفقط، أو مجرد تأخير إداري، وإنما هو إشارة إلى أن الإصلاح اتخذ مسارا آخر، وما زال رهين الإرادة الظرفية، وليس مؤسساً على التزام قانوني يحمل في طياته إمكانيات التحيين والتجديد والملاءمة. وإتمام هذا المخطط هو أول اختبار لمصداقية الحكومة الجديدة في تغيير المسار في مجال التربية عامة والمدرسة العمومية خاصة.
الاقتراح الثاني: إعادة بناء التصور التنفيذي في ضوء الرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار والتعاقد المجتمعي بين الأمة ومدرستها، كما دعت إليه مؤسسة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، لا في ضوء منطق المشاريع والبرامج التقنية والمنفصلة. إن ما تحتاجه المدرسة ليس مزيداً من البرامج، وإنما مأسسة الإصلاح ونسقية في التدبير، وترتيباً للأولويات، وتعدداً في مصادر التمويل الوطني الضامنة لديمومة التنفيذ بدل الاعتماد الكلي على مصادر خارجية. كما تحتاج إلى ترسيخ الحكامة الجيدة للمنظومة في كليتها، ومأسسة مقومات هذه الحكامة، وإلى الاستثمار في النفس الطويل الذي يجعل مقاربة الإصلاح بنيوية ونسقية تلائم طبيعة الأزمة البنيوية التي تعانيها المدرسة العمومية.
الاقتراح الثالث: إعادة تعريف “الجودة” و”تكافؤ الفرص” و”الحياة المدرسية” و”الأنشطة المدرسية” و”الزمن المدرسي”، تعريفاً يتجاوز المقاربة الكمية والاختزالية والسطحية. فالجودة الحقيقية تتعلق بالعلاقة البيداغوجية الحية بين المعلم والتلميذ، وبالمناخ المدرسي، وبفعالية مجتمع التعلم، وبجودة الحياة المدرسية باعتبارها حياة لا مجرد إعداد للحياة، وبالمعنى الذي يكتشفه التلميذ في تعلمه، ومن ثم تتعلق بقدرة المدرسة على إنتاج إنسان مواطن قادر على تعلم التعلم ومهاراته، وعلى العيش مع التناقض وتحمل اللايقين والتفاعل الملتزم والواعي مع الخوارزميات. وتكافؤ الفرص الحقيقي لا يتحقق بإعطاء الجميع نفس الفرص، وإنما يتحقق بتمكين كل فرد من تطوير قدراته الفريدة في سياق يحترم تعقيده. وهذا يقتضي الانتقال من خطاب “تكافؤ الفرص” كشعار سياسي إلى رؤية فلسفية عميقة للتربية كفن للوجود.
الاقتراح الرابع: تطوير مشروع مدارس الريادة بمقاربتيه العلاجية والوقائية باعتباره مجرد فرضية من فرضيات تفعيل اختيارات الإصلاح، بحيث يتم الاستثمار في إيجابياتهما الإجرائية في التعامل مع وضعيات فقر التعلم، والفقر في التعلمات، والوضعيات الصعبة والاستثنائية، عن طريق التركيز على الكفايات والمهارات الأساسية، كمحطة لا كمسار، لكن من دون مأسسة المقاربتين وتعميمها وتوحيدهما. فجماعات التعلم في وضعيات تراكم ملائم للمستوى الدراسي ودرجة نماء الكفايات والمهارات، هي في حاجة إلى مقاربة التدريس بالكفايات المنفتحة على التنوع في الأطر المنهجية التصريفية، وعلى نماذج مختلفة للتدريس، بحسب طبيعة الأنشطة المدرسية والمواد الدراسية والسلك والمستوى الدراسي. وهذا يقتضي دعم الاستقلالية البيداغوجية لا تحجيمها واختزالها.
الاقتراح الخامس: رد الاعتبار لمهنة التدريس رداً وجودياً لا أجرياً فقط. وهذا يعني الاعتراف بالأستاذ كمبدع ومنتج للمعرفة التربوية، لا كمنفذ للمناهج، وتوفير فضاءات حقيقية لاستقلاليته المهنية، ومأسسة التكوين المستمر وربطه بسياقات الممارسة الفعلية، وإشراك الفاعل التربوي في تصميم الإصلاح وتقويمه، لا في تنفيذه فقط.
الاقتراح السادس: إعادة النظر في تصنيف المواد الدراسية في سلكي التعليم الإلزامي، حيث لا يجوز أن يستمر الحديث عن مواد أساسية ومواد غير أساسية في هذه المرحلة الحاسمة من بناء شخصية المتعلم. لأن جميع المواد الدراسية والمجالات، في هذين السلكين أساسية بالضرورة، لأنها تشكل نسقاً معقداً ومترابطاً يدعم بعضه بعضاً. والتمييز بينها ليس خياراً بيداغوجياً بريئاً، وإنما هو خيار إيديولوجي يكرس هيمنة نموذج معرفي ضيق على حساب التنشئة الشاملة، فاكتساب المعارف والمهارات دون اكتساب القيم والسلوك المدني ومعايير العيش المشترك والمواطنة والانتماء، يمكن أن تنتج فاعلا اقتصاديا منتجا، لكنها لا يمكن أن تنتج إنسانا في بعده الوطني والكوني، قادرا على الاختيار، متحملا للمسؤولية، مساهما في نهضة أمته.
المقترح السابع: تعميق فهم النشاط المدرسي والحياة المدرسية باعتبارها حياة تعيشها المؤسسة التعليمية، لأن مقاربة تدريس الكفايات بالكفايات تقتضي تنويع أنشطة التعلم ومساراته، فالأنشطة الفصلية وحدها يمكن أن تحقق التقدم في اكتساب المعارف والمهارات، لكن الأنشطة المندمجة كدعامة من دعامات تصريف المنهاج التربوي، والأنشطة الموازية وأنشطة المشاركة المواطنة كتربية على الحياة في المجتمع المدرسي، تغني المنهاج الدراسي وتدعمه وتجعل المتعلم فاعلا يتعلم عبر الممارسة، يكتشف مواهبه ويصقلها، ويعزز اختياراته ويقويها. ومن ثم فالنوادي المدرسية ومؤسسات التفتح الفني والأدبي والرياضي لا تقل أهمية عن الفصل الدراسي في تنمية وتطوير الكفايات والمهارات الحياتية والتربية على المشاركة المواطنة. إن المتعلم أمام سطوة الخوارزميات على سوق الانتباه، وهيمنة الحياة الرقمية على حياته اليومية، هو في حاجة أكثر من أي وقت لأنشطة التفتح والمشاركة والتقاسم، لتقوية إرادته، وتنمية وعيه، وتحقق المعنى في ذاته.
الاقتراح الثامن: إعادة النظر في النموذج التدبيري للمدرسة، وخاصة في مشروع المؤسسة المندمج، من كونه مجرد خطة أو مجموعة عمليات مؤطرة بمعايير ومؤشرات، كما تم التأسيس لذلك في السنوات الأخيرة، إلى اعتباره إطاراً منهجياً لتدبير الشأن التربوي للمدرسة وتفعيل وتنزيل اختيارات الإصلاح وفق خصوصيات المدرسة، كما أسست له الرؤية الاستراتيجية ومختلف الأدبيات التربوية الرسمية منذ 2009، وكما أقره القانون الإطار. وهو ما يقتضي تعزيز استقلالية المؤسسات من جهة، وإعادة النظر في مهام مجالس المؤسسة وهيكلتها وتكوينها وطريقة اشتغالها، من جهة ثانية، وذلك من أجل بناء مستلزمات الحكامة والتأسيس لمدرسة القرب المتعلمة من تجاربها وتراكماتها وإمكانياتها، المنفتحة على شركائها، وفق رؤية تجعل المدرسة تعيش نهضتها خطوة خطوة، وتنمو وتتطور ضمن برامج التنمية الترابية المندمجة. وتلك هي معالم مدرسة الريادة كما يجب أن تكون.
الاقتراح التاسع: بناء ثقافة تقييمية جديدة، حيث لا يمكن أن يظل التقييم آلة لقياس ما يمكن قياسه بسهولة، وإهمال ما لا يقاس. إن تقييم “التموضع” ومؤشرات الإنجاز والتحصيل الخاص بجماعات التعلم في الفصول الدراسية يجب أن يفسح المجال لـما يمكن تسميته بتقويم المواكبة المرتبط بدرجات نماء الكفايات بمكوناتها الأساسية (المعارف والقيم والمهارات)، والمهارات الحياتية، ومهارات التفكير بمستوياتها الثلاثة (الدنيا والمتوسطة والعليا)، في مختلف مكونات الأنشطة المدرسية (الأنشطة الفصلية، والأنشطة المندمجة، والأنشطة الموازية، وأنشطة المشاركة المواطنة).
بطبيعة الحال، كل هذه الاقتراحات وغيرها، مهما كانت وجاهتها، تظل ناقصة ما لم يواكبها تحول في الفهم ذاته. فما يسمى “الإصلاح التربوي” ليس مسألة تقنية، وإنما هو ساحة صراع بين مشروعين متناقضين: مشروع الحداثة الذي أسس المدرسة العمومية على قيم العقل والمساواة والمواطنة، ومشروع ما بعد الحداثة الذي فكك السرديات الكبرى، ومشروع الأنوار المظلمة الذي يعلن صراحة أن المساواة وهم، وأن الحل هو في حكم النخب التقنية. وقد رأينا كيف تلعب المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية دوراً محورياً في فرض هذه الرؤية على الدول الصاعدة والنامية، عبر القروض المشروطة وبرامج التقييم الدولية، في إعادة إنتاج للتبعية وتكريس للتفاوت. وهذا ينقلنا للوقوف على أن إصلاح المدرسة العمومية هو في وضعية توتر بين مشروعين: مشروع العدالة ومشروع الكفاءة الاقتصادية. وهذا التوتر يقتضي مقاربة مركبة لتجاوزه، مقاربة تجعل العدالة حقاً والكفاءة ممكناً وتمكيناً، يتكاملان ولا يتصارعان. غير أننا متأكدون بأن ما يحدث ليس مؤامرة، وإنما هو توافق عضوي بين مصالح النخب الاقتصادية العالمية والمحلية، وبين السياسات التربوية التي تفرضها المؤسسات الدولية، وبين الإيديولوجيات التي تشرعن هذه السياسات. وهذا التوافق، في غياب وعي نقدي ومقاومة منظمة، يتحول إلى قدر محتوم على المدرسة العمومية. ومن ثم فهو أمر يستوجب فعلا تغيير مسار الإصلاح وفق رؤية وطنية استراتيجية تستجيب لرهانات المستقبل.
وهنا يظل السؤال الأكبر: هل هذه الحكومة الجديدة، ببرنامجها المرتقب، قادرة على كسر دوامة “إصلاح الإصلاح” التي ظلت المدرسة المغربية تدور فيها لعقود؟ وهل يمكنها التوافق على إنتاج مسار جديد يحيي المرجعيات، ويعدد فرضيات التصريف، ويجعل إجراءات التنفيذ مرتبطة بخصوصيات المؤسسات وبالتحسين المستمر؟ الإجابة لا يمكن أن تكون بنعم أو لا، لأن المستقبل، كما يعلمنا إدغار موران، ليس قدراً محتوماً، وإنما هو مشروع يبنى وفق السياقات، بإرادة صادقة وحسن استثمار الوسائل المتاحة. ولعل أهم ما يمكن أن تفعله رئيسة الحكومة الجديدة هو أن تضع المدرسة العمومية في صلب الأولويات الوطنية كمطلب ضمن مطالب العدالة الاجتماعية والمجالية، وأن تعلن صراحة أن “تكافؤ الفرص” غاية لا تقبل المساومة، وأن تتعاقد مع الأمة على مدرسة تليق بتعقيد الإنسان ورهانات المستقبل. تلك هي نظرتنا، وتلك هي اقتراحاتنا، وسننتظر تشكيل الحكومة الجديدة، وتصريحها، أمام نواب الأمة، حتى نرى إنْ كان هناك ما يؤشر فعلا على “تغيير المسار” في قضايا المدرسة العمومية خاصة والتربية والتكوين عامة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.